‫الرئيسية‬ اقتصاد نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (4)
اقتصاد - دراسات - مقالات - 16 مارس 2021

نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (4)

أخطار “تعويم” المعوم:

يمكن القول إن الجنيه السوداني كان معوماً إلى حد كبير قبل قرار 21 فبراير 2021، فقد اتخذت الحكومة نهجًا تدريجيًا بـ “التعويم” على مراحل لتجنب رد فعل شعبي قد يأتي عنيفًا. تم “تعويم” الجنيه عمليًا مع برنامج محفظة السلع الاستراتيجية، بالإضافة إلى السماح للبنوك التجارية بشراء تحويلات المغتربين بسعر يقارب سعر السوق الأسود. ذكر نعوم تشومسكي التدرج ضمن استراتيجيات التحكم في الشعوب كوسيلة لتمرير سياسات تفتقد السند الشعبي على دفعات. طبقت الحكومة السودانية استراتيجية التدريج حرفيًا لتنفيذ عدد من السياسات التي تفتقد القبول الشعبي مثل: التطبيع، ورفع الدعم السلعي، وأخيراً نظام الصرف الجديد.

كما تبدو الأمور، فإن السعر الرسمي القديم غير الواقعي ليس أكثر من مجرد رقم محاسبي يستخدم في دفاتر الحكومة لتحويل المساعدات الأجنبية إلى ما يعادلها بالعملة المحلية، وهذا من ضمن ما زاد من إصرار الجهات المانحة على تغيير نظام الصرف حتى تنتفخ القيمة المحلية لمساعداتهم المستقبلية. ولكن رغم ذلك يظل قرار “تعويم” المعوم على أهمية تلقي بظلالها عبر قناتين رئيسيتين، من بين أمور أخرى:

أولاً، الدخول المقنن للبنوك التجارية، الأجنبية والوطنية، في سوق الصرف الأجنبي المحرر، قد يخلق طلبًا إضافيًا لتمويل العديد من الأنشطة، بما في ذلك: الاستيراد، وتـهريب رأس المال الوطني، وتحويل الأرباح المتراكمة للشركات والبنوك الأجنبية.

القضية الرئيسية الأخرى لتحرير سوق الصرف الذي يترتب عليه السماح قانونًا بالاحتفاظ بالعملة الأجنبية والتعامل فيها تتعلق بتكوين التوقعات أحادية الاتجاه، نظرًا لاستمرار الهيمنة المالية ونقدنة العجوز المتسعة، سوف يتوقع جميع المشاركين في السوق أن يتحرك سعر الصرف في اتجاه واحد فقط. أي كائن راشد عقلاني يتوقع انخفاض قيمة الجنيه سيبيع ما لديه من عملة أجنبية، فقط في حدود صارمة لتمويل الاحتياجات الآنية، أو ما يكفي لمصاريف بضعة أيام. بمعنى آخر، سوف يخزن الزول دولاراته (أو أي عملة أخرى).

من ناحية أخرى، نظرًا لأنه من المتوقع أن يتحرك سعر الصرف في اتجاه واحد فقط، فإن كل مواطن لديه مبلغ ما سوف يندفع لشراء دولارات أو ريالات كمخزن للقيمة يحمي مدخراته من تغول ضريبة التضخم رب رب. كل هذا يعني أن المعروض من العملات الأجنبية في السوق قد ينكمش نسبيا (مقارنة بالعرض المحتمل في سيناريو آخر) بينما سيزداد الطلب. وقد يرتب على ذلك ضغطًا إضافيًا على سعر الصرف يؤدي إلى انخفاض متواصل في قيمة الجنيه.

وفي حال تفاقم التضخم الناجم عن التمويل العجزي وسقوط سعر الصرف، قد يتلاشى ما تبقي من ثقة في العملة الوطنية مع فقدانها الأهلية اللازمة لتخدم كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل ووحدة للمحاسبة. وقد يترتب على ذلك بروز اقتصادين: أحدهما مدولر تلعب فيه الشركات وشريحة ضيقة من البرجوازية التي تتمتع بمداخيل بعملات أجنبية من العمل أو التحويلات أو الحسابات الشحيمة في الخارج، في مقابل غالبية الشعب المجبر على عملة وطنية لا تساوي شيئًا.

وهذه الأوضاع سوف تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وستدفع بأعداد متزايدة من الطبقة الوسطي، بما في ذلك شرائحها العليا، إلى التحالف مرة أخرى مع الطبقات الدنيا لمواجهة السقوط الطبقي والحرمان المهين. وانضمام الطبقة الوسطى في تحالف مع المسحوقين هو أحد أهم علامات ثورة قادمة قد تكون مستنيرة، وقد تكون عمياء الغضب تحرق بلا بصيرة.

من نافلة القول إن هذا المسار وهذه الآليات لن تحدث بين يوم وليلة، ولكنها ستواصل الاختمار ما لم يتم تصحيح السياسة الاقتصادية إلى أن تأتي لحظة الانفجار العظيم في مستقبل قد لا يكون بعيداً. ولنا في التاريخ عبر لمن يعتبر، تتجلى في ارتباط سعر الصرف والغلاء بـسقوط نظامي البشير ونميري.

فمثلاً عزت أهم مراكز الصحافة العالمية مثل (نيويورك تايمز) و(بي بي سي) سقوط النظامين إلى تخفيض قيمة العملة وتفاقم تكلفة المعيشة. في 7 أبريل 1985 غطت صحيفة (نيويورك تايمز) سقوط نظام نميري وقالت عنه: “في وقت سابق من هذا العام، بدأ السيد نميري بفرض برنامج تقشف أوصت به واشنطن وصندوق النقد الدولي. شمل ذلك انخفاضًا كبيرًا في قيمة الجنيه السوداني، وزيادات حادة في أسعار السلع الأساسية، مثل البنزين والخبز والصابون والزيت. وأثارت زيادات الأسعار، بالإضافة إلى الشح، احتجاجات وأعمال شغب الأسبوع الماضي، حاولت الشرطة قمعها باعتقالات واسعة وهجمات بالغاز المسيل للدموع”.

وفي 15 أبريل 2019 غطت (بي بي سي) سقوط البشير في مقال موسوم: “انقلاب السودان: لماذا تمت الإطاحة بعمر البشير؟ كيف بدأ كل شيء؟”. وقالت: “في ديسمبر 2018، حاولت الحكومة تجنب الانهيار الاقتصادي الناجم عن سنوات من العقوبات الأمريكية وفقدان عائدات النفط من خلال فرض تدابير تقشف طارئة، وتخفيض حاد في قيمة العملة. وأثار خفض دعم الخبز والوقود مظاهرات في الشرق بشأن ظروف المعيشة، لكن سرعان ما امتد الغضب إلى العاصمة الخرطوم”.

في الواقع، أن كل من تابع الأوضاع السياسية يعلم أن نظام الإنقاذ حاول جاهدًا مراراً وتكراراً رفع الدعم وتعويم سعر الصرف، لكن المقاومة الشعبية الشرسة -حتى انتفاضة سبتمبر 2013 التي رفضت هذه السياسات واستشهد فيها المئات- أجبرت النظام على التراجع مرة بعد أخرى. وتقريبا جميع قادة وأحزاب ونقابات قوى الحرية والتغيير عارضت حينها محاولات النظام لتنفيذ هذه السياسات.

إن تصوير سياسات رفع الدعم و”تعويم” سعر الصرف كقطيعة مع سياسات النظام القديم مناورة لا تسندها حقائق، وتهدف باسم الثورة لتطبيق سياسات النظام القديم المفضلة التي لم يملك ما يكفي من السند الشعبي ورأس المال السياسي لتمريرها. وربما أمكن الادعاء مجازاً في ميتافيزيقية هيغلية تاريخية بأن عقل النيوليبرالية الكلي لما رأي افلاس الإسلاميين عن تقديم القرابين في معبد توافق واشنطن، قرر استبدالهم بصفوة تصلي غرباً حظها في السند الشعبي أوفر لغموض معدنها أولاً، ولأنها حابت الشعب في صراعه مع الفاشية الإخوانية، ثانياً ولأن الشعب أصابه من الإحباط والاكتئاب ما يكفي لشل مقاومته مؤقتاً، ومؤقتاً فقط.

حضور قوي للصين وفيتنام وغياب بوليفيا أوزبكستان:

ومن أغرب الأكروبات التي استخدمها دعاة التعويم ورفع الدعم هو استدعاء التجربة الصينية والفيتنامية لتحليل التعامل مع البنك الدولي والصندوق. تبدو هذه الغرابة من أن كلاً من الدولتين تصف نفسها بأنها اشتراكية، ويتربع على حكومتيها حزبان شيوعيان، وقامت النهضة الاقتصادية فيهما بقيادة دولة كثيفة التدخل في الاقتصاد بالشركات الحكومية الكبرى، والتوجيه اللصيق للقطاع الخاص، والسيطرة على نشاط رأس المال الأجنبي، وتوجيهه. وهذا هو عكس ما يدعو إليه البنك والصندوق من ترك التنمية ليقودها القطاع الخاص، وانسحاب الدولة من فضاء الاقتصاد إلا في حدود مساعدة القطاع الخاص وخصخصة الشركات الحكومية.

كما أن الخطاب يختزل التعامل مع المؤسستين في قضيتي الدعم والتعويم، رغم أن تعاون الدولتين معهما ركز على تطوير البنى التحتية والقدرات الإنتاجية، بشروط الدولتين، وداخل إطار خططهما التنموية المستقلة. ولم يكن هناك أصلاً مشكل سعر صرف في الصين، لأنها لم تعوم سعر الصرف، بل اختارت أن تبقي العملة الوطنية في مستوى أقل من سعر السوق الحر، لزيادة صادراتها، وتقوية القطاع الوطني المنتج لبدائل الواردات، وقد نجحت في ذلك أيما نجاح.

ولكن لا يمكن القول بأن تخفيض سعر الصرف في السودان سينعش الصادرات لأسباب عديدة منها ضعف المرونة السعرية للصادرات والواردات، كما أن ضعف البنية التحتية وتآكل القاعدة الإنتاجية يجعل من الصعب على المستثمرين الاستجابة لتحسن سعر الصادر بزيادة الإنتاج في قطاعي الصادر والسلع البديلة للواردات. وقبل ذلك وعلى كل حال، فإن مستوى الصادرات والواردات لا يعتمد على سعر الصرف الاسمي، بـل على سعر الصرف الحقيقي -أي سعر السوق/البنك مقارنة مع معدل التضخم النسبي بين السودان مقابل معدلاته في بلدان المنافسين والشركاء التجاريين.

وهذا يعني أن تنافسية قطاعي إنتاج الصادر والسلع البديلة للواردات تتحسن فقط في حال بناء القدرات الإنتاجية مصحوبة بمعدل تضخم أقل من معدل انخفاض سعر صرف العملة الوطنية، مع الأخذ في الاعتبار معدل التضخم في بلدان المنافسين والشركاء التجاريين. وهكذا فإن تحسين تنافسية الصادرات والسلع المنتجة محلياً كبدائل للواردات يتم أولاً بالسيطرة على التضخم، وأن تخفيض قيمة الجنيه في سياق تضخم انفجاري سوف يضعف التنافسية الدولية للاقتصاد السوداني بدلاً عن تحسينها.

ولهذا كررنا -وما زلنا- بأن أي محاولة إصلاح اقتصادي لا تبدأ بالسيطرة على التضخم لا تعدو أن تكون إهدار زمن ثمين بالحرث في بحر الوهم، وهذا ما حدا بنا لوصف قرار زيادة المرتبات بنسبة (569%) بأنه من الكبائر لاستحالة تمويله بغير زيادة ساعات عمل مطابع العملة السرطانية.

جادل هـا-جون تشانغ، أستاذ الاقتصاد بجامعة كامبردج وأحد المع المفكرين الاقتصاديين، أنه على عكس مبادئ النيوليبرالية ارتكزت النهضة الفيتنامية على تدخل الدولة وقيادتها للتحول الاقتصاد، وخير مثال على هذا النهج هو صناعة السفن، والتي رغم أنها لم تكن موجودة في عام 2002، إلا أن فيتنام أصبحت بحلول عام 2014 تحتل المركز السابع على مستوى العالم في صناعة السفن.

ووضعت فيتنام خطة مفصلة لتطوير الصناعة، بما في ذلك إنشاء مؤسسة مملوكة للدولة، وتقديم قروض مدعومة، وحوافز للشركات لإعادة الاستثمار، وإعفاء ضرائب التصدير وإيجار الأراضي. وركزت حكومة فيتنام أيضاً على زيادة المحتوى المحلي للصناعات، وتوفير القروض لتكاليف البنية التحتية. يُظهر هذا سياسة صناعية قصدية ومدروسة لإحداث التغيير، وربط الدولة بالقطاع الخاص، وتوجيهه وتعزيز الروابط الخلفية والأمامية التي يمكن أن تقود الصناعة للمساهمة في تعزيز الاستثمار المحلي والعمالة والإنتاج في عملية تحول شاملة.

ولا يحتاج إدراك فساد المنطق إلى معرفة لصيقة بالصين وفيتنام، لأن من أتى به يرتكب خطيئة أبستمولوجية لا تجوز بخلطه بين الارتباط والسببية. فوقوع حدث بالتزامن مع آخر لا يثبت أن أحدهما سبباً والآخر نتيجة. ولو جاز استنتاج سببية متسرعة من تجربة الصين وفيتنام، فإن نجاعة وصفة البنك ليست الاستنتاج الوحيد المعقول. فمن الممكن مثلاً، بمنطق الارتباط الذي لا نتبناه، الاستنتاج بأن قيادة حزب شيوعي للتنمية هو شرط نجاحها، أو أن قيادة الدولة لها حظها أوفر في النجاح، أو على الأقل أن الحكومات الشيوعية أقدر على التفاوض مع البنك بما يخدم قضايا التنمية.

ليس الغرض هنا القفز الي أي من هذه الاستنتاجات بتعجل، بـل الهدف هو إبراز أن سلامة روشتة البنك ليست الاستنتاج الوحيد الجائز، ولا حتى الأكثر منطقية من استنتاجات بديلة متاحة لا نود أن نخوض فيها هنا باتفاق أو اختلاف. وبدلاً من الدفاع عن السياسة الاقتصادية بـالاستشهاد بدولتين تعلنان عن اشتراكيتهما تحت حكم حزبين شيوعيين، وفي سياق تنمية قادتها، وما زالت تقودها دولة طويلة الذراع للتدخل الاقتصادي، كان من الأنسب والأكثر واقعية استصحاب نتائج تجربة السودان مع الصندوق منذ سبعينيات القرن الماضي، ونتائج التطبيق المستمر لسلسلة متناسلة لا تنقطع من نفس البـرامج التي يراقبها الصندوق في ربع القرن السابق منذ 1997 بلغت أربعة عشر برنامجاً.

كما كان من الممكن استصحاب نتائج برامج الصندوق في دول أفريقيا جنوب الصحراء، لأنها أقرب لواقع السودان في البنية الاقتصادية وطبيعة المشاكل. وبدلاً عن الاستشهاد بتجربة السودان وتجارب دول أفريقية شبيهة، يتم استدعاء تجارب دول تسمي نفسها (اشتراكية) وتحكمها أحزاب شيوعية تسيطر على مقابض الاقتصاد والسياسة، بما في ذلك سيطرتها على الشركات الخاصة الخاضعة لتوجيه الدولة.

ولو كان هناك درس لازم من تجارب الصين وفيتنام، فهو لا يتعلق بمحاسن النيوليبرالية، إذ إن دليله يشير إلى ضرورة قيادة الدولة للتحول الاقتصادي، وأن يلعب القطاع الخاص دوراً مكملاً، في إطار سياسة الدولة، وبإشرافها، في إطار سياسة صناعية، جيدة التصميم، والانتباه للأهمية الحاسمة لصيانة السيادة الوطنية، واستقلال القرار الوطني، والاقتصادي، والاستثمار في التعليم، والبنى التحية المادية والتكنولوجية.

نجاح بوليفيا وأوزبكستان يثير الحيرة:

وصف هـا-جون شانغ أيضاً سياسة أوزبكستان الصناعية، كدليل على أن الدول التي رفضت الدوران في فلكي البنك الدولي وصندوق النقد كانت الأوفر حظاً في تحقيق التنمية الاقتصادية. فمنذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في عام 1989، أصبحت أوزبكستان معروفة بـسياساتها الاقتصادية غير التقليدية، على عكس دول الكتلة السوفيتية السابقة.

في وقت مبكر في التسعينيات من القرن الماضي، تدخل صندوق النقد الدولي لتقديم توصياته المعروفة لأوزبكستان مثل التحرير السريع للأسواق والأسعار، والانفتاح على التجارة الخارجية والاعتماد على التمويل الخارجي والخصخصة، وتحرير الاقتصاد من سيطرة الدولة، وتشديد سياسات المالية العامة والسياسات النقدية.

ولكن بقيادة إسلام كريموف، رفضت أوزبكستان هذه التوصيات، واختارت التحول التدريجي لاقتصادها. وانتقد إسلام كريموف علناً سياسات النيوليبرالية، وقال إن نموذج الإصلاح والتحديث المقترح من الصندوق يعني منذ البداية إعادة أساليب الصدمة والتي فرضت باستمرار على بلده، وكذلك الارتهان إلى المفاهيم الساذجة والمضللة حول طبيعة اقتصاد السوق.

أدى هذا التوجه الاقتصادي إلى وابل من الانتقادات من المؤسسات المالية الدولية ومن مروجي الفكر الاقتصادي السائد الذين بشروا بالفشل الوشيك لأوزبكستان. وفي عام 2001 سحب صندوق النقد الدولي ممثله الدائم في البلاد بعد فشلها في الوفاء بالتزاماتها كعضو في الصندوق. وفي أبريل 2004 أوقف البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية مساعداته نتيجة لعدم تنفيذ إصلاحات تتماشي مع اقتصاد السوق.

على الرغم من مخالفة شروط المؤسسات الدولية، وعلى الرغم من حقيقة أن أوزبكستان بلد غير ساحلي بالضعف (لا بحر له ومحاط بدول لا بحر لها)، فقد كان أداء البلد الاقتصادي جيدًا في فترة ما بعد الصندوق. بحلول عام 2001 صارت أوزبكستان الدولة الأولى من بين الجمهوريات السوفيتية السابقة التي استعادت التوازن الاقتصادي. واستمر معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط ​​عند حوالي (4%) في أوائل القرن، ثم تسارع إلى أكثر من (7%) بحلول 2004، وتجاوز (9%) في عامي 2007 و2008.

معظم النمو السريع منذ عام 2001 أتي على ظهر القطاع الصناعي، وازدهرت صناعة السيارات وتعززت رفاهية الشعب. المؤسسات المالية الدولية ومروجو الفكر الاقتصادي السائد الذين بشروا بفشل أوزبكستان، عز عليهم مراجعة وصفاتهم، واكتفوا بوصف نجاح أوزبكستان بأنه أمر يثير الحيرة.

أما في بوليفيا، فقد صعد حزب الحركة الاشتراكية بقيادة إيفو موراليس إلى الحكم في 2006 إلى 2019، وحقق إنجازات مشهودة ومذهلة. يقول مارك شنايدر من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي: “ليس هناك شك في نجاح النظام في رفع مستوى معيشة الفقراء، وفي بوليفيا يعني ذلك مجتمع السكان الأصليين”.

كذلك أقر البنك الدولي وصندوق النقد بالقفزات الاجتماعية والاقتصادية التي حققتها بوليفيا تحت قيادة موراليس، حيث حققت أدنى نسبة بطالة في أمريكا الجنوبية (أقل من 4%) وأعلى نمو اقتصادي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بمتوسط (4.8%) سنويًا من 2004 إلى .017، بينما انخفضت نسبة المواطنين الذين يعيشون في فقر مدقع بأكثر من النصف من (36%) إلى (17%) خلال تلك الفترة. وتم رفع الحد الأدنى للأجور من (60) دولاراً إلى (310) دولارات في الشهر.

وارتفع متوسط العمر المتوقع بنسبة (9) سنوات، وكادت الأمية أن تختفي، وانخفض معدل التسرب المدرسي ومعدل وفيات الرضع، ووفرت الدولة رعاية صحية مجانية لمرضى السرطان. وتم تقليص الفجوة بين الجنسين بتمليك الأراضي للنساء، وتقدمت بوليفيا في نسبة مشاركة للمرأة في البرلمان.

وحسب الأمم المتحدة، فإن النساء يشغلن (53%) من مقاعد البرلمان في الدولة متعددة القوميات، وهي ثالث أعلى نسبة على مستوى العالم. وأصبحت أدريانا سالفاتيرا رابع امرأة يتم انتخابها كرئيسة لمجلس الشيوخ في 2019. وتعتبر الشابة التي بالكاد تعدت الثلاثين ربيعًا أصغر شخص يشغل هذا المنصب في أمريكا اللاتينية.

ونسب ايفو موراليس في خطابه للأمم المتحدة هذه الإنجازات التي تحققت في وقت قصير إلى ضمير الشعب، والحركات الاجتماعية، من السكان الأصليين والفلاحين والعمال والمهنيين، من الرجال والنساء، في الريف والمدن، وأيضاً تحققت هذه الإنجازات بفضل تأميم الموارد الطبيعية والشركات الاستراتيجية والسيطرة على المصير الوطني وبناء نموذج اجتماعي اشتراكي منتج، يعترف بالخدمات الأساسية (الماء والكهرباء والمواصلات) كحق من حقوق الإنسان.

ولكن في نهايات 2019، تغول العسكر بشبه انقلاب، وتم إبعاد موراليس، ولكن في نهاية عام 2020، أعادت الانتخابات حزب الحركة الاشتراكية للحكم هذه المرة بقيادة الرئيس الجديد لويس آرس، الشيء الذي أتاح لموراليس العودة من منفاه. بعد عودته إلى الحكم، قرر حزب الحركة الاشتراكية في فبراير 2021 إعادة قرض حصلت عليه الحكومة السابقة بقيمة (350) مليون دولار إلى صندوق النقد الدولي.

وقال البنك المركزي إنه أعاد قرضاً قيمته نحو (346.7) مليون دولار، بما في ذلك (4.7) ملايين دولار من الفوائد والعمولات لتفادي إرهاق اقتصادها بالديون والتكاليف دون داع. وقال البنك أيضاً إنه سيبدأ إجراءات إدارية ومدنية وجنائية ضد المسؤولين عن التفاوض على القرض مع صندوق النقد الدولي.

خلاصة القول: إن القضية لا تنتهي عند الثنائية الصفرية بين التعامل مع صندوق النقد الدولي أو مقاطعته، فذلك من التبسيط والتسطيح. وعلى الذين يتحججون بأن معظم دول العالم -إن لم يكن جميعها- تتعامل أو تعاملت مع صندوق النقد والبنك الدولي ألا ينسوا أن السؤال المحوري يتعلق بشروط التعامل وسلامة منطقه، وهل يأتي منطلقاً من رؤية تنموية وطنية مستقلة، أم يأتي عن طريق تحويل صانع القرار السوداني إلى مترجم تابع لما يقرره الخارج لأمبـدة التي يفترض أنه أدرى بشعابها.

أيضاً من المعروف في أدبيات الاقتصاد الجادة، بما في ذلك توماس بيكيتي في كتابه الرائع (رأس المال في القرن الواحد وعشرين)، أن كل تجارب التنمية الناجحة في آسيا اعتمدت على رأس المال المحلي، وليس على رأس المال الأجنبي ولا الهبات. وهكذا نمت الصين وكوريا واليابان وتايوان بالتركيز على رأس المال المحلي، بما في ذلك الاستثمار في رأس المال البشري والتعليم والتكنولوجيا والتدريب واكتساب المهارات، وما إلى ذلك. وما زالت الصين تفرض قيودًا شديدة على رأس المال الأجنبي.

ولك أن تقارن ذلك بأفريقيا التي تعتمد على رأس المال الأجنبي. فتح الدول الافريقية الأبواب لرأس المال الأجنبي تنفيذاً لشروط البنك والصندوق نتج عنه أن الاجانب يملكون ما يقارب (40%) إلى نصف رأس المال الصناعي في القارة، ويترتب على ذلك أن الدخل الذي يجنيه المستثمرون الأجانب ويحولونه إلى الخارج يبلغ ثلاثة أضعاف المساعدات التي تحصل عليها القارة. هل هذا هو طريق التنمية الذي يناسبنا ونتمنى أن نسير عليه؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال