‫الرئيسية‬ اقتصاد نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (5)
اقتصاد - دراسات - مقالات - 17 مارس 2021

نظام سعر الصرف الجديد .. مآزق التصميم والتوقيت (5)

تحوط خطاب التعويم

بعد أن ألقت الحكومة قنبلة مقاربة “التعويم”، أصاب الداعون إليه بلا كلل أو ملل رعب احتمال الفشل العمودي، فهبوا إلى التحفظ على المولود تحوطاً، ورفعوا درع أهمية استيفاء شروط مسبقة لنجاح التعويم، أو على الأقل شروط يتم تطبيقها بالتزامن معه. هذا القول صحيح، لكن ذهل الخطاب الحكومي وأربابه عن واجبهم بالتنبيه لأهمية استيفاء هذه الشروط، ولم يذكروا كلمة واحدة عنها أثناء حملة التسويق للتعويم كما كان واجباً، إضافة إلى ذهول الخطاب حتى الآن، بما في ذلك الصندوق، عن ثبات، أو حتى مناقشة إمكانية استيفاء هذه الشروط فوراً، وبالتزامن مع التعويم أو في فترة قصيرة، وعلى يد هذه الحكومة ذات الكفاءة المعروفة، وفي سياق هذه الهشاشة الشاملة والتوازنات السياسية الاقتصادية الحرجة.

وليس في الأمر جديد، فقد تولى صندوق النقد زمام إدارة سياسات الاقتصاد الكلي في نهاية سبعينيات القرن الماضي، حين تم تطبيق الوصفة التي ساهمت في إسقاط نظام النميري، كما طبق نظام الإنقاذ أكثر من عشرة من نفس البرامج التي يراقبها الصندوق منذ 1997 وإلى يوم سقوطه، وكان الافتراض الضمني والصريح أحياناً أن تحسين التطبيق والإخلاص فيه سيأتي بنتائج مختلفة. وهذا يعني أن التبرير جاهز في حالة فشل التعويم، وهو أن الفكرة صحيحة، لكن لم تطبق بشكل سليم، بعدم استيفاء شروط نجاحها، والحل هو التطبيق الصحيح لجرعة أعلى من نفس الوصفة في الجولة القادمة من التاريخ الدائري للاقتصاد السوداني، ليدخل الشعب نفس المسلخ مرة أخرى.

كثيرًا ما شبه مفكرون الأيديولوجية النيوليبرالية بالأصولية الدينية، فكلاهما يجنح للتبسيط المخل الذي يناسب الكسل الذهني، وكلاهما يعملان كمعتقدات دينية دوغمائية لا تأبه ببراهين أو أدلة أو حقائق أو منطق. إذ لا يقوم المؤمنون بالنيوليبرالية والأصولية الدينية أبدًا بمراجعة أو إعادة النظر في موقفهم استنادًا على الأدلة ونتائج التطبيق أو الحقائق التجريبية، فديدنهم تجريب المجرب بوتيرة راتبة والتسويق بأن النتيجة سوف تأتي مختلفة كل مرة، وهذا ضرب من الجنون في ميزان آينشتاين.

ما العمل؟

حين جادلنا صانع القرار الحكومي في قضايا سياسات سعر الصرف كثيرًا ما سأل المعلقون: ما العمل؟ ما هو الحل؟ وهذا سؤال مشروع ومفهوم ومهم يأتي صادقاً مرات، وأحياناً يأتي بخبث لتسويق أسطورة عدم وجود بديل لخيارات الحكومة التي يتم تصويرها بحسن نية أو غير ذلك، على أنها على قسوتها تظل ليس فقط الخيار الوحيد المتاح، بل الخيار الأمثل. بداية نذكر بأننا رددنا كثيرًا، أن وجود سعري صرف وفجوة واسعة بينهما هو مشكلة حقيقية واجبة الحل.

وفي هذا نتفق مع خطاب الحكومة، ولكن الاتفاق على وجود مشكلة لا يعني الاتفاق حول كيفية تجاوزها، فمن الحلول الجزافية ما قتل. وقد طرحنا الخيار أدناه للرأي العام سابقاً، مراراً وتكراراً، قبل التوجه الجديد بفترة طويلة، لذلك لا يمكن وصفه بأنه يأتي متأخراً. في معالم الخروج من الأزمة، اقترحنا أنه يجب أن يعي صانع السياسة الأهمية الحاسمة لترتيب وتعاقبية خطوات الإصلاح، بصورة منظمة، ومدروسة، حتى لا يتم نحر الاقتصاد ببدء الإصلاح من حلقة النهاية، قفزاً على الخطوات الأولى التي لا غنى عنها.
القضية الأهم في المرحلة الأولى: قبل جذب تحويلات المغتربين عبر البنوك الرسمية، هي إيقاف انهيار سعر الصرف، وتنظيم سوق العملات الأجنبية وتقنينه. يبدأ حل مشاكل سوق العملات الأجنبية بالسيطرة على عجز الموازنة، والفطام عن الإفراط في طباعة العملة كشروط لازمة لاحتواء التضخم.

عجز الموازنة هو الفرق بين إيرادات الحكومة وصرفها. لذلك يمكن احتواؤه بتقليل الصرف الحكومي غير المنتج على الأجهزة الأمنية والبيروقراطية، وعبر ترشيق جهاز الدولة المترهل على مستوياته الفيدرالية والولائية. وأيضاً يتم تجسير العجز بزيادة الإيرادات عن طريق الضرائب التصاعدية على الدخول والأرباح العالية بما لا يثبط الإنتاج، ولا على حساب المواطن العادي، وعن طريق إنهاء التهرب الضريبي والجمركي والإعفاءات، وعن طريق تفعيل ولاية وزارة المالية على المال العام الذي يشمل مداخيل شركات الأمن والجيش، والدعم السريع، بما أنه جزء من المؤسسة العسكرية، إضافة إلى تعظيم العوائد الجليلة على أنشطة التعدين والأنشطة الاستخراجية.

وبعد أن تتم السيطرة على التضخم، وتهدأ نيرانه لفترة معتبرة، يبدأ العمل على سعر الصرف الرسمي بـتخفيضه لردم الهوة بينه وبين سعر السوق الأسود إلى أن تختفي. وبعد ذلك يتم تبني نظام سعر صرف من نوع الربط الزاحف ينتج عنه استقرار، ولكنه في نفس الوقت يوفر ما يكفي من المرونة لتعديل السعر متى ما تغيرت مؤشرات كمية محددة في بيانات الاقتصاد الكلي مثل: الميزان التجاري، وميزان المدفوعات، ومستوى احتياطي العملات الأجنبية مع البنك المركزي وفروق التضخم مع الشركاء التجاريين والمنافسين في الأسواق العالمية.

وحين تنحسر الهوة بين أسعار الصرف، يتم إلزام كل المصدرين بتسليم البنك المركزي حصة معتبرة من عائدات العملة الأجنبية الناجمة عن النشاط التصديري، واستعمال ما تبقى منه في تمويل استيراد أغراض يحددها البنك المركزي، بناءً على أهميتها، ومشروعيتها الوطنية. ولن يكون ذلك صعباً، ولا قاسياً على المصدرين، لعدم وجود فرق يعتد به بين سعر رسمي وآخر أسود، لذلك لن تتضرر هوامش أرباحهم كثيراً. وفي جانب الواردات، تُفْرَض جمارك تصاعدية على السلع الكمالية، تزداد نسبتها مع ارتفاع درجة رفاهية السلعة، وكل ما ضاقت الشريحة الاجتماعية التي تستهلكها، ويتم أيضاً إعفاء السلع الأساسية، مثل الغذاء الأساسي، والدواء، ومدخلات الإنتاج.

هذا المنطق أعلاه يقر بأن تعدد أسعار الصرف مشكلة أساسية، واجبة الحل. ولكن الشيطان في تفاصيل الحل، وفي المدى الزمني للتحول، وهل يأتي متدرجاً بصورة مدروسة، وحسب معالم كمية في مؤشرات الاقتصاد الكلي، أم يأتي في جرعة علاج كيميائي واحدة شديدة الكثافة، قد لا يحتملها جسد الاقتصاد المنهك؟ نرى أن الحل الحكومي قد وضع العربة أمام الحصان، وأدخل رأسه في عادم العربة، حين اتجه نحو “تعويم” الجنيه قبل توفير شروط التعويم الناجح المذكورة أعلاه، وأولها وأهمها إنهاء هيمنة تمويل الصرف الحكومي بطبع العملة، بما يغذي نيران التضخم. وهناك اقتصاديون معروفون يرون أن الحل الأمثل للمرض السوداني، هو نقيض التعويم، وينصحون بتبني أشد أنواع تثبيت سعر الصرف الرسمي.

على سبيل المثال، ذهب بروفيسور ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد بجامعة جون هوبكنز الأمريكية، إلى أن الحل الوحيد لمشكلة الانهيار المتفاقم لسعر الصرف في السودان، هو تبني مجلس عملة – وهو نظام سعر صرف يلزم الحكومة بالقانون بصرف/تحويل/بيع/شراء العملة الأجنبية للمواطن والمستثمر الأجنبي عند الطلب وبلا تأخير وبسعر صرف معلن وثابت لا يتغير. هذا النظام يقيد طباعة الحكومة للعملة الوطنية، إلا بعد توفير احتياطي يعادلها من النقد الأجنبي في البداية – يمكن تخفيفه لاحقاً – لأن القانون يلزمها بأن تبيع لأي مواطن، أو مستثمر أجنبي، الدولار بسعر ثابت عند الطلب، وهذا يتطلب أن يكون جل العملة الوطنية الدائرة في الاقتصاد مدعومة بمكون أجنبي جاهز في خزائن البنك المركزي.

البروفيسور ستيف هانكي، حسب سيرته في ويكيبيديا، أيضاً زميل أول ومدير مشروع العملات المضطربة في معهد كاتو في واشنطن العاصمة، والمدير المشارك لمعهد جامعة جونز هوبكنز للاقتصاد التطبيقي والصحة العالمية ودراسة الأعمال. اشتهر هانكي بعمله في إصلاح نظم العملات في بلدان الأسواق الناشئة، ألبانيا، الأرجنتين، بلغاريا، البوسنة والهرسك، الإكوادور، إستونيا، إندونيسيا، جامايكا، كازاخستان، ليتوانيا، مونتي نيغرو، روسيا، فنزويلا، ويوغوسلافيا. وكان أحد كبار الاقتصاديين في مجلس مستشاري الرئيس رونالد ريغان، وعمل مستشارًا لرؤساء دول في أنحاء آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا والشرق الأوسط. وهو معروف أيضًا بعمله النظري والتطبيقي الرائد في مجالس إدارة العملات، والدولرة، والتضخم المفرط، وتحليل تكلفة الفوائد، والخصخصة، وغيرها من الموضوعات في الاقتصاد التطبيقي.

لاحظ أن مجلس العملة هو العكس، بل النقيض المطلق، لتعويم الجنيه. وحتى لو تحفظت الحكومة عليه كحل، إلا أنه كان بإمكانها تبني نظام مثل الربط الزحف كخطوة أولى، بما أنه يحقق استقراراً في قيمة سعر الصرف – مشروط بسياسات نقدية، ومالية، متسقة، وداعمة – ويوفر مرونة لصانع القرار، ويعفيه من مشقة الالتزام بتوفير عملات أجنبية، تساوي نسبة عالية مما طبعته، وما ستطبعه من عملة محلية.

وبعد صدور قرار تطبيق نظام الصرف الجديد، غرد البروفيسور هانكي مرة أخرى، وقال: “في حركة موهومة، خفض السودان عملته. هذا لن يساعد في الخروج من الأزمة الاقتصادية في السودان – أي فوائد قصيرة الأجل ستختفي بسبب التضخم”. وهذا ما رددناه بلا كلل، أن الشرط اللازم لأي إصلاح اقتصادي هو لجم جماح التضخم أولاً وكأولوية قصوى. بعد ذلك غرد هانكي مرة أخرى أن “سياسة التعويم (المرن) المدار لن تنجح أبدًا، وأن ما يحتاجه السودان هو مجلس عملة مثل الذي ساد في فترة 1957 – 1960.”

إذن، تحفظنا على نهج الحكومة لا يتعلق بهدف توحيد سعر الصرف. أي مفكر اقتصادي جاد لن يجادل في أهمية هذا الهدف، ولكن الخلاف يكون في تفاصيل الرحلة، وسرعتها، وفي كيفية مقاربة الهدف، والوصول إليه، وكما نبهنا فإن درب الآلام الذي سلكته الحكومة، حظه ضعيف في تحقيق الهدف المعلن، وشحيم في زيادة أوجاع ما تبقى من الطبقات الوسطى والدنيا.

في الختام، نلتزم بما لا يلزم في ظرف ثقافي عادي، ونجد أنه لا مفر من تكرار ما كان يجب أن يكون واضحًا طوال الوقت، وهو أن الهدف من فحصنا النقدي للسياسة الاقتصادية لا يأتي من رغبة في تثبيط عزيمة الحكومة أو اكتشاف عيوبها المتوفرة بكثرة في كل ملف، وذلك إدراكاً لأن في نجاح السياسة الاقتصادية عبور السودان إلى بر آمن. بدلاً من ذلك، هدف الفحص النقدي هو التأكيد على أنه لإدارة الاقتصاد بفعالية، تحتاج الحكومة أولاً إلى امتلاك وعي واضح بـآلياته وطرق عملها. لا يستطيع أحد حل مشكلة لا يفهمها، ولا يستطيع أن يدير أوضاعاً من عتمة تعقيدها تستعصي على قدراته التحليلية.

شرط البداية اللازم للتعافي الاقتصادي هو توفر صانع السياسة على فهم واقعي واضح وصادق عن كيفية عمل الاقتصاد السوادني وعمل أسواقه المختلفة، ولسوء الحظ، فإن هذا الفهم يتطلب مهارات تحليلية وازنة ومقدرة على مقاربة الواقع بـالتفكير الأصيل الذي لا يحفظ المراجع عن ظهر قلب، وإنما يهتدي بها نقدياً لتحليل واقع سوداني فريد لا يشبه غيره، ولا توجد وصفاته في كتاب يُحْفَظ ويُخزن فِي الذاكرة، وَيُسمَّع لاحقاً من كرسي الحكم بثقة تتوسل عبء الإنسان الأبيض في إخراج الشعوب من ظلامها الذاتي إلى نور الحداثة النيولبرالية.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال