‫الرئيسية‬ اقتصاد نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (3)
اقتصاد - دراسات - مقالات - 14 مارس 2021

نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (3)

جراحة عميقة بلا تخدير

عندما بشر وزير المالية السابق، الدكتور البدوي، بتعويم الجنيه في حزمة تشمل رفع الدعم وتحرير جميع الأسعار، كمقدمة يتبعها المزيد من التحرير الاقتصادي، كان يعرف كخبير محترف ومتمرس كم الألم الذي يمكن أن يحيق بالمجتمع جراء هذا التوجه، لهذا السبب فقد سمي وصفته بـ (الجراحة المؤلمة)، وبدأ الدعوة لها باشتراط تزامن تدفق مساعدات خارجية ضخمة لتحلية الدواء المر.

وكرر السيد الوزير قصة منسوبة إلى عالم اقتصاد معروف، هو روديغر دورنبوشد تقول بـأنه في سياق مناقشة مصير البلدان التي طبقت برامج التكيف الهيكلي -التي وصفها السيد الوزير بأنها سيئة السمعة- تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد، صنف روديغر البلدان إلى ثلاث مجموعات: تتكون المجموعة الأولى من البلدان التي حصلت على المساعدات الخارجية ولكنها لم تطبق برنامج التكييف بإخلاص، ووصفها بالبلدان التي بلعت المخدر ولكنها لم تجر الجراحة. أما المجموعة الثانية فتتكون من البلدان التي أجرت الجراحة الموجعة دون تخدير المساعدات الخارجية، فعانت من صدمة وآلام. وأفضل الدول هي تلك التي حصلت على المساعدات الخارجية كمخدر وأجرت العملية الجراحية بنجاح.

الافتراض بأن الجراحة الاقتصادية النيوليبرالية سوف تنقذ الاقتصاد إذا ما توفر لها الدعم الخارجي مشكوك في وجاهته، ولكن ذلك موضوعاً نناقشه في سياق آخر. ما يهمنا في هذا المنعطف يتعلق بـما توفر من بنج لازم لإجراء الجراحة. ويتفق صندوق النقد مع رؤية السيد الوزير على أن أحد العناصر الأساسية لنجاح البرنامج المراقب من قبل الصندوق والمنفذ حالياً في السودان، هو وصول التمويل الكافي من المانحين، ولكن حتى الآن المساعدات التي استلمتها هذه الحكومة من المانحين لا تذكر، ولا توجد ضمانات لتدفقها بالأحجام المليارية المطلوبة بالذات، لأن كل الدول المانحة تعاني ظروفاً مالية صعبة، نجمت عن صدمة (الكورونا) لاقتصاداتها، والتي فاقمت من ديونها، ما يعني أنها تحتاج لسنين طويلة للتخلص من الديون التي راكمتها لدعم مواطنيها وشركاتها بغرض مقاومة آثار (الكورونا)، في ظل تردٍ مفزع في إيراداتها.

أضف إلى ذلك أن أعدقاء السودان اكتشفوا مقدرتهم على أن ينالوا من هذه الحكومة أعز ما تملك، وما شاؤوا، بلا مقابل، وفي عالم الريال بوليتك، لا يدفع أحد الكثير للحصول على ما يمكن الحصول عليه مجاناً، حتى لو دفع فتات لزوم الدعاية والحفاظ على مظاهر من إنسانية. ما يهمنا هنا هو أن الخطاب الحكومي قد دعا علناً إلى حقن الاقتصاد بالمخدر الأجنبي أولاً، ثم إجراء جراحته الموعودة بعد ذلك، لكن الأمور لم تسر كما اشتهى الجراحون فيما يتعلق بتأمين التخدير.

عندما بدأ السيد رئيس الوزراء عهده في أغسطس 2019، كانت أول خطواته كشف كعب أخيله لعالم الأعدقاء، عندما أعلن للمجتمع الدولي عن الحاجة إلى عشرة مليارات دولار من المساعدات الخارجية لإنقاذ الاقتصاد السوداني، تستخدم منها (8) مليارات لتغطية فاتورة الواردات، إضافة إلى ملياري دولار تضاف إلى ودائع الاحتياطيات الأجنبية، بهدف إيقاف نزيف الجنيه تجاه العملات الأجنبية.
وعقب ذلك في نوفمبر 2019، أعلن السيد وزير المالية أن السودان بحاجة إلى (5) مليارات دولار لدعم الموازنة، وتجنب الانهيار الاقتصادي، ولبدء الإصلاحات على أرضية ثابتة.

وفي كلا الحالين، كان تغليف بيع الرسالة للمجتمع الدولي، التهديد الضمني بأنه إذا لم يدفع فستنهار الدولة، وسيسيطر الإرهابيون على أرض السودان، ويشنون منها هجمات بربرية على العالم المتحضر، وعلى مصالحه في الإقليم وحول العالم. وكان افتراض الرسالة هو أن من أرسلها قادر على بيع (المية في حارة السقايين)، وأن فزاعة الإرهابي الإسلامي يمكن استخدامها لتخويف الغرب، بنفس نجاعة استخدامها في خطاب الاستهلاك المحلي.

عندما ذهب السيد الوزير إلى واشنطن على أمل تأسيس صندوق مساعدات بقيمة ملياري دولار لإجراء الجراحة عاد خالي الوفاض. وحين جاء دور رئيس الوزراء لزيارة واشنطن لإحضار البورك الأمريكي، إذا جاز التعبير، عاد أيضاً خالي الوفاض ومثقلاً بقبوله بدفع مئات الملايين من الدولارات كتعويضات عن تهم مسيسة منسوبة إلى النظام السابق، تلعب فيها أمريكا دور الخصم والحكم. إضافة إلى مأساة شح المانحين التي حذر وتنبأ بها الكثير منا، وخطر وضع كل بيض الثورة في سلة الأجنبي، التقى منتدى شركاء/أصدقاء/مانحي السودان عدة مرات في الخرطوم والرياض وبرلين ولم تنساب منهم قطرة مساعدات.

عقب ذلك ظل المانحون على موقفهم رغم انصياع الحكومة للخارج بدفع التعويضات والتطبيع ورفع الدعم والمشاركة في حروب خارجية. وفي أيام مفاوضات التطبيع ساومت الحكومة أولاً على (6) مليارات دولار كثمن مقابل التطبيع، ثم خفضته لاحقاً إلى مليارين، ولكنها في آخر المطاف طبعت بلا مقابل، وبعد التطبيع تقلص طموحها إلى الحصول (750) مليون دولار من الدول التي دفعتها دفعاً للتطبيع، ولكن لم تحصل على فلس منهم حتى يوم إعلان نظام الصرف الجديد في الأسبوع الأخير من فبراير 2021.

عودة إلى تصنيفات رودي دورنبوش، قد يميل البعض إلى الاعتقاد بـأن الفشل في توفير التخدير من شأنه أن يقنع الحكومة بإلغاء فكرة الجراحة، أو على الأقل تأجيلها، أو تغيير بعض تفاصيلها أو توسيع المدى الزمني لإنزالها بما أنه بدون تخدير، قد ينتهي الجراح بقتل المريض. لكن لم يحدث شيئاً مثل ذلك، فقد تمت جراحة سعر الصرف من غير بنج، وسبقه تحرير أسعار سلع أساسية، ورفع الدعم عن البنزين والمحروقات الأخرى.

كل هذا السرد لا يعني أن قرار “التعويم” كان سيكون سليماً في حالة حصول الحكومة على (10) مليارات دولار من المانحين (الفسلين). فكما بينا فإن وجود احتياطٍ كافٍ ومستدام هو شرط واحد فقط من ضمن حزمة شروط أكبر للانتقال الناجح لنظام صرف أكثر مرونة. أضف إلى ذلك أن أدبيات الصندوق تقول بأنه لا فضل لنظام سعر صرف على آخر، وأنه من الممكن اختيار نظم تختلف من بلد لآخر، حسب ظروفها الخاصة، ولكن في كل الأحوال، تكتسب طبيعة سياسات الاقتصاد الكلي الداعمة أهمية خاصة وحرجة.

التعويم على إيقاع مصري

كثيراً ما يتم استدعاء التجربة المصرية لتسويق التعويم في السودان، رغم ما في ذلك من فساد منطق وتخليط يقفز فوق الاختلافات الجوهرية بين الاقتصادين. فمصر تتمتع بمؤسسات راسخة ودولة قوية ومتجذرة مقارنة بالسودان، ولم تعان المحروسة ولا من كسر من معدلات التضخم التي شهدها السودان في العقود الثلاثة الأخيرة، ففي الفترة الزمنية التي ارتفع فيها سعر الصرف في مصر إلى حوالي (16) جنيهاً للدولار، قفز سعر الدولار في السودان من نحو ثلث الجنيه (أربعين قرشاً تقريباً) في أواخر السبعينيات إلى حوالي (400) ألف جنيه في الوقت الراهن.

نجحت تجربة التعويم نسبياً في مصر لأن اقتصادها المتنوع نسبياً يتمتع بإيرادات موازنة ضخمة ومعدلات تضخم أدنى ومصادر كبيرة ومتنوعة للعملات الأجنبية، مثل: الصادرات الزراعية والصناعية، والغاز، والبترول، ومداخيل قناة السويس، والسياحة، وتحويلات مغتربين عملاقة، وسوق مال ناجح نسبياً، وأهمية جيواستراتيجية تجيد الدولة في ترجمتها إلى مكاسب اقتصادية.

إضافة إلى ذلك حصلت مصر على أكثر من (25) مليار دولار هدية من السعودية والإمارات، وأكثر من (12) مليار دولار من صندوق النقد عند التعويم، وحصلت على دعم إضافي بعد ذلك. ورغم نجاح التعويم فنياً، واستقرار سعر الصرف لاحقاً، إلا أنه بعد تطبيقه مع الحزمة إياها، تفاقمت تكاليف المعيشة مع ارتفاع الأسعار، وازدادت الضرائب، وتنامى الدين الحكومي الخارجي، وارتفع معدل الفقر.

ولك أن تقارن جراحة الانتقال المجاني الذي نفذته حكومة السودان بدون تخدير بحصول مصر في عام 2016 على (37) مليار دولار من السعودية والإمارات، والصندوق. وحصول الإرجنتين في سبتمبر 2018 على قرض من الصندوق بـلغ (57) مليار دولار مقابل التزامها بوصفته التي تركبت من تحرير سعر الصرف، والالتزام بـعجز صفري في الموازنة، يتم تحقيقه عن طريق تقليل الصرف الحكومي على الخدمات، والدعم والتوظيف، إضافة إلى زيادة الضرائب.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال