‫الرئيسية‬ مقالات المؤامرات الخبيثة والابتزازات المفضوحة مدخل لإجهاض التجربة الوليدة في ظل غياب التدابير الحاسمة
مقالات - 29 مارس 2021

المؤامرات الخبيثة والابتزازات المفضوحة مدخل لإجهاض التجربة الوليدة في ظل غياب التدابير الحاسمة

للتحول من ظلام الشمولية إلى رحاب الديمقراطية، ومن الأحادية إلى التعددية، ومن اغتصاب وحيازة الحق العام إلى تحريره وإشاعته عدلاً بين الناس، ومن تسميم الفضاء العام بالترهات وضيق الأفق والأخلاق إلى إشاعة قيم التنوير والخير والحق والجمال، لكل هذه التحولات والانتقالات العظيمة أثمان باهظة دفعها الثوار والثائرات من دمائهم/ن الغالية، إيماناً بعدالة القضية، واحتساباً لمهر الحرية والسلام والعدالة، تأسيساً لدولة مدنية تعيد للإنسان كرامته المسلوبة وكبرياءه المهان.

في المقابل، هل يتخلى أصحاب الامتيازات المغتصبة خلال الثلاثة عقود العجاف، غض النظر عن مواقعهم، إن كانوا في أجهزة الإعلام التي لم تُتقِن شيئاً مثل إتقانها تغبيش الوعي، أو المؤسسات العدلية التي لم تبرع في شيء مثل براعتها في إجهاض العدالة، أو المؤسسات الأمنية التي لم تمتهن شيئاً مثل امتهانها القهر والترويع، أو مؤسسات الخدمة المدنية التي لم تبرع في شيء مثل براعتها في إهدار الحقوق والواجبات، أو حتى كثير من المؤسسات الأهلية التي لم ترع شيئاً مثل رعايتها سلب حقوق البسطاء والاغتناء من عرق جبينهم، هل يمكن أن يتخلى كل هؤلاء عن امتيازات دولتهم (الرسالية) دون مقاومة أياً كان ثمنها؟! قطعاً: لا، حيث تنبئك عواصف المؤامرات ورعودها التي تغطي سماء الخرطوم وبقية الولايات منذ أيام التغيير الأولى وحتى الآن، بمؤامرات ودسائس وسلسلة من الابتزازات تتخفى وراء صيانة الدين مرة، وخلف القبيلة مرة، وخلف العدالة وسيادة حكم القانون مرات، مستغلين اضطراب العلاقة بين مكوني السلطة وحدة تناقضاتها مرة، وبتهاون السلطة بمكونيها مرات عديدة.

في هذا الإطار، نفهم لما تتخصص صحيفة (صحفية مجازاً) في نشر (القذارات)، صحيفة لا ترى في الإنسان إلا الأنثى، ولا ترى في الأنثى إلا جهازها التناسلي، ولا ترى في هذا الجهاز إلا مقابلاً موضوعياً للعهر والفحش وانحطاط الأخلاق. وللمفارقة، لم تنبس ذات الصحيفة ببنت شفة في عهدهم الغيهب، حينما كانت الرزيلة تمارس في نهار رمضان من محصنين تسنموا مواقع دستورية، أو مناصب دبلوماسية. صمتت الصحيفة الرسالية والصحفية المهمومة بالأخلاق يوم أن اُغتصبت الحرائر في مناطق النزاعات، والأحرار في أقبية السجون، حتى صار (مغتصب) مسمى وظيفي في جهاز القمع الذي كان يمدهم بالتوجيهات ويمدونه بالمعلومات. يومها كانت السلطة هي الأهم، وكان الحفاظ على امتيازات التمكين هو الأوجب، إذن القضية ليست قضية أخلاق، بقدر ما هي قضية سلطة.

وفي ذات الإطار، نفهم المطالبة باستعادة قهر قانون النظام العام كضرورة لمحاربة (المظاهر السالبة)، هذا أو فليحمل عديمو النخوة، أشباه الرجال، سياطهم، يلهبون بها ظهور الفتيات (الكاسيات العاريات) في عرفهم، بمعنى إما قانون قمعي يبيح التجاوز ويطلق يد السلطة، أو الفوضى. وفي إطار ليس ببعيد عن سابقيه، نفهم المطالبة بحصانة شاملة كاملة لأجهزة إنفاذ القانون، حصانة خالصة عديمة الشبيه، تطلق اليد في القمع والتنكيل وحتى القتل، أو فلتعم فوضى العصابات (المصنوعة) تروع الآمنين، بل الحالمين بدولة يسودها قانون الحق والواجب، كأنما الحصانة الإجرائية التي يتمتع بها حتى شاغلي المواقع الدستورية لا تكفي ليمارس الموظف العام عمله الذي ينال نظيره الأجر والامتيازات.

نفهم كل هذه المؤامرات ومرجعياتها، والمزايدات وكنهها، والابتزازات وسياقاتها، ولكن ما لا نفهمه هو هذه (المياعة) التي تقابل بها السلطة الفعل بلا حزم يثبت قواعد القانون، ويحمي خطوات التحول البطيئة. ما لا نفهمه هو امتهان السلطة المؤتمنة على صيانة الثورة وأهدافها الصمت تجاه كل هذه الترهات وتلك التهديدات، كأنما الأمر لا يعنيها، فكيف -بالله عليكم- لصحف تمتهن تقويض أركان الأمن المجتمعي ودعائم التحول الديمقراطي ألا تُجابه بسلطة القانون، ناهيك عن قانون السلطة كما كانوا يفعلون؟! وكيف لعصابات تمتهن القتل بداعي الترويع لا السرقة، فيتم التبرير لعدم حسمها بغياب الحصانة الشاملة، فلا يُقال صاحب التصريح من موقعه، كأنما إعمال سلطة القانون وحقوق المواطن الإنسانية نقيضان لا يجتمعان!!

هذا التهاون المخل في بسط سلطة القانون، مقروء مع رعاية الأزمات المعيشية، والمؤامرات القبلية والانفلاتات الأمنية، هو ما يضعف السلطة، ويهدد هيبتها، ومن ثم يقوض أركانها، قبل أن تبلغ أهدافها وتحقق مراميها، يجب أن تعلم السلطة القائمة الآن بتناقضاتها المعلومة، قبل علم صناع المؤامرات، أن هذه الثورة قامت لتحقق تغيير جذري في هيكل الدولة ومؤسساتها، وفي بنية الوعي الحاكم والمنظم لعلاقات السلطة في مستوياتها المختلفة، تغيير يعيد للسودان سيادته، وللمواطن كرامته، تغيير لن تقف في مجرى سيله مؤامرات الواهمين باستعادة أمجاد مقبورة وامتيازات مسروقة، إلا وكانوا هم ومؤامراتهم هدفاً لهذا التيار العظيم، يجرفهم إلى حيث المكان اللائق بهم، مزبلة أو مقبرة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال