‫الرئيسية‬ مقالات (كولمبيا) ما بين شاطئ النيل الأزرق وساحل الكاريبي: فصل آخر من فصول (خريف البطريرك)
مقالات - 15 مارس 2021

(كولمبيا) ما بين شاطئ النيل الأزرق وساحل الكاريبي: فصل آخر من فصول (خريف البطريرك)

ما ذُكِرت ثورة ديسمبر، إلا وحضرت مذبحة الاعتصام. وما ذُكِرت المذبحة، إلا وذُكِرت كولمبيا واعتصامها، الذي صار فيما بعد زريعة للانحراف، انحراف الخطة، لا السلوك. بعض هذا المقال رد اعتبار للوجه الآخر لكولمبيا التي ارتبط اسمها -قسراً- بأفجع فواجعنا، وما ذلك إلا بداعي رسوخ صورة نمطية ربطت ما بين كولمبيا وتجارة المخدرات. ربما لا يعلم الكثيرون أن نسبة الأمية في كولمبيا تقل عن (10%)، ونسبة التوظيف تفوق الـ (90%)، وهي إحصاءات تتعارض والانغماس في برك الإدمان الآسنة.

أضف لذلك، أنها ورغم ماضيها المضطرب، تعد الآن ثالث أكبر اقتصاد على مستوى أمريكا الجنوبية. أكثر من ذلك، فكولمبيا تحتل المركز الثالث عالمياً على مؤشر الكوكب السعيد، فالكولومبيون عاشقون للاحتفالات والمهرجانات لدرجة أن يفوق عددها أيام السنة الواحدة، مما جعل هذا (الإدمان) الاحتفالي، ضمن أسباب أخرى عديدة، تقود كولمبيا لتتبوأ قمة البلدان الأكثر سعادة على مستوى العالم، وفقاً لأحد الاستطلاعات السنوية التي ظلت تجريها مؤسسة “وين غالوب الدولية للأبحاث”.

إن من ربطوا بين اعتصام شاطئ النيل الأزرق وكولمبيا، لابد أن ذاكرتهم ما زالت أسيرة لسيرة (بابلو إسكوبار) 1949 – 1993، مؤسس وزعيم منظمة (كارتل ميديلين) الإجرامية، أحد أشهر أباطرة المخدرات، السياسي وصاحب الأعمال الخيرية التي تهدف -أي الخيرية- لمحاولة غسيل أدران العمل (المافيوي) استجداءً لقاعدة شعبية تفتح آفاقاً للولوج إلى عالم السلطة، بعد أن سيطر على عالم الثروة، كما يفعل الكثيرون.

مثلما يضج ماضي كولمبيا، وربما بعض حاضرها، بمثل هذا الجنوح المافيوي، فمن بين سواحلها وجبال أنديزها تفتقت عبقريات كثيرة: خوسيه هيجيتا، الحارس المجنون صاحب الصدة الخلفية الأغرب في تاريخ كرة القدم، رفيق كارلوس فالديراما رمانة الوسط اللاتينى بلا منازع، ملهم خاميس رودريغز صاحب الحذاء الذهبي في المونديال قبل الأخير.

أما إن عرجنا على مضمار الغناء والرقص، فحتماً سنقف عند شاكيرا، ذات المواهب المتعددة وصاحبة أكبر عدد من جوائز غرامي. أما إن دلفنا إلى ميدان الإبداع العالمي، فلن تكن من علامة أكثر إبهاراً وأبهى حضوراً، من غابرييل غارسيا ماركيز، أيقونة كولمبيا الخالدة، صاحب العوالم الساحرة، ورائد الواقعية الغرائبية، صاحب الروايات الأشهر الذي يكتب كمن يغني.

فما من روائي تناول سير الطغاة وتناقضات حيواتهم البائسة مثلما تناولها هو في رائعته (خريف البطريرك)، الرواية التي تدور حول جندي أمريكي لاتيني، غير متعلم، ينحدر من بلد ما، يستولي على السُّلْطة بالرغم من ضآلة تجربته ومحدودية أفقه، يخطط للحُكم مدى الحياة، الرواية/القصيدة التي مزجت كل طغاة أمريكا اللاتينية، لا بل كل طغاة العالم الثالث في شخصية دكتاتور عابر للزمان والمكان، كلي الوجود، جسد فيه ماركيز كل ما في النفس البشرية من بؤس، وأحط ما فيها من شر، وأدنى ما فيها من وضاعة، للدرجة التي يعلن فيها الدكتاتور الحرب على الجميع تحت عنوان: “عاش أنا .. يموت ضحاياي .

هذا ما كان من أمر كولمبيا التي ترقد على ساحل الكاريبي، فماذا عن كولمبيا التي بين النيل الأزرق وجسره الحديدي؟! التي كان فض اعتصامها زريعة للمذبحة الأكثر بشاعة في تاريخنا الحديث، وربما تاريخنا على إطلاقه؟! بدءاً يلزمنا تعريف ذلك الاعتصام، هل كان امتداداً طبيعياً لاعتصام القيادة؟! أم كان اعتصاماً موازياً لا علاقة له بأهداف الاعتصام ومطالب الثورة ؟! هل كان اعتصاماً تلقائياً أم مصنوعاً من جهة ما بغرض استخدامه لاحقاً زريعة ووسيلة؟!

هل كان ورماً سرطانياً نما على جسد الاعتصام المعلن، أم كان تعبيراً عن التمرد على سلطة القهر، قبل سلطة القانون؟! ثم الأهم، هل كان الاعتصام قائماً أوان فضه أم كان قد فُض في زمانٍ مضى، كما أُعلِن ووثقت له أجهزة الإعلام أيامها؟! ثم فلنمد حبل الأسئلة مداً، لنتساءل: هل كان يحتاج اعتصام بتلك المحدودية لأكثر من وحدة من وحدات الشرطة لفضه ومحاسبة مرتاديه على ممارسات قيل إنها كانت سائدة وتخالف القانون، أم كان في حاجة للخطة التي تداعى لها الجنرالات والقضاء والنيابة؟!

ستظل هذه الأسئلة وغيرها معلقة على عنق قوى الحرية والتغيير التي اكتفت أيامها بتحديد الإطار الجغرافي لكلٍ من الاعتصامين، كأنها إدارة من إدارات وزارة التخطيط العمراني، أو وحدة من وحدات مصلحة الأراضي. نعم، ستظل هذه الأسئلة معلقة إلى أن تفتي لجنة التحقيق -بعد عمرٍ طويل- في كنه ذلك الاعتصام وماهيته.

لن ترسو سفينة هذه البلاد المنهكة على بر الأمان، ما لم تُنكأ جراح عديدة، بغرض إزالة ما علق بها من دمامل وقيح، لابد من مواجهة أخطائنا أو حتى خطايانا، فإن التذاكي والتسويف والهروب إلى الأمام لم ولن يعالج قضية، فهل نفعل ما يتوجب علينا فعله الآن، أم ننتظر حتى يفجعنا بالحقيقة (شبح بلا رأس وبلا جسد)، مخاطباً (دكتاتورنا): “اخرج إلى الشارع وجابه الحقيقة، إننا نقترب من المنعطف الأخير”. كما في الرواية التي اعتلى عنوانها صدر هذا المقال .

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال