‫الرئيسية‬ مقالات الثورة وأزمة اليسار*
مقالات - 7 أبريل 2021

الثورة وأزمة اليسار*

أبوبكر الأمين
اليسار مدارس ومشارب، وهناك أكثر من حزب يمكن أن يدخل في هذا التصنيف الفضفاض، ولكن في السودان يمثل الحزب الشيوعي من ناحية تاريخه ومواقفه ونفوذه أكثر أحزاب اليسار تجربة.

تتجلى الأزمة في أن اليسار الذي كان على أعتاب الحكم، حملته أمواج السياسة في بلدنا إلى موقع بعيد من التأثير على الأحداث بسبب صعود التيارات الإسلامية، عبر الانقلاب، إلى سدة الحكم ومن على مركز السلطة عملت هذه القوى على إضعاف مواقع اليسار من خلال العنف البدني والقانوني، إلى جانب محاولاتها على الجبهة الفكرية تصفية الحساب مع الفكر الماركسي والفكر القومي، وقد وضعت هذه التحولات قوى اليسار جميعها في موقع الدفاع عن الوجود والحفاظ على أحزابها ولو على أدنى مستوى، وقد أسهم في هذا الوضع، إضافة لما ذكر، نزف كبير في الكوادر عبر الهجرة للخارج ومعاناة من اختراقات أمنية واسعة.

وقد كتب على هذه الأحزاب المعبرة عن قوى اليسار وهي بهذا الوضع، أن تسهم في معركة جليلة عنوانها إسقاط النظام الانقلابي لفتح الباب أمام تطور البلاد الديمقراطي، وضمان سيادته، وحل أزمته الاقتصادية، ووضعه من جديد في مصاف الدول الناهضة.

فالأزمة بالطبع عنوانها العجز؛ وهو يعني ضعف في المقدرات الفكرية والتنظيمية والسياسية والدعائية، والقضية مطروحة على هذا النحو المنطقي البسيط، أن تتخلص أحزاب اليسار عن عجزها، وأن تطور مقدراتها لتستطيع أن تقوم بالمهام الكبيرة الملقاة على عاتقها.

هناك إمكانية واسعة لهذه القوى كي تتخلص من عجزها، وأن تعود من جديد لمركز الفعل السياسي، لكن هذه الإمكانية تتطلب عملاً كبيراً وجهداً قاصداً على مختلف الجبهات، وهو عمل سيكون ذا طابع ثوري حقيقي؛ لأنه شرط من شروط نضوج الثورات، وهو متعلق بالعامل الذاتي في مقابل العوامل الموضوعية.
إن الوعي لا يتحول لقوة مادية إلا إذا تجسد في كيانات وأشكال تنظيمية فعالة تتوسط بين الفكرة والفعل، الفعل الجماعي الجماهيري الواسع المسمى بالانتفاض، لذا فإني أرى أن العمل التنظيمي عنصر مركزي في النشاط الحزبي بجانبيه المترابطين تنظيم الحزب وتنظيم الجماهير.
وعندما نلاحظ أن النضال الفكري الكبير الذي شنته قوى المعارضة كلها، ومن ضمنها قوى اليسار، في فضح حكم الإسلاميين وتهافت دعوتهم وتناقضاتهم بين ما وعدوا به من طهارة وما تكشف عن فساد عظيم وتفريط في سيادة البلاد وأرضها، وغير ذلك من جوانب الجولات الفكرية والسياسية والدعائية التحريضية، نتيقن من اعتبارها كافية ومحققة لأهدافها في عزل الحكم وتجفيف مواقعه وقسم صفوفه وإرباكه.

لكن من الواضح كذلك أن الخطوة المنطقية التالية أو المتلازمة هي تحويل هذا الرصيد إلى كيانات منظمة تعبئ القوات الشعبية لتعيد تفعيل الأدوات المجربة القديمة في الإضراب والعصيان.

إن الفكر التنظيمي يتأخر عن مطلوبات الساحة الملحة وتبدو أشكال التحالف متخلفة حتى عن ما تبديه الجماهير من حيوية وإبداع، ليست هناك همة لدراسة الأشكال التي تطرحها الحياة في عفوية النهوض الجماهيري، وهو يناجز سلطة الانقلابيين، فإذا استطاعت العقول اليسارية أن تتقدم على هذه الجبهة لتمكنت من أن تقدم خدمة جليلة للنهوض الثوري الجماهيري ولنفسها في ذات الوقت.

ستطرح الحياة دائماً قضاياها وتقترح في ذات الوقت اتجاهات الحلول عندما تنصج القوى التي تهمها هذه القصايا وتفرز هذه القوى ومن بين صفوفها من يفصح عن مطالبها التاريخية، وتكوّن صفوة من قادة معززين بالحماسة والمشروعية قانوناً وتاريخاً وأخلاقاً، فإذا كانت هناك وعلى الأرض هيئات وكيانات تمتاز بمقدرتها على التعرف على هذه القوى الجديدة – القديمة والاندماج معها فكراً وخبرة وتجربة أخذاً وعطاءً، فهذا هو المطلوب، ولكن إن عجزت الكيانات والهيئات عن هذا الواجب، فإن الحياة لن تتوقف كي تنتظر أحداً ، وستمضي لتكمل مسيرتها حتى لو اضطرت إلى أن تبني أحزاباً جديدة تشرئب بها للثورة وبناء حياتها الجديدة.

_____________________________________________

*مقال ينشر لأول مرة للكاتب الصحفي والباحث الراحل أبوبكر الأمين.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *