‫الرئيسية‬ دراسات تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان (2)
دراسات - مقالات - 19 مارس 2021

تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان (2)

محمد عبد الغني*

2- مؤسسات دولة ما بعد الإستعمار.
في ورقته نقد أيديولوجيا صراع الهويات سودانيا، يشير د. هشام عمر النور إلى تجاور بين أشكال مؤسسات حديثة وتقليدية سواء أكان اقتصاديًا أو سياسيًا، ولا تتجاور هذه المؤسسات وحسب في رأيه بل هناك اعتمادية متبادلة بينها، كما أنها تعمل على إعادة إنتاج الأنماط الاقتصادية القديمة وتعمل على تكريس التفاوت، بدلًا العمل على القضاء على تلك الأنماط، ويرجع ذلك بسبب كبير لضعف القطاعات الحديثة بما فيها الدولة وعجزها عن الإيفاء بالتزاماتها المختلفة تجاه المجتمعات المحلية، فعمدت لإدارة تلك المجتمعات عبر الأشكال المؤسسية القديمة التي تم استيعابها داخل نظام الحكم في عهد الإنجليز، وخلق هذا الوضع شبكة من علاقات المصالحة بين زعماء سياسيين وزعماء قبليين وكبار رجال الدولة من عسكريين ومدنيين كما يورد تيسير محمد علي في كتابه زراعة الجوع في السودان.

في ظل هذا الوضع المختل الذي أسهم بدرجة كبيرة في تأزيم الوضع الاقتصادي، وانعكس بشكل كبير على طبيعة الاستثمارات التي تقوم في البلد، كما تم توظيف هذا الاختلال في عمليات التجنيد في مناطق النزاع، وأسهمت كذلك في تعزيز التفاوتات والاختلالات في مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تغلب المصالح الفردية للفاعلين المختلفين على المصالح الاستراتيجية للبلاد وعلى الاستقرار السياسي الذي تحول لكرت مساومة ضد النظم الشمولية خصوصًا في فترة الإنقاذ التي شهددت تمدد القطاع التقليدي حتى اقترب من ابتلاع المؤسسة العسكرية نفسها، بسبب تدني كفاءتها العسكرية وانتشار التمرد في مساحة كبيرة من البلاد وتوالت الحروب والنزاعات منذ 1983 وحتى 2019.
ولعقود طويلة ظل الوضع كما هو منذ خروج الاستعمار وظل السؤال الوحيد الذي يواجه الدولة في السودان هو سؤال البقاء وعدم الانحدار للتفكك الشامل الذي ظل يهدد البلاد طيلة سنوات الاستقلال، ويرجع كثير من الباحثين والنقاد هذا التردي لغياب المشروع الوطني وغياب أي توجهات كلية عن سياسات الدولة التي تعمل مؤسساتها بمعزل عن بعضها البعض.

3- طبيعة السياسة الداخلية القوى العسكرية المتعددة
لعقود طويلة ظلت توازنات القوى السياسية الداخلية تميل لصالح مجموعات وفئات اجتماعية بعينها، وإ\اعتمدت هذه الفئات على الدولة بشكل أساسي في تحصيل امتيازاتها كما عجزت هذه الفئات عن الاستقلال عن الدولة في تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية، واعتمدت على المزواجة بين أشكال السياسة الحديثة والقديمة في تحالفات جمعت بين مؤسسات حديثة كالأحزاب وزعماء الإدارات الأهلية ورجال الطرق الصوفية وأوائل الأفندية الذين استفادوا من امتيازات الحصول على الأراضي الزراعية في مختلف المشاريع، كما يورد تيسير محمد علي في زراعة الجوع.
أنتج الوضع المختل والمتردي والتفاوت الكبير بين الفئات الإجتماعية المختلفة وهشاشة الدولة نزاعات في مختلف مناطق البلاد، ودفع عددًا من المواطنين لحمل السلاح في وجه الدولة، وصار في البلاد عدد كبير من حركات التمرد التي تسعى لتقويض الدولة بالكامل، وإزاء هذا التحدي الوجودي الذي واجهته الدولة عبر طرق مختلفة تتفاوت بين القمع والمساومة عبر آليات مختلفة، وأدت هذه العمليات المختلفة إلى خلق مراكز عسكرية خارج الجيش النظامي ويتجلى هذا الأمر بوضوح في قوات الدعم السريع التيي تقلب قائدها بين معارضة الحكومة والقتال باسمها، حتى صارت قوات الدعم السريع بمثابة جيش موازٍ للجيش الرسمي نظرًا للأدوار الكبيرة التي لعبتها في التصدي لحركات التمرد، ومكافحة الهجرة غير الشرعية والتهريب وفي عمليات جمع السلاح.
ويكمن التحدي في عملية الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تستوعب القوى المسلحة المختلفة سواء أكانت قوات الدعم السريع أو حركات التمرد داخل الجيش النظامي، حيث أن تطاول أمد الحرب خلق شبكات اقتصادية متعددة ومعقدة كما ذكرنا أعلاه، هذا التعقيد الذي أحدثته الحرب يشكل تحديًا أمام عملية الدمج والتسريح التي يفترض أن تكون جزءًا من الترتيبات الأمنية، فكما يشير أليكس دي وال عبر مفهوم السوق السياسي الذي ابتدعه لفهم العلاقات السياسية/ العسكرية في شرق أفريقيا، فإن عمليات التمليش تتم عبر وكلاء يقومون بتسويق الخدمات السياسية من تجنيد وحشد للأصوات الانتخابية عبر مساومة الفاعلين السياسيين المختلفين سواء أكانوا ممثلين رسميين للدولة أو قادة التمرد.
وفي شرحه لمفهوم السوق السياسي يشير دي وال إلى أنه :” هو نظام للحكم، يدار على أسس المعاملات الشخصية والتي يتم فيها تبادل الخدمات السياسية والولاءات بمقابل مادي بطريقة تنافسية. حيث يعقد الحاكم/ الزعيم صفقات مع أفراد من النخبة السياسية حول القيمة التي يجب دفعها – نقدًا، أو مقابل تسهيل الوصول إلى موارد مربحة أخرى كالعقودات – في مقابل دعمهم له. ويقومون هم بالضغط عليه عبر استخدام قدرتهم على تعبئة الأصوات الانتخابية أو تهييج الجماهير أو إلحاق عنف ذي ضرر. وهذا الشكل هو شكل محدث من السياسة العشائرية/ الأبوية المندمجة في السياق العالمي، وحيث أن النظم الأقدم تضمنت مقايضات بطيئة الإيقاع واستعملت عملات غير قابلة للتحويل وعوائد رمزية كالوجاهة الاجتماعية. فالسوق السياسي صار نقدياً بالعملة – صار قائماً على الدولار – والمفاوضات أصبحت سريعة الإيقاع. سوق الأعمال السياسي ينافس – وقد يزيح ويعكس عمليات – بناء الدولة والتطور المؤسسي”.

ADVERTISEMENT
REPORT THIS AD

_______________________________________________

*قدمت هذه المقالة في برنامج شباب السودان والديمقراطية الذي نظمه معهد الدراسات والبحوث الإنمائية جامعة الخرطوم – ديسمبر ٢٠٢٠

المراجع
زراعة الجوع في السودان، تيسير محمد علي
نقد أيديولوجيا صراع الهويات سودانيا، هشام عمر النور
مدخل لسوق الأعمال السياسي لأجل صناع السياسات، أليكس دي فال
الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالات جيبوتي والصومال والسودان، حسن الحاج علي وعديلة تبار

الثورة السودانية وصراع المحاور
February 27, 2019
بين سبتمبر وديسمبر
January 6, 2019
معركة القضاء – نظرة مغايرة
October 11, 2019
Leave a Reply
Your email address will not be published. Required fields are marked *

Name *

Email *

Website

Notify me of new comments via email.

Notify me of new posts via email.

Post navigation← علمانية لصالح من؟ وشريعة لصالح من؟

تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان*
علمانية لصالح من؟ وشريعة لصالح من؟
مالم يتغير منذ الاستقلال
معركة القضاء – نظرة مغايرة
حتى لا يتكرر سيناريو ثورة اكتوبر ١٩٦٤ – قتيبة عثمان.

*كاتب وقانوني

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال