‫الرئيسية‬ دراسات تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان (3)
دراسات - 20 مارس 2021

تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان (3)

محمد عبد الغني*

4- السياسة الدولية والإقليمية وموقع السودان فيها
تُعدُّ منطقة شرق أفريقيا من أكثر المواقع حساسية في العالم، حيث يقع جنوبها باب المندب وشمالها قناة السويس، وعبر هذا المعبر البحري يمر الجزء الأكبر من التجارة العالمية. ومنذ إنشاء قناة السويس في العام 1869، شكل الصراع على النفوذ بين القوى الاستعمارية عليها تاريخ وجغرافيا الشرق الأوسط وألقى ذلك بظلاله على منطقة شرق أفريقيا.
حالياً يشكل صراع النفوذ في ساحل أفريقيا المطل على البحر الأحمر بين قوى إقليمية ودولية القدر الأكبر من سياسة المنطقة، ورغم أهمية المنطقة التاريخية بالنسبة لقناة السويس، فهناك ميزة استراتيجية جديدة للمنطقة، حيث يشكل من السودان وإرتريا وجيبوتي والصومال مدخلا تجاريا لدول أفريقيا جنوب الصحراء خصوصاً الدول الحبييسة، وبرزت هذه الميزة مع شروع الصين في مشروعها الأضخم (طريق الحرير)، الذي يهدف لخلق شبكة طرق وجسور وموانئ تسهل نقل البضاىع من وإلى الصين.
وتمثل التهديدات الأمنية والسياسية تهديداً بالغاً لهذه الخطط، خصوصاً مع ارتفاع حدة التنافس بين القوى المختلفة على إيجاد موطئ قدم في هذه البقعة. حيث أن تجربة الحكم الوطني التي تمر بها الدول الأربع تحمل إرثاً كبيراً من الفشل والاضطراب والعجز عن إدارة الأزمات السياسية، كما تعجز القوات العسكرية التابعة للدولة عن فرض سيطرتها على كافة البلاد (السودان والصومال)، وتعيش الأخيرتان في ظل أنظمة شمولية قابضة.
وتحدد معادلة السلطة وطبيعة السياسة في المنطقة القدر الأكبر من سياسة القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، وتختلف أولويات تلك القوى في المنطقة على حسب تحالفاتها الإقليمية والدولية وداخل كل من هذه الدول، فبالنسبة للولايات المتحدة يشكل أمن البحر الأحمر المحرك الأساسي لسياساتها في المنطقة، وتسعى الإمارات حليفة الولايات المتحدة إلى الحصول على امتياز إدارة أكبر عدد من الموانئ، فيما يشبه السباق مع الزمن قبل قدوم الصين، حيث يهدد المشروع الصيني ميناء دبي ومدينة دبي بأكملها، باعتبارها المركز التجاري للشرق الأوسط ونقطة مهمة بالنسببة للبضائع الصينية المتوجهة إلى أفريقيا، كما تسعى الإمارات إلى جانب السعودية في تقوية أمنها الغذائي بالاستثمار في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية في السودان وإثيوبيا عبر عدة شركات. ومنذ – خروج الولايات المتحدة من الصومال في 1994 – بعد أن قضى مجموعة من المتمردين الصوماليين بقيادة محمد فرح عديد على كتيبة من الجيش الأمريكي – لم تسعى أمريكا للتدخل بشكل مباشر في الصومال بل عملت بطريقة مختلفة تماماً، فمثلاً تشير عدد من التقارير وكذلك تصريحات الجانب الأمريكي إلى التعاون الكبير بين جهاز الأمن والمخابرات الوطني – جهازالمخابرات العامة حالياً – ووكالة الاستخبارات المركزية في ملفات متعلقة بالإرهاب في شرق أفريقيا.
وبالنسبة للصين، فإن الموانئ أمر ذو حساسية عالية، حيث تكشل المنطقة حجر الزواية في الانتشار داخل العمق الأفريقي تجارياً وربما عسكرياً، لفرض قدر من الاستقرار يسمح بتدفق حركة التجارة والأموال والمواد الخام.
فيما تسعى بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي حديثاً إلى تأمين موقفها وتطوير شراكاتها مع مستعمراتها السابقة، حتى تخفف آثار الخروج من الاتحاد على اقتصادها، كما أنها تنظر إلى منطقة شرق أفريقيا باعتبارها القوى الاستعمارية الأبرز التي شاركت في صياغة المنطقة وتكوينها، وتنظر إلى السودان تحديداً كعمق استراتيجي، وهي ترى أنها الأكثر دراية بالمنطقة وطبيعتها السياسية تاريخياً. ويبرز هذا الأمر عبر تدخلها في السودان الذي تعاونت فيه مع ألمانيا، حيث عملت الدولتان على مشروع البعثة الأممية تحت الفصل السادس، ما يعني أن السودان سيصبح تحت وصاية الدولتين بشكل غير مباشر لفترة من زمن، الأمر الذي سيوسع نفوذ الدولتين في المنطقة، وربما تسعى ألمانيا لمنافسة الصين والإمارات على إدارة ميناء بورتسودان عبر شركة ميناء هامبورج، ما يعني أنها ستكتسب حضوراً مباشراً في ساحل البحر الأحمر يمكنها من تعزيز إدارتها لملف مكافحة الهجرة غير الشرعية والذي تعد الخرطوم مركزاً له في شرق أفريقيا.
وهناك تركيا وقطر اللتان تسعيان لمحاصرة السعودية والإمارات ومصر، إلا أن نفوذهم في المنطقة قد يشهد انحساراً كبيراً بعد سقوط حكم الإسلاميين في السودان، والميل الواضح للحكام العسكريين لجانب السعودية والإمارات فيما يحظى المدنيون بدعم البريطانيين والألمان والفرنسيين، الأمر الذي ظهر في مشروع البعثة الذي تقدم رئيس الوزراء بطلب تكوينها للأمم المتحدة وعملت الدول الثلاث على مشروع القرار.
تمر المنطقة بتحولات بارزة، فهناك توجه دولي وإقليمي على فرض السلام على المجموعات المتحاربة في السودان والصومال، وبالفعل يشهد البلدان هدوءً واستقراراً نسبياً لكنهما مهددان بالانفجار في أي وقت حال فشل عملية التحول الديمقراطي، إلا أنه على الصعيد الدولي يشكل الملف الأمني أولوية بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية على حد السواء، إما كجزء من الأمن الغذائي أو أمن التجارة الدولية أو مكافحة الإرهاب، ما يعني أن جميع القضايا أصبحت قابلة للنقاش في إطار أمني أو ما أصبح يعرف حديثاً بالأمننة، ويشكل هذا بعداً جديداً يضفي المزيد من التعقيد على المنطقة المضطربة أصلاً وذات التاريخ الطويل في الصراعات الإثنية والتمرد العسكري منذ نهاية حقبة الاستعمار. تستدعي عملية الأمننة إدارة المشهد بعيداً عن الجيوش النظامية التي تُعدُّ متورطة في عملية الحكم بقدر كبير، الأمر الذي أضعف كفاءتها العسكرية كما يبرز في السودان والصومال على سبيل المثال وبقدر أدنى في إثيوبيا التي عملت على تطوير جيشها في السنين الأخيرة إلا أن الصراعات الإثنية داخل النخبة الحاكمة تشكل تهديداً لوحدة البلاد، وبرز هذا في تمرد حكومة إقليم الأمهرا على قرار أديس أبابا بشأن سودانية منطقة الفشقة، كما في الصراع الحالي الدائر بين الحكومة المزكرية وحكومة إقليم تغراي. وتُعدُّ التركيبة الإثنية المعقدة للمنطقة التي يمتد أثر اضطرابها إلى عمق أفريقيا مغطياً منطقة الحزام السوداني التاريخية من العوامل التي تدفع نحو إدارة المنطقة عبر استراتيجيات أمنية لا عسكرية في المبدأ الأول، وهذا يتضح من الوجود الاستخباراتي الكبير في المنطقة والذي تتحدث عنه مختلف الوسائط، كما يعبر عنه التنافس على تكوين القواعد العسكرية على ساحل البحر الأحمر، فإرتريا تضج بالقواعد العسكرية من مصر والإمارات وإسرائيل وتسعى قطر وتركيا لتأمين قواعد في الصومال وجيبوتي، وربما تخلت تركيا عن فكرة قاعدة في السودان في الوقت الحالي، ويوجد الأوروبيون بصورة أساسية في الملفات المتعلقة بمكافحة الهجرة، حيث تتمركز أغلبها في الخرطوم تحديداً، حيث ذكرنا أعلاه أنها مركز عمليات مكافحة الهجرة غير الشرعية وأخيراً دخل الروس على الخط في السودان، وأعربوا عن نيتهم إنشاء قاعدة عسكرية في بورتسودان، وهناك ملفات المياه والأمن الغذائي التي تدفع مصر نحو النظر بعين الريبة نحو أي تحول يحدث في السياسة السودانية خصوصاً في ما يتعلق بقضية التحول الديمقراطي وإعادة تكوين الدولة، حيث لا يخدم ذلك مصالح مصر بتاتاً، وبل ومن الممكن أن يشكل هذا الأمر تهديداً كبيراً للدولة المصرية التي ستعاني غذائياً بعد 2080، كل هذا التداخل يدفع بالمنطقة نحو قدر من الهدوء والاستقرار النسبي، المحكوم بتوازنات القوى، ولا يعبر بأي شكل من الأشكال عن طبيعة ورغبة سكان المنطقة الذين قد يدفعوا بالوضع إلى الانفجار في أي لحظة ما لم تراع مصالحهم وحقوقهم التاريخية في الأرض. وأضحت الأمننة عائقاً في وجه إقامة أنظمة حكم ديمقراطية في القرن الأفريقي كما وضح جلياً أن المقاربات والمداخل الغربية لتفسير تعثر التحول الديمقراطي في بلداننا.

___________________________

*قدمت هذه المقالة في برنامج شباب السودان والديمقراطية والذي نظمه معهد الدراسات والبحوث الإنمائية جامعة الخرطوم – ديسمبر ٢٠٢٠

المراجع
زراعة الجوع في السودان، تيسير محمد علي
نقد أيديولوجيا صراع الهويات سودانياً، هشام عمر النور
مدخل لسوق الأعمال السياسي لأجل صناع السياسات، أليكس دي فال
الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالات جيبوتي والصومال والسودان، حسن الحاج علي وعديلة تبار

الثورة السودانية وصراع المحاور
February 27, 2019
بين سبتمبر وديسمبر
January 6, 2019
معركة القضاء – نظرة مغايرة
October 11, 2019
Leave a Reply
Your email address will not be published. Required fields are marked *

Name *

Email *

Website

Notify me of new comments via email.

Notify me of new posts via email.

Post navigation← علمانية لصالح من؟ وشريعة لصالح من؟

تحديات الإنتقال الديمقراطي في السودان*
علمانية لصالح من؟ وشريعة لصالح من؟
مالم يتغير منذ الاستقلال
معركة القضاء – نظرة مغايرة
حتى لا يتكرر سيناريو ثورة أكتوبر ١٩٦٤ – قتيبة عثمان.

*كاتب وقانوني

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال