‫الرئيسية‬ مقالات آراء لا انتقال ديمقراطي بلا انتقال لجهاز الشرطة
آراء - 2 أبريل 2021

لا انتقال ديمقراطي بلا انتقال لجهاز الشرطة

بقلم : ويني  عمر

وعد بهجت، 30 عاماً، مواطنة سودانية، كانت تحاول الحصول على وقود لسيارتها في نوفمبر 2020 في محطة للبترول في شارع 15 في حي العمارات، كانت تقف في الصف المخصص للسيدات، كما هو معتاد في عدد من محطات البترول، حيث يتم تقسيم الصفوف إلى صف للرجال وصف آخر للنساء، فجأة قرر أصحاب المحطة أن لا يتواصل إمداد الوقود للصف المخصص للنساء، إثر ذلك احتجت وعد، مطالبة بأن يتم إمدادهن بالوقود، هي والنساء الأخريات، بعد انتظارهن لساعات، بعد احتجاجها على هذه القرار من أصحاب المحطة، قرروا وقف العمل في المحطة والتحجج بأن البنزين قد نفد.
حاولت وعد مشاركة احتجاجها على قرار العاملين في محطة الوقود، وعبر تقنية البث المباشر في (فيسبوك) خاطبت أصدقاءها في فيسبوك عبر حسابها الشخصي حول هذا الظلم، وبأن عمال المحطة قرروا أيضاً أن الوقود قد نفد حينما رأوها مصرة على الحصول على حقها بعد طول انتظار. في تلك اللحظة تقدم نحوها ضابط شرطة كان موجوداً في المكان وطلب منها التوقف عن الحديث عبر البث المباشر على منصة (فيسبوك)، وعندما أصرت على احتجاجها وسألته عن سبب ما حدث، قام ذات الشرطي بسحبها من يدها بالقوة واقتادها عبر (ركشة) إلى قسم الشرطة الخاص في الخرطوم وسط، حيث فُتحت في حقها بلاغات عديدة تحت مواد من القانون الجنائي السوداني لعام 1991، منها مواد تتعلق بانتهاك الخصوصية والإساءة والإزعاج العام.
في مواجهة هذه التهم، خاضت وعد سلسلة من جلسات المحكمة، حتى الأربعاء 31 مارس، حيث تم النطق بالحكم. حُكم على وعد بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية قدّرها القاضي بـ 10 آلاف جنيه.
لا تبدو قضية وعد معزولة عن عدد أكبر من القضايا التي يكون فيها المواطنون والمواطنات في مواجهة جهاز الشرطة السوداني.

المزيد من الحصانات:
قبلها بعدة أيام، أثار تعليق المدير العام للشرطة الفريق أول خالد مهدي، حول منح المزيد من الحصانات لأفراد الشرطة؛ لكي يتمكنوا من أداء واجباتهم والقضاء على الجريمة، على حسب قوله، أثار غضب واستياء كثيرين، يرون أن العكس تماماً هو المطلوب، أي مزيد من الرقابة ونزع للحصانات والحماية القانونية عن أفراد الشرطة. في ذات الوقت، شارك الكثيرون من المواطنات والمواطنين تجاربهم حول انتهاكات واجهوها من قِبلهم، دون أن يُنصفهم أحد.

في ظل نقاشات حول الحصانة ووضع مزيد من الحماية للكوادر الشرطية، يقوم رجل شرطي باعتقالات بدون أمر قبض، وبلا تهم بعينها، ومن قبلها يقوم مدير شرطة ولاية الخرطوم بالتحامل ضد النساء في إطار إجابته على سؤال حول حملة معادية للنساء تتوعدهن بالضرب في الشوارع، إذ أكد الرجل على حشمة المجتمع السوداني وعلق بشك ليبدو عليه الأسى والحسرة على عدم وجود قانون النظام العام، كما كان سابقاً، دون التنديد بالعنف الذي هُددت به السودانيات ودون أي وعود بالحماية عبر كوادره الشُرطية أو عبر تفعيل القانون والمؤسسات العدلية التي يوجد على قمتها.
هذا العقل الذي يحاول أن يحمي تصوراته عن المجتمع، أكثر من حرصه على القيام بمهامه وحماية أفراد هذا المجتمع، هو عقل خطِر، ينساق وراء انحيازاته دون النظر إلى حق الحميع في الحماية والأمان في الفضاء العام.
نفس هذا التحيز نراه في سلوك رجل الشرطة الذي قام باعتقال وعد بهجت عُنوة، لا يمكن فصل سلوك هذا الشرطي عن تصورات عما ينبغى أن يكون عليه سلوك النساء في الفضاء العام، احتجاج وعد على حقها ومشاركتها لآخرين من أصدقائها وصديقاتها في منصة فيسبوك كان مُحفزاً لرجل البوليس هذا على التعدي عليها وممارسة عنف مادي ضدها باقتيادها، دون إبراز ما يبرر هذا الاعتقال أو توضيح حيثياته، إلى أقرب قسم شرطة في دائرة الاختصاص.
إذن، يعمل كادر البوليس أيضاً على تأكيد شروط وجود النساء في الفضاء، أي القدرة على السيطرة على سلوكهن ورود أفعالهن. لا ننسى أن هذا البوليس أيضاً، اعتاد أن يكون ذراع مؤسسة النظام العام، في ظبطها لوجود النساء في الشارع والسوق والمواصلات العامة. الضوء الأخضر الذي كان ممنوحاً له وفقاً للسلطات التقديرية لضبط الزي والسلوك والمشية التي لا تُعجبه ولا تناسب تصوراته لما هو لائق، ترك يده مطلوقة تبطش بلا مساءلة.
تاريخ مستمر:
لكن هذا لم يبدأ مع نظام الإنقاذ، عززت الإنقاذ ما هو موجود سلفاً، بإضفاء صبغتها الأيديولوجية على جهاز تربى على قمع الناس.
يُعدُّ جهاز الشرطة مُعبراً دائماً عن علاقات السلطة والأيديوجيا التي يحاول من على السلطة بناءها، يمتد ذراع البوليس الطويلة بقدر ما تريد له السلطة أن يمتد. في السودان، شهدناهم يقمعون حِراكات الحركة الطلابية، تظاهراتهم واحتجاجاتهم ضد ديكتاتورية النظام السابق، وخبرناهم يلاحقون النساء والبنات بسبب ملبسهن أو بسبب مهنهن في القطاع غير المنظم والمنسي من قِبل الدولة، إلا في بطش الدولة ونزوعها لجمع ضرائبها منه عبر (الكشات) الراتبة وغراماتها.
افتتحت الشرطة السودانية تاريخها فيما بعد الاستقلال بحادثة عنبر جودة، حيث أسرت قوات من الشرطة عدد من 194 من المزارعين في منطقة جودة بعد أن دفعوا بمطالبهم المتمثلة في زيادة أجرتهم وسعر محاصيلهم التي يتم شراؤها. فما كان من الدولة إلا أن تعاقبهم على صوتهم وعلى مطالبهم، بـأن تم أسرهم في عنبر واحد حتى ماتوا اختناقاً. اللحظة التي وثقها صلاح محمد إبراهيم في قصيدته “عشرون دستة”.
تواصل هذا التاريخ، تحمي الشرطة من هم على رأس السلطة، وتقمع المهمشين الذين هم خارج دوائر السلطة هذه. فالكشات، مثلاً، والتي كان يقودها قطاع الشرطة ضد العاملات والعاملين في القطاع الاقتصادي غير المنظم والتعسف الذي تواجه به القطاعات السكانية في هامش المدنية هما نموذجان استمرا طوال تاريخ مؤسسة الشُرطية هذه.
فمنذ أن كانت الشرطة مكلفة بترتيب وجه المدينة ضد القادمين من خارجها، عبر كشات جماعية في الشوارع والأسواق في عهد نميري، بإرجاعهم عُنوة إلى خارج المدينة التي أتوا منها، حمت الشرطة الوجه “الحضاري” للعاصمة، الوجه المهذب الذي لا يُراد له أن يُشوه بالواقع المضني للآلاف من الناس. كانت هذه المؤسسة تعمل على نفي وتزييف الواقع نفسه، إخفاءه، بالهراوات والملاحقات اليومية. الشرطة نصيرة الأقوياء، هذا درس التاريخ الذي يجب أن يتغير.

إصلاح جهاز الشرطة الآن وحالاً:

إصلاح قطاع الشرطة في سياق الانتقال الديمقراطي، بالإضافة لبقية المؤسسات الأمنية والعدلية، يُعد أولوية لبناء واستدامة الديمقراطية نفسها، فمبدأ مهم كسيادة حكم القانون لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح هذه المؤسسات، وكذلك الوقوف سواسية أمام القانون كمبدأ يعزز المواطنة المتساوية، لا يمكن أن يسود دون أن تتغير الطرق الفاسدة والمنحازة التي كانت تحكم هذه المؤسسات في ظل نظام ديكتاتوري استخدمها كدرع يحمي به سلطاته ووجوده باستمرار.
لذلك نرى الآلاف من الهتافات ضد البوليس، بمختلف لغات العالم، وفي السودان، في مختلف فترات حكمه بعد الاستقلال. ضد قمعه للتظاهرات، وضد قهره للفقراء والمهمشين، وضد عنفه الممنهج والموجه ضد النساء.
يؤكد استمرار عنف أفراد الشرطة وتعسفهم في ممارسة السلطات الممنوحة لهم، على حقيقة واحدة مفادها أنها لم تنتقل بعد، فالانتقال الديمقراطي يعني انتقال مؤسسات الدولة أيضاً، ويعني أن تُستبدل القيم التي كانت تحكم هذه المؤسسات بقيم جديدة وبروح عمل تدعم الانتقال. لطالما تم توظيف مؤسسة الشرطة في ملاحقة المتظاهرين والتنكيل بمن يقفون ضد السلطة، هكذا صُممت، لتحمي السلطة ومن فيها، لا لتكون حارساً وفياً يعزز قيم العدالة.
يبدو أن سؤال إصلاح القطاع الأمني هو سؤال قائم في ظل انتقال متعثر ومواجه بتحديات كبيرة، ابتداءً من التصورات حول عملية الإصلاح نفسها، هل تعني تغيير الكوادر الموجودة في أعلى السلطة التي تدير المؤسسات الأمنية هذه، وإعمال بعض من لمسات إزالة التمكين داخل هذه المؤسسات، أم يعني الإصلاح الهيكلة الكاملة لهذه المؤسسات، وإعادة تعريف دورها وواجباتها والتراتبية داخلها، والعمل على بناء قيم جديدة تحكم هذه المؤسسة.
بحكم ارتباط عمل الشرطة بالمواطنين بشكل يومي، يجب أن تكون الوظيفة الخدمية لجهاز الشرطة هي الموجه الأول لطرائق علمها ولأدواتها وسلوك أفرادها. ويجب أن يُحمى هذا الواجب ويُسحر قانون الشرطة لتعزيزه.
التعلم من تجارب الانتقال الديمقراطي والطرق التي تم بها إصلاح قطاع الشرطة في سياقات ما بعد الأنظمة الديكتاتورية أو السلطوية، يُعد أمراً مفتاحياً، فبالرغم من اختلاف السياقات والطرق التي تعمل بها الديكتاتوريات على تعزيز وحماية وجودها، سنجد أنها اتفقت دائماً على توظيف مؤسسة البوليس للقيام بدور مركزي في بطش وإسكات الناس وفي حمايتها. وبالتالي، فالتحول في طريقة عمل السلطة وطريقة إدارتها للدولة يتضمن أيضاً تحولاً في الطريقة التي بُنيت بها مؤسسة البوليس والأدوار التي خُلقت لتلعبها.
من جنوب أفريقيا تأتينا تجربة”الشرطة التي نريد”، كتاب أصدره مركز دراسات العنف والمصالحة ليقدم عبره تجربة دولة جنوب أفريقيا في إصلاح مؤسسة البوليس داخلها، وتحويلها من جسم يمارس الفصل العنصري ويحمي فئات بعينها ويعزز مصالحها عبر القهر والعنصرية والعنف.
يحدد الكتاب خمسة مجالات للشرطة الديمقراطية ويوفر تدابير رئيسية لتقييم الأداء في كل مجال، مستلهماً التجربة الجنوب أفريقية في محاولتها لإصلاح جهاز الشرطة في مرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري، يقدم هذا الكتاب مساهمة قيمة يمكن التعلم منها في سياقات مختلفة، قد تكون لجهاز الشرطة فيها هياكل وأنظمة واستراتيجيات عمل مختلفة.
الاقتراح المُقدمة هنا يركز على خمسة مجالات لحماية الحياة السياسية الديمقراطية: حوكمة الشرطة، أي الطرق التي يتم بها هيكلة وتمويل والإشراف داخلياً وتعين الكوادر داخل المؤسسة.
والمساءلة والشفافية، وهنا من المهم تفعيل آليات عملية لمحاسبة المتورطين في أي انتهاكات وتقديمهم للمحاكمات وفتح المجال أمام المواطنين لمساءلة أي كادر يتورط في انتهاك أو سوء استخدام لسلطاته. وأيضاً الجانب المتعلق بتقديم الخدمات من أجل السلامة والعدالة والأمن، أي تقديم الغرض المتعلق بالمصلحة العامة، حتى فوق رغبات السلطة والنخبة السياسية الحاكمة، رابع هذه المجالات يتعلق بصُنع نموذج للسلوك السليم لرجل الشرطة، ويبدأ هذا منذ مناهج التربية التي يتلقاها رجال البوليس في الكليات المتخصصة، والقيم التي تقوم هذه المؤسسات التعليمية بتعزيزها، والتأكيد على أهميتها لدى رجال الشرطة المستقبلين هؤلاء. أما المجال الخامس فيتعلق بفهم أدوار رجال الشرطة كمواطنين أيضاً، لهم واجبات وعليهم حقوق داخل الدولة، ولا يمكن نزعهم عن سياق دولة المواطنة بأي تعالِ عليها.
إعادة فهم الطريقة التي عملت بها الشرطة في الثلاثين عام السابقة، أمر مهم لإعادة بنائها من جديد وفق أدوار وسلوك وقيم تتسق ومسار الانتقال الديمقراطي الذي يحاول السودان المضي نحوه، والذي لن يحدث دون مواجهة هذه الأسئلة الكبيرة حول من تمثل الشرطة، وهي مازالت تمارس تعسفها ضد المواطنين والمواطنات السودانيين؟ وكيف يمكن لهذا أن يتغير؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.2 / 5. Total : 9

كن أول من يقيم هذا المقال