‫الرئيسية‬ ثقافة التمهيد الأدبي والفني لانتفاضة أبريل المجيدة
ثقافة - 7 أبريل 2021

التمهيد الأدبي والفني لانتفاضة أبريل المجيدة

جابر حسين

في هذه الحياة، التي تستحق أن تعاش على قول درويش، تكون الثورة، بالضرورة، في ضمير الإنسان، رؤيا متوهجة أبداً في كينونته ودواخله، أحلاماً مجنحات تعيش الحياة نفسها برفقتهأينما ولي وجهه. ثم، من بعد، تظل تلك الأحلام تكبر وتكبر، تنمو في الوجدان والوعي وتزدهر، لتصير رؤيا وتصير ناي. هكذا، يمكننا، باطمئنان عميق، أن نقول إن شعارات الثورة، تلك الأحلام، ظلت ردحاً طويلاً في ضمير المناضلين والشرفاء من بنات وأبناء شعبنا قبل أن تنفجر الثورة، بالفعل والقوة، في مارس/ أبريل 1985م. ذلك كان هو المهد الحقيقي للانتفاضة، الإرهاص والحدس التي جعلته جماهير شعبنا متوهجاً وساطعاً ستة عشر عاماً، تحتضنه إليها وترعاه لحين يأتي أوانه، أوان الطلوع واندلاع شرارات الثورة التي هزمت الديكتاتورية، وأودت بها إلى مستنقع العار في التاريخ والذاكرة. تلاحظون معي هنا أن بذور الثورة كانت قد غدت، بالفعل، في ضمير شعبنا سعياً جسوراً صوب العنفوان، في وجهة الحياة والحرية. فالفنون، تحت ظلال الديكتاتوريات تظل في حالة حصار وقهر، بل أن الدولة، برسم سلطة الديكتاتورية، تصادر الفن برمته وكل النشاطات والفعاليات الإنسانية والإبداعية لمصلحة أجهزة الدولة، الرسمية والأمنية، ولآليات القمع في عديد وجوهها الحديثة. ولكن، وهذا من واقع التاريخ، أن كل إبداع حقيقي يتخذ له أشكالاً عديدة ومتنوعة للتكاثر والتنوع في أنساق أفقية تتطور باستمرار صوب (مرجل الثورة) حيث، من عديد هذا التراكم الثوري، سيندلع اللهيب. هكذا، غدت أحلام الثورة، في واقع المجتمع لدى المبدعين، أغاني وأناشيد ورؤيات للغد الأجمل الذي تتطلع إليه الجماهير وتسير سيرها النضالي كله وكفاحها صوبه، صارت الأحلام، إذن، أشواقاً في الناس، رايات وأساليب كفاح ونضال.

أجواء ما قبل الانتفاضة:

واقع الحال تحت حكم الديكتاتورية وعسفها هو الذي، برغم إرادة السلطة، يراكم في العصيان والثورة ويهيئ الجماهير للانتفاضة والثورة. وفي مثل هذه الأوضاع فإن مقاومة الجماهير وقدراتها نفسها تأخذ في الاتساع والاحتشاد لتكون في خدمة التغيير والثورة، وغالباً، مثلما يحدث الآن، تلجأ السلطة إلى أساليب التضليل والخداع وإلى القهر والقمع والاعتقالات للقوى المعارضة وتجري عمليات تعذيب وقهر وقتل أيضاً! مثل هذا الواقع هو الذي يسمى في الأدب السياسي بـ (الأزمة الثورية). ولكن، والحال كذلك، كيف يتم شحذ الهمم والوعي لدى الجماهير؟ ذلك ما سوف نراه عندما نتناول مظاهر الإبداع الأدبي والفني التي أسهمت، بفعالية واقتدار، في إذكاء جذوة الوعي لدى الجماهير ودفعها للنضال والكفاح لإسقاط الديكتاتورية والانتصار للشعب والوطن. يحدث الانتصار علي الديكتاتورية عندما تتوفر للجماهير قدرات عالية محكمة في التنظيم والوحدة يتقدمها وتقودها قيادات مدركة وفاعلة، ذلك سيكون لحظة اندلاع الثورة لا محالة. لكن إرادة الجماهير لا بد لها، عبر نضالها الجسور، أن تنتصر، فقد أثبتت تجارب نضالات الشعوب وثوراتها أنه مهما بلغت شراسة وعنف الديكتاتورية، فإن الجماهير تتمكن من مقاومتها ومنازلتها وهزيمتها. لقد كانت سلطة السفاح نميري ممعنة في القمع والبطش، مسلحة بالجيش والأمن بعد أن جرت عمليات واسعة لجعلهما من أدوات السلطة المسلحة ودربت خصيصاً لقهر الانتفاضات والمعارضين، يسندها ترسانة من القوانين المقيدة للحريات، وقد حظرت الأحزاب والنقابات، وذلك ما حدث أبان ديكتاتورية عبود أيضاً، لكن، برغم ذلك كله، اندلعت ثورة أكتوبر المجيدة وهزمت الديكتاتورية. وكان نظام مايو محمياً أيضاً بالجيش والشرطة وأجهزة بوليسية وله حزب سياسي، ومنح الدستور نفسه نظام نميري سلطات استثنائية واسعة مدنية ودينية ، فكان الرئيس القائد والأمام المجاهد. لكن الشعب صارعه ولاحقه بصرخة “لن ترتاح يا سفاح” حتى صرعه. ولم يكن ذلك بمعركة وحيدة، ولم تأت الانتفاضة ضد النظام المايوي من عدم: فقد كانت هناك 19 يوليو 1971 وشعبان 1973 وسبتمبر 1975 ويوليو 1976 وإضرابات عمال السكة الحديد والطلاب والمظاهرات والتمردات في الجنوب وانتفاضة دار فور وغيرها. رغم لجوء السفاح إلى التطهير الدوري لأجهزة الدولة من الشيوعيين والديمقراطيين وتعديل الدستور لمنح نفسه أوسع الصلاحيات ورغم التعذيب وقوانين الشريعة واستخدام سلاح الإعدام.

إن النضال المرير الذي خاضته قوى المعارضة طيلة 16 عاماً أنهك السلطة المايوية وأدى إلى انهيارها النهائي. لكن عدم توحد المعارضة منح نميري لوقت طويل فرصة استغلال الانقسام وضرب كل جماعة منفردة وكانت (الجبهة الوطنية) قد أنجزت عملها الموحد الأخير في يوليو 1976. لكن في يناير التالي كانت محادثات المصالحة الوطنية قد بدأت بين نميري والصادق المهدي لتنتهي بتمزيق الجبهة وانضمام الأخوان للنظام ومقاطعة الشريف الهندي وموقف مضطرب لحزب الأمة. وحققت المصالحة للسلطة المايوية مخرجاً من أزمتها السياسية والاقتصادية استمر سنوات.

لكن ديكتاتورية نميري ما كان بوسعها في أي حال تحقيق نظام مستقر. فلم تستطع الصبر على اتفاقية أديس ابابا وسعت إلى فرض هيمنة شاملة على الجنوب عبر تدخل فظ في الموازنات القبلية والسياسية، وفي الشمال تدهور الإنتاج وتجاوزت الديون الخارجية عشرين بليون دولار مع انتشار فساد واسع شاركت فيه كل الطغمة المايوية والرأسمالية الطفيلية المستشرية. وانكشفت فضيحة نقل الفلاشا إلى إسرائيل.

وشهد العامان الأخيران من عمر النظام تسارعاً في مقاومته: ففي الجنوب ظهرت حركة / جيش تحرير شعب السودان، وفي الشمال لقيت قوانين سبتمبر مقاومة عامة متصاعدة. وتأسس التجمع النقابي، وبدأت المحادثات بين أحزاب المعارضة تعالج بصورة أكثر جدية قضايا العمل المشترك لإسقاط النظام. ثم جاء إعدام الأستاذ محمود محمد طه ليكون قاصمة الظهر لدكتاتورية نميري.

عن التمهيد للانتفاضة عبر الأدب والفن:
في البدء، كانت الثورة حلما في ضمير المناضلين، غدت فيهم سعياً في العنفوان حين بذروا في قلوب الشعب بذارها. ثم غدت أغاني وأناشيد ورؤيات، صارت أشواقاً في الناس ثم رأيات وأسلوب كفاح. بدأت – بفضل تخطيط الحلم وبذل طاقات النفوس والأجساد ونهوضها – تشكل وجهها بالذات، وجه الثورة التي تنشد منازلة وقهر الديكتاتورية وقهرها وتحقيق الحرية والديمقراطية والسلام للوطن. لقد قالت الآداب والفنون بنبوءة الثورة، بل هي هيأت المناخ الشعبي وجعلته في النضال ضد الديكتاتورية وفي طلب الحرية، ثم غدت تعبيراً فنياً صادقاً عما يجري في وجدان الشعب من رؤى جديدة في القيم والأفكار. الانتفاضة وحلم الثورة لم يكونا، فقط، مجرد أهداف وطنية وديمقراطية عامة، وإنما هي ثورة تمتد إلى أعماق حياتنا الاجتماعية بكل ما يضطرب فيها من قيم ومفاهيم، وما تشتمل عليه من فئات وعلاقات اجتماعية، ففي المدينة والريف والأسرة والمصنع والحقل والنقابة والجمعية والمدرسة تجارب اجتماعية جديدة، وبين تلك الفئات الاجتماعية المختلفة، من عمال ومزارعين ومثقفين وموظفين وأصحاب أعمال وأصحاب مهن حرة وملاك ورأسماليين، توجد تجارب اجتماعية جديدة، تجارب عاطفية وتجارب أخلاقية وتجارب معيشية وتجارب فكرية فيها الحب وفيها البطالة وفيها التحرر وفيها القيم الجديدة للعمل والسعادة، وفيها المقاومة والنضال، وفيها التطلع إلى فلسفة جديدة للحياة، وفيها الأشكال الجديدة للعلاقات الاجتماعية، وفيها الصراع الحاد بين القديم والجديد، بين المتخلف والمتقدم بين الجمود والحركة، من هذه التجارب جميعها، ومن جميع وجوهها تتخذ الثورة مظاهرها الاجتماعية، وهذا بالضبط ما بلورته، بشتي الوسائل والمظاهر، ثورة أكتوبر المجيدة ثم الانتفاضة من بعد، لقد بشرت وسعت لتحدث انقلاباً كاملاً في بنية المجتمع ومنظومة القيم المصاحبة لها، وهذا أيضاً، ما جعل القوي التقليدية، وكل قوي اليمين قد أحتشدت لمناهضتها وإجهاض شعاراتها النبيلة، هذا ما كانت عليه ملامح الثورة ، وهذا ما وجد تجلاياته البراقة في سمت الآداب والفنون جميعاً. ومما يعد من إحقاق الحق، لوجه التاريخ، أن نقول إن الحزب الشيوعي السوداني هو أول من إبتدر ونادي بشعار الإضراب السياسي والعصيان المدني لإسقاط ديكتاتورية الجنرال عبود، وأمتد نفس هذا الشعار في سيرة نضال شعبنا هاديا وضوءا في طريق الإنتفاضة، بل هو أول من شرع للنضال مبادئ وشعارات وللمقاومة أدواتها وأسلحتها المجربة، كان النواة في رحم الحلم، والشعار الذي تسامي وتنامي وأشتد حتي قهر الديكتاتورية بتلك الثورة الفريدة في عالمنا وبالانتفاضة التي شكلت، هي الأخرى، ملمحاً تاريخياً مهماً في تاريخ نضال شعبنا. حين أتأمل وجه ومسار ثورة أكتوبر ومسارات انتفاضة مارس/ أبريل ينتابني إحساس عميق بأن الثورة قد بدأت – أول ما بدأت – وجهاً حالماً في الشعر، ومن الشعر طلعت الأغاني والأناشيد والموسيقى ونهوض المسرح والتشكيل، كل ضروب الإبداع “الأكتوبري” تناسلت ونمت وازدهرت وتعالت من بؤرة الحلم، من الشعر الذي كان يحدس بالثورة ويرهص بانتصارها و.. يغني للغد الأجمل، ثم غدا في الملامح البهية للانتفاضة. كان الشعر حاضراً فيهما، ملهماً ومحرضاً على الثورة، كان فيهم الشعار والساعد والرؤيا، وكان الحلم فجراً يلوح بالخلاص، لهذا نهضت الفنون كلها لتكون في صف الشعر، في وجهة نهوض الحلم الذي سيصبح واقعاً تجلي في ملاحم وملامح أيام الثورة كلها. لقد بات من المعلوم إن الفنون جميعها التي نقلت ينابيع قدراتها إلى الأرض قد شهدت على مر التاريخ الإنساني إنها يتوجب عليها أن تكون في صف الجماهير، في وسطهم وتعمل لأجل سعادتهم وكرامتهم وحرياتهم وتغني، معهم، للغد الذي سيكون جميلاً مثلما هو في شروق آمالهم وأشواقهم المزهرة. فقد لا يختلف الناس في أنه لا ينتقص من قيمة الجمال أن يخدم الحرية، وأن يعمل على تحسين حال الجموع البشرية، وإن الشعب المتحرر ليس قافية رديئة، فالجدوى الوطنية أو الثورية لا تنتزع شيئاً من الشعر، على قول فيكتور هيجو. فالثوري، الذي هو أيضاً فنان وشاعر يؤمن أنه يوماً بعد يوم يفسح الشقاء والبؤس مكانه للفجر. فلا يمكن للإنسان، الذي هو القيمة الأعلى في الوجود، أن ينكر قيمة عواطفه مهما بدأ من قلة جدواها في عمليات الإنتاج، أو من مخالفتها أحياناً للروح الاجتماعية. لقد قام الشعر، في نهوضه الجسور، بصناعة رايات ثورة أكتوبر والانتفاضة من بعد، وصياغة ملاحمهما الباسلة، وعضد النضال ضد الديكتاتورية وقدم أدواته كلها لتكون في معية معاول التغيير، لقد كان صانعاً – من بين كل صناع الثورة – لملامح المستقبل في وجدان شعبنا. أقول بكل ذلك عن شعرية الثورة، في المعني والدلالة، ولا أغفل بالطبع تلك العوامل المشهودة في مسار الثورة من تحشيد منظم لقوي الثورة والديمقراطية في اصطفافها خلف رايات الثورة وشعاراتها وتكريس النضال جملة حتى غدا الجوهر من ديناميكية الثورة ومساراتها جميعها، والدور البالغ الأهمية لقوى التغيير، الحضرية وفي الريف، التي كانت، بحق، وقود الثورة وشعلتها. ويبقى السؤال: ماذا بقي في ضمير شعبنا من ذلك الحراك الثوري كله؟

دروس الثورة:

رغم الإخفاقات الموضوعية التي أعقبت انتصار الثورة، فقد غدت، من جملة دروس الانتفاضة، فقد ظل تحريض الشعب على الثورة ضد الطغيان درسها المهم والأساس، مقدمة نضالية متوهجة في وجدان الشعب وقيمة عالية وملهمة في مسيرة شعبنا صوب التحرر والتقدم والديمقراطية والسلام. فالقصيدة، والإبداع المجاور لها، غدت سجلاً حافلاً بتلك القيم النبيلة للثورة. فلم يغفل، إلا القليل الذي لا يأبه به، ذكر مآثر الثورة والتغني بأمجادها وقيمها التي ترسخت، من بعد، في ضمير شعبنا، نبراساً ينير الدروب ويلهم الشعوب و… يناديها صوب المستقبل. كانت – إذن – أكتوبر، ومن بعدها الانتفاضة، حاملات الآداب جميعها والفنون، في تنوعها، إلى وجهة المستقبل. الشعر الأكتوبري، وشعر الانتفاضة، نجده في أبهى دلالاته ومعانيه ولغته أيضاً عند محجوب شريف وحميد والقدال وكجراي ومحمد محي الدين وغيرهم وغيرهم وهي، تلك الجذوة، أيضاً، تلتقي بكمال الجزولي وبمحمد المهدي بشرى وفي لقاء محمد المكي إبراهيم وصاحبي الجميل مبارك بشير، ومبارك حسن خليفة، وتستكمل سجلها الإبداعي، فتلتقي أيضاً هاشم صديق وفضل الله محمد والطاهر إبراهيم وفضل الله محمد وغيرهم، وتتعرف على الأشعار الأكتوبرية لدى عبد المجيد حاج الأمين والطاهر إبراهيم ومصطفي سند ومحجوب سراج ومحمد يوسف موسي وغيرهم، ثم إلى حداة الثورة من المغنين، محمد وردي ومحمد الأمين وأبو عركي الذي كتب بنفسه عن الثورة وتغنى بها، والكابلي وأم بلينه السنوسي، وصلاح مصطفى وخليل إسماعيل، فلم يتأخر عن ركب الثورة من الشعراء والفنانين إلا من تنكب طريق الثورة فغدا في العميان الذين لا يرون من الوطن والشعب إلا السهي واللغو البعيد عن جادة الحياة. نعم، كانت أغاني الثورة وأناشيدها تزحم الأفق بالألق المشع وبالحماسة وحب الوطن، كان المسرح حاضراً، التشكيل كان حاضراً، الموسيقى والغناء حاضران، وبجانب الشعر، وهو في تجليه العالي، علينا أيضا أن نبحث عن وجوه وملامح أكتوبر والانتفاضة في القصة والرواية، فتلك الأعمال جميعها، الأدبية والفنية، منها ما كتب قبل الثورة، فكانت إرهاصاً ونبوءة إليها، ومنها ما كتب إبان عنفوانها وتجلياتها وهي قيد الانتصار، ثم منها ما كتب بعد انتصارها المجيد، لابد، إذن، من السعي لإعداد درس وتقص ليكون (سجلاً) حافلاً لتجليات ثورة أكتوبر والانتفاضة في حقول الآداب والفنون جميعها، سجلاً جليلاً يكون حاضراً لأحد أهم الأحداث على مر تاريخنا المعاصر. وللذكرى، ونحن نعيش، الآن، مرحلة نهوض إنتفاضة حقيقية تسقط ديكتاتورية الإنقاذ وتحقق لشعبنا الحرية والعدالة والديمقراطية والسلام، أن نذكر أن شعارات المقاومة إبان الإنتفاطة كانت: “جددناك يا أكتوبر في أبريل / بعزم أكيد وعهد جديد – السجن ترباسو إنخلع / والشعب بي أسرو إندلع / قرر ختام المهزلة – بلي وإنجلي / وانهد كتف المقصلة”. أليست هي نفسها تقريبا التي تظلل أفق نضال شعبنا اليوم؟

الانتصار وملامح المرحلة:

تفجرت المظاهرات في أطراف العاصمة في الأسبوع الأخير من مارس 1985، وسرعان ما انتشرت، مثلما الضوء الذي يسحق في مساره الظلام ويتمدد إلى أمام. لعله من المناسب هنا أن نقول إن تكتيكات الانتفاضة تحتاج منا الآن إلى دراسة وتأملاً، فقد كان لانتشار المظاهرات في أحياء العاصمة والمدن الأخرى دوره في إنهاك قوات الشرطة وقوات مكافحة الشغب. وفي أحياء امدرمان ذات الخبرة في فن التظاهر، لجأ المتظاهرون إلى الانتقال من شارع أبوروف الرئيس إلى الأزقة المتفرعة عنه حيث تصعب ملاحقتهم بالعربات وتتفرق قوات الشرطة في مجموعات صغيرة يسهل التعامل معها، وكان المواطنون في الأحياء، وخاصة النساء، يوفرون الماء والطعام وأحياناً المأوى لحماية المتظاهرين. وشارك طلاب الجامعات في المظاهرات، وأنفضح موقف السلطة بالموكب الهزيل الذي سيرته قيادات الاتحاد الاشتراكي، وفي اليوم التالي خرج موكب النقابات الحاشد الذي شاركت فيها جماهير غفيرة من المواطنين والمواطنات. وتنادت قيادات الحراك الجماهيري (التجمع النقابي والتجمع الوطني الحزبي). إلى تنظيم عصيان مدني وإضراب سياسي يبدأ يوم السبت 6 أبريل. ولكن كبار ضباط القوات المسلحة استبقوا ذلك التاريخ وأعلنوا تكوين المجلس العسكري الانتقالي والانحياز للانتفاضة فجر السادس من أبريل نفسه. استبق كبار الضباط أيضاً تحرك الضباط الصغار، الذين كانوا يميلون إلى دعم الانتفاضة. ولكن – كما أشارت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في دورتها في أبريل 1985م – فإن صغار الضباط يسود بينهم مفهوم أن الدعم الوحيد الذي يمكن أن يقدموه للشعب هو القيام بانقلاب عسكري بينما هناك خيارات أخرى.
استقبلت جماهير العاصمة إعلان القوات المسلحة كنصر لها وخرجت إلى الشوارع احتفاء بإسقاط النظام المايوي. ولكن بينما كانت أقسام كبيرة منها تدعو لاستمرار الانتفاضة وتنفيذ الإضراب السياسي والعصيان المدني (وبينها المجموعات التي حاصرت مباني جهاز الأمن وانتزعت قرار حله). وهي تهتف (لن تحكمنا بقايا مايو )، صدر نداء بأسم التجمع النقابي بإيقاف الإضراب . ومهما كانت الشكوك في مصدر ذلك النداء فقد توقف الإضراب بالفعل. إن حصار جهاز الأمن يوم السبت يرجح أن الانتفاضة كان بمقدورها الاستمرار . لكن ما تكشف من خلافات في نفس اليوم يؤكد، من الناحية الأخرى، أنها عانت من ضعف كامن في قيادتها. لقد أدى وقف الإضراب قبل تكوين السلطة الانتقالية إلى إضعاف خطير في مواقع التجمع الوطني وإلى دعم الخطة الخبيثة لاختطاف السلطة بواسطة المجلس العسكري الإنتقالي! ولكن، كانت الانتفاضة قد نجحت بالفعل في إسقاط النظام المايوي وحل جهاز الأمن القومي والقضاء على رموز النظام من اتحاد اشتراكي ومنظمات مزيفة. واستعادت الانتفاضة الديمقراطية وفتحت الباب أمام حرية النشاط الإضراب السياسي العام والعصيان المدني.. أداة مجربة للثورة والانتفاضة:
ورد في (ص124) من كتاب المؤتمر الرابع للحزب (الماركسية وقضايا الثورة السوداني) عن ثورة أكتوبر التالي: “فالعناصر الساذجة سياسياً، أو العناصر اليمينية التي تحاول التقليل من الثورة والحيلولة دون تحوّل تجاربها إلى رصيد للحركة الشعبية الجماهيرية، تعرض للثورة وكأنها بدأت بين أحداث جامعة الخرطوم ، وهذا مسلك خاطئ”.

فالثورة لا تأتي بالصدفة أو بالطلب، ولا تقود كل مظاهرة أو إضراب للثورة أو الانتفاضة. جوهر الأمر، أن التراكم النضالي ضد القهر والاستبداد والسياسات المعادية للشعب والوطن، يجعل في نهاية المطاف خيار الثورة والانتفاض أمراً حتمياً لا مناص عنه ولا مرد له. إن تمكن شعب السودان من الإطاحة بنظامين دكتاتوريين معاديين للشعب والوطن في أكتوبر 1964 ثم في مارس/ أبريل 1985، أي بعد أقل من 21 سنه، بالنضال السياسي الجماهيري والإضراب السياسي العام والعصيان المدني، أصبح مأثرة نضالية لشعب السودان.
وتبقي كلمة، أن تركيزنا هنا علي ما كان عليه الواقع السياسي أبان الإنتفاضة، ونحن نتناول، وفقا لما جاء في عنوان هذه الإحتفالية، عن (أدب الثورة)، نقول، جاء ذلك، لقناعتنا الكاملة أن السياسة وواقع الشعب والوطن، هما معا، مما يعد، عبر التاريخ الإنساني برمته، من جواهر الآداب والفنون وكل ضروب الإبداع، فالثورة، أي ثورة، تظل تبحث عن تعبيرها الفني. ولأننا ندرك أيضا، أن العلاقات بين الفن والسلطة، تلك التي تحددها سنن التاريخ، وأيا ما كانت عليه من تعقيدات وتناقضات وغموض أحياناً، فأنها تؤكد أن الفن، بسبب من ارتباطه الحيوي بالجماهير وحركة الجماهير والتعبير عنها، يمتلك قوة هائلة، تقلق وتدمر، ومن هنا، بالضبط، تبرز قوته العظيمة. قصدنا، أن نقول، أن الفنون والآداب جميعها، لتكتسب جدواها وبريقها وإبداعها، أن تكون في صف الجماهير، في صف الوطن والشعب، لأجل تحررهمها وتقدمهما صوب الحرية والديمقراطية والسلام.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *