‫الرئيسية‬ مقالات كتاب الوعي .. عبد الحي وأشباهه
مقالات - 14 مارس 2021

كتاب الوعي .. عبد الحي وأشباهه

منتصر القدال

حدثتنا كُتب التاريخ القديم، أنْ كُلدةَ بن حِمير كان قد أصاب دماً في قومه، فهجرهم مُستجِيراً إلى مِراد (وهم حلفاء بني جبلة أهل معاذ بن جبل)، فأصبح بعد حين من أهل المكانة بينهم، لأنه كان بليغاً فصيحاً يستميل بلسانه أفئدة الأعراب.

بعد حين من الدهر، جاء وفد من مراد ضم أكثرهم بلاغة وأحذقهم لغة، جاؤوا مبايعين الإمام علي كرم الله وجهه بالخلافة. وقف أحدهم بين يدى الإمام قائلاً: “السلام عليك أيها الإمام العادل، والبدر التمام، والليث الهمام، والبطل الضرغام، والفارس القمقام، ومن فضله الله على سائر الآنام”.

كان ذلك الرجل المادح هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، تلميذ كاتب الوحي معاذ بن جبل، حيث تعلم القرآن وحفظه على يد الصحابي الجليل، وهو ذاته الرجل الذي كان الخليفة العادل، عمر بن الخطاب، قد بعثه مع جيوش المسلمين عند فتح مصر، ليعلم الجنود القرآن، ويروح عنهم عناء التدريبات العسكرية، وعندها تمَّ اصطياده وتجنيده من قِبل أصحاب مشروع سياسي جديد، وعلى رأس هؤلاء عبد الرحمن بن عديس.

وجدوا في ابن ملجم ما يريدون، فهو حافظ القرآن، وتعلمه من كاتب الوحي، وتلك صفات تعطيه قبولاً ومكانة، ولكن الأهم من ذلك عندهم أن الرجل كان به شطط وعدم قدرة على استيعاب وفهم مقاصد الآيات التي يحفظها، وبه حماس وتهور، إضافة إلى أنه يلتقي أعداداً كبيرة من الناس ترى وجهه المشرق دون سواه. فوجدوا فيه ضالتهم لتنفيذ أجندة سياسية خبيثة، ونجحوا في ترويضه حتى انتهى به الحال ليصبح قاتلاً لعلي. وكانت تلك بذرة التطرف الأولى، وإعلان بدء استغلال أهل السياسة لرجال الدين.

استخدام رجال الدين في السياسة أصبح يأخذ أشكالاً مختلفة، ولكن معايير اختيارهم من قِبل السياسيين لم تختلف كثيراً، فهم دائماً يحتاجون الخطيب المفوه الحافظ للقرآن، والذي له قبول عند قطاع كبير في المجتمع البسيط المتدين بالفطرة، وكثير التوقير والاحترام لرجال الدين، وأن يكون شخصاً يمكن ترويضه والسيطرة عليه عن طريق المال أو السلطة أو المكانة الاجتماعية، وربما الدرجة العلمية الأكاديمية، ومن ثم الترويج له و لقدراته إعلامياً، وإفساح كافة المجالات له ليشتهر لا كسياسي، بل كرجل دين ورع وتقي.

ثم بعدها يُرسم له سيناريو يصبح أسيراً فيه حتى لا يعود له فكاك  من متاهات السياسة، يفتي في كل شيء، فهو  خبير في الاقتصاد وعالم بالفضاء والتعليم والبنوك والرياضة، والموسيقى والفن، وكل العلوم الإنسانية الدنيوية، يخطب فى كل الضروب، ولكنه لا يجرؤ أبداً أن يحدث سامعيه عن الزهد والإيثار، فالنعم التي تبدو عليه فضل من الله لعباده المخلصين، وبالطبع يعد نفسه من أهل الرضوان كما أقنعه دهاقنة السياسة بذلك.

يسهل تجنيد رجال الدين في السياسة كلما كانت أنظمة الحكم بعيدة عن الديمقراطية، وتضيق فيها مساحات حرية التعبير والمعتقدات،  فأنظمة الحكم الشمولية والديكتاتوريات العسكرية التي تمارس الكبت والقهر على مواطنيها تصبح مجالاً خصباً لظهور أرتال من رجال الدين الذين يقومون بتوزيع بضائع تصنع في دهاليز السياسة بعد دهنها بالدين.

إن عبد الحي يوسف وأمثاله لا يملكون من أمرهم شيئاً، فهم موظفون تمت صناعتهم لتنفيذ أجندات سياسية لا علاقة لها بالدين. حصول عبد الحي على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الخرطوم، تحت إشراف الأستاذ (السياسي) حافظ الشيخ الزاكي، الذي لا يمتلك التأهيل الأكاديمي للإشراف على مثل هذه الدرجات من  الشهادات العلمية، فهو بدرجة الماجستير وليس فى جعبته شيء من البحوث العلمية

بالإضافة لذلك، فقد ذكر الدكتور (الأكاديمي) والأستاذ بجامعة الخرطوم محمد سعيد القدال، وبعد مراجعته الأطروحات التي قدمها عبد الحي للحصول على هذه الدرجات العلمية، وجد أنها قد فارقت أسس وخطوات البحث العلمي، أما ما بداخل البحث فحدث ولا حرج.

ليس مستغرباً على الرجل أن يصمت عن قضايا تمس صميم الأمن القومى للبلاد، وكمثال لذلك مطالبة الرئيس المخلوع لروسيا الشيوعية بحماية نظامه، أو أن يسارع لتكفير خصوم الرئيس من السياسيين ووصفهم بالزندقة، أو أن يصمت عن جرائم النظام السابق في بلد القرآن دارفور، فالرجل يقوم بواجبات الدور الذي رسم له، وهكذا يفعل كل أشباهه.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 11

كن أول من يقيم هذا المقال