‫الرئيسية‬ اقتصاد نظام سعر الصرف الجديد: مآزق التصميم والتوقيت (2)
اقتصاد - دراسات - مقالات - 13 مارس 2021

نظام سعر الصرف الجديد: مآزق التصميم والتوقيت (2)

في طبيعة نظام الصرف الجديد:

في 21 فبراير 2021، أعلنت الحكومة الانتقال إلى نظام سعر صرف جديد، (375) جنيهاً للدولار بدلاً عن (55) جنيهاً، السعر الرسمي السابق. تضاربت الآراء -وما زالت- حول طبيعة النظام الجديد، وهل هو تعويم حر أم مرن مدار؟! أم شيء آخر؟! ولم تنحصر الحيرة على المعلقين، إذ إن الخطاب الرسمي أيضاً ظل مرتبكاً ومربكاً فيما يختص بالتصنيف الصحيح للنظام الجديد، إما عن ضبابية تفكير صاحب القرار، أو عن شيء في نفس يعقوب. ولا جديد في هذا الارتباك متعمداً كان أم غيره، فقد عهدناه في خطاب النظام السابق كلما أتى بسياسة جديدة، مثل ما حدث في نوفمبر 2016، وبعده وقبله من التواريخ.

تعريف التعويم الحر:

هو تحرير سعر الصرف وتركه لقوى العرض والطلب في السوق لتحدد مستواه من غير تدخل من قبل الحكومة في تحديد هذا السعر، ولا يتدخل البنك المركزي بـأي شكل من الأشكال في سوق النقد إلا نادراً، وبأدوات سوق تستهدف تأثيراً محدوداً في سعر الصرف لا تحديد مستواه أو مساره، وإنما فقط للحد من إفراط تقلباته العابرة.

وفي نظام التعويم (المرن) المدار/الموجه، يراقب ويتدخل البنك المركزي للتأثير على سعر الصرف بأدوات مختلفة، مثل: ضخ عملة أجنبية، أو رفع سعر الفائدة لاحتواء أي علو أو هبوط غير مرغوب فيه في أسعار العملات الأجنبية. ولكن لا يأتي هذا التدخل لتحقيق مسار أو هدف محدد سلفاً لسعر الصرف.

نسارع هنا لملاحظة أن الحكومة السودانية لا تملك رصيداً من احتياطي عملات أجنبية، أو أي أدوات أخرى ذات مصداقية، للدفاع عن السعر أو تحقيق تأثير مستهدف، كما لا تملك أي حيز لاستعمال سياسة سعر الفائدة، إضافة إلى انفصال السودان عن أسواق المال العالمية.

إذن، يتضح أن النظام الجديد لا يمكن وسمه بالتعويم (الحر)، ويصعب تصنيفه كتعويم (مرن) مدار، لغياب كل أدوات الإدارة المطلوبة. فما هو إذن هذا النظام الجديد؟!

حسب النظام الجديد المعلن، يحدد البنك المركزي سعراً تأشيرياً يومياً، ويتعين على البنوك ومكاتب الصرافة التداول في حدود أعلى أو أدنى من هذا السعر بنسبة (5%). كما حدد البنك المركزي هامش ربح بين أسعار الشراء والبيع لا يزيد عن (0.5%). وبما أن السعر التأشيري الجديد (375) جنيهاً (تم رفعه إلى 378 بعد أسبوع)، يتراوح نطاق التداول القانوني بين (394) و(356) جنيهاً للدولار، ويمكن للبنك لاحقاً أن يغير السعر التأشيري أو حدود النطاق.

هذا النظام المختار أقرب إلى سعر الصرف المربوط ضمن نطاق تقلب زاحف. يتحدد سعر العملة في هذا النظام ضمن هوامش (نطاق) للتقلب حول السعر المركزي. ومن الواضح أن البنك المركزي يحتفظ بحق تعديل السعر المركزي و/أو هوامش التقلب استجابة للتغيرات في المؤشرات الكمية للاقتصاد الكلي أو حسب طلب المانحين ومؤسساتهم.

وفي غياب أدوات فعالة للتدخل في السوق للتأثير على العرض والطلب للحفاظ على السعر في حدود النطاق المعلن (375 جنيهاً +/- 5%)، بدلاً عن الفرمانات الإدارية يكون النظام عملياً أقرب إلى التعويم، إذا ما قرر البنك المركزي أولوية مطاردة السوق الأسود بـتعديل السعر التأشيري باستمرار لمجاراة ذلك السوق المتمرس.

أما إذا عادت الحكومة إلى تثبيت سعرها التأشيري في مستوى دون سعر السوق الأسود المتغير دائماً، فإن النظام الجديد يكون هو نفس نظام معتز موسى القديم، ويكون كل ما حدث هو تخفيض السعر الرسمي من (55) جنيهاً إلى (375) جنيهاً، وما بعدهما من الأسعار في إطار يهيمن فيه سعر السوق الأسود على السعر التأشيري.

وفي هذه الحالة لا يتم توحيد أسعار الصرف، ولا يحدث أي تغيير في هيمنة السوق الأسود، ولا في طبيعة وديناميات سوق الصرف، وتكون الأوضاع قد عادت إلى سياسة السعر التأشيري التي أتى بها النظام السابق، وهزمها السوق الأسود في لمحة عين.

ولا جديد في نظام الصرف الجديد، فهو إعادة إخراج لسياسات النظام السابق. ففي 18 يناير 2018 أصدر بنك السودان المركزي منشور إدارة السياسات رقم (5/2018) الذي جاء فيه: “اعتباراً من يوم الأحد الموافق 21/يناير/2018م، وفي إطار سياسة سعر الصرف المرن المدار، سيقوم بنك السودان المركزي باحتساب السعر التأشيري، وذلك باستيعاب حافز استقطاب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، وتشجيع الصادرات في السعر التأشيري والأسعار المعلنة للبيع والشراء بواسطة بنك السودان المركزي والمصارف وشركات الصرافة. ثالثاً: سيقوم بنك السودان المركزي بإعلان السعر التأشيري المحتسب والنطاقات حوله يومياً على موقع بنك السودان المركزي.”

إذا كان هذا هو الحال، فلماذا سوق الخطاب الحكومي النظام الجديد كتحرير في شكل تعويم أو تعويم مدار، رغم أنه أقرب إلى الربط ضمن نطاق تقلب؟! على كل حال نجح الصخب في التغطية على أعظم تخفيض سعر صرف في تاريخ السودان بنسبة (582%)، كما نجح الإخراج في ألا ينتبه الرأي العام إلى أن النظام الجديد نفسه قد جربه النظام السابق في 2018، وتبني ملامح منه قبل ذلك في 2016 على سبيل المثال. وأيضاً أتاح الإخراج للحكومة التظاهر بأحداث قطيعة مع فكر وممارسات النظام السابق، وكأنها تبنت نهجاً جديداً أكثر واقعية للإدارة الاقتصادية.

مرونة النظام الجديد والسوق الأسود للعملة:

يشدد الخطاب الحكومي ومؤيدوه على ضرورة (تعويم) الجنيه بهدف القضاء على السوق الأسود للصرف وتوجيه تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، ولكن في الحقيقة يتضح لأي متابع لمشهد التحويلات أن منافسة البنوك والصرافات لتجار السوق الأسود لن تكون نزهة في حديقة، نسبة إلى التنافسية العالية التي يتمتع بها السوق الأسود والتي لا تقتصر فقط على استعداده لمنح سعر أعلى من سعر البنوك. إضافة إلى تدني تكلفة تشغيل شبكات السوق الأسود مقارنة بالبنوك، نلاحظ سهولة التحويل عبرها مقابل رسوم وتكاليف معاملة متدنية، وسهولة في الإرسال والاستلام، وكل هذه الميزات تشكل عوامل جذب من الصعب على البنوك مجاراتها.

تتجلى عقبات منافسة البنوك للسوق الأسود في ارتفاع تكلفة المعاملة عبر الأخيرة. وتشير تقارير دولية إلى ارتفاع تكلفة إرسال التحويلات بالذات عبر البنوك. يعضض من هذا ما كشفت عنه تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عن ارتفاع تكاليف إرسال التحويلات إلى الدول الفقيرة التي تصل إلى (12%) من المبلغ المحول، وهو ما يزيد بمقدار الثلث عن المتوسط العالمي.

وعلى سبيل المثال في عام 2010 كان من الممكن أن تولد التحويلات المالية المرسلة إلى أفريقيا جنوب الصحراء (6) مليارات دولار إضافية للمستفيدين، إذا كانت تكاليف تحويل الأموال مطابقة للمتوسط العالمي. ويؤكد البنك الدولي أيضاً أن فوائد التحويلات في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط تقل بسبب التكلفة العالية عموماً لإرسال الأموال، والتي تبلغ في المتوسط (7%) عند تحويل مبلغ في حدود (200) دولار، والبنوك هي القناة الأكثر تكلفة لتحويل التحويلات بنسبة (10.9%).

وفي أفريقيا جنوب الصحراء ترتفع تكلفة إرسال الأموال عن متوسط الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وهذه الحقائق لا تعني أن تكاليف التحويل عبر البنوك السودانية بالضرورة ستقارب النسب أعلاه، ولكنها تشير إلى تكلفة ليست زهيدة بالذات إذا ما قارنا البنوك بشبكات السوق الأسود إلى لا تحتاج إلى أكثر من شبكات ثقة بين أصدقاء أو أقارب أو شركاء يملكون هواتف ذكية، عكس البنوك التي تدفع مرتبات لجيوش من الموظفين وتستأجر مباني مكلفة، وتدفع فواتير كهرباء وتشغيل، ومعدات عمل، وتدفع ضرائب.

أضف إلى ذلك أن التحويل عن طريق البنوك يستدعي ذهاب المرسل إلى بنك أو مؤسسة مالية في بلد الإقامة وإبراز أوراق هوية وغيرها من مستندات، وكذلك على المستلم الذهاب إلى البنك في السودان لاستلام التحويل، وكلا المرسل والمستلم يهدر ساعات ومشقة وتكاليف ترحيل من وإلى البنك.

وعلى المستلم التعامل مع موظفي بنوك محبطين، وبعضهم يفتقد الذوق السليم في حين أن التحويل عن طريق السود الأسود لا يستدعي مثل ذلك المجهود، إذ إن الترتيب للمعاملة يتم من خلال اتصالات تلفونية أو رسائل، بعدها يستلم المرسل إليه التحويل في عقر داره، وهذه ميزة مهمة لكبار السن والأميين وسكان القرى التي لا توجد بها بنوك، ويترتب على ذلك أن التعامل عن طريق البنك يستدعي أن يسافر المستلم إلى أقرب مدينة ليعاني من تكاليف الترحيل وفي الصفوف، واحتمال عدم الاستلام في نفس اليوم نظراً لمحدودية أوقات عمل البنك، وغير ذلك من مشاكل البنوك التي عجزت في أمس قريب حتى عن توفير سيولة تتيح للمواطن سحب حر ماله من العملة المحلية. وتمتد المشكلة لتشمل حتى سكان المدن الصغيرة التي تتصف بنوكها بالهزال وضعف الموارد البشرية والمالية والاتصالية.

وفوق ذلك، فإن شبكات السوق الأسود توفر حماية من عيون حكومات مكان إقامة المرسل، وعيون حكومة السودان وعيون رجال الضرائب، وتعقيدات شبهات، وبارانويا تمويل الإرهاب. كما أن شبكات السوق الأسود توفر خدمات طوارئ فعالة بما في ذلك قروض قصيرة الأجل في حال نمو علاقة تعامل وثقة، إذ يتم تحويل المبلغ المطلوب في ساعات، ويسدد المرسل لاحقاً، وربما في فترة سماح قد تمتد.

وكل ما ذكر أعلاه يشير إلى أنه رغم أن جزءاً من التحويلات سيتم إرساله عبر البنوك، إلا أن شبكات تجارة العملة خارج البنوك ستظل موجودة وقوية، لأنها توفر خدمات لن يوفرها البنك، ولأنها سهلة ومريحة، وتكاليفها أقل من كل جوانب المعاملة للمرسل والمستقبل.

وقبل الانتقال إلى نظام الصرف، أعاد خطاب الحكومة أن من أهم فوائد إزالة السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية، أن المغتربين السودانيين سيتمكنون من إرسال تحويلاتهم من العملات الصعبة عبر النظام المصرفي الرسمي، وهذا من شأنه أن يحل مشكلة ندرة النقد الأجنبي بما سيضمن توفير موارد كافية لاستيراد للسلع الأساسية التي نحتاجها، سواء أكانت قمحاً، أو محروقات، أو دواء، أو مدخلات إنتاج.

لا شك أبداً أن حذف السودان من قائمة الإرهاب يعد تطوراً إيجابياً بالغ الأهمية، لكن حجة التحويلات خاطئة لعدة أسباب، منها أن المغتربين السودانيين عبر السنين لم يواجهوا أي مشاكل تذكر في تحويل عملاتهم الصعبة إلى السودان. لطالما كان من السهل جدًا على أي شخص إرسال أي مبلغ من المال إلى السودان لأسباب أسرية أو لشراء شيء ما أو الاستثمار أو أي غرض آخر. ودائماً كانت هناك وسائل فعالة وموثوقة للغاية لتحويل الأموال من خلال قنوات عائلية أو مع الأصدقاء، أو عبر تجار العملة الذين حازوا على ثقة المرسلين الموجودين حول العالم. ولم يكن للعقوبات الأمريكية أي تأثير على قدرة السودانيين على إرسال الأموال إلى وطنهم.

لاحقاً، ركز الخطاب الحكومي على أن أحد أهم مشاكل الاقتصاد السوداني هو عدم مقدرة البنوك على جذب تحويلات المغتربين، لذا وجب تعديل سعر الصرف حتى تستطيع البنوك اجتذاب التحويلات عبر خدمة القطاع الرسمي. وقد صارت تميمة جذب التحويلات كهدف سامٍ -لا يقوم صلاح اقتصادي بدونه- علكة في كل فم يعلق على أحوال الاقتصاد.

ولكن كما ذكرنا أعلاه، فإن السوق الأسود بعد التعديل سيظل دائماً حاضراً، ونضيف إلى ذلك أنه من وجهة نظر الاقتصاد الكلي لا يوجد فرق جوهري بين دخول تحويلات المغتربين عن طريق البنوك، أو عن طريق تجار السوق الأسود. لإيضاح هذه النقطة بداية يجب ملاحظة أن جل تأثير تحويلات المغتربين على الاقتصاد يتسرب عبر ثلاث قنوات: حجم التحويلات، وسعر صرفها، وحزمة الواردات التي تمولها.

فيما يختص بالسعر فقد تم حسم الأمر، فـالتحويلات ستعامل في البنوك بسعر أقرب لسعر العرض والطلب، أو ما يقارب سعر السوق الأسود/السوق الموازي، (أما إن أصرت الحكومة على فرض سعر صرف ينحرف عن سعر السوق بفرمان إداري، فهذا يعني أن نظام الصرف القديم لم يتغير).

وكذلك في ظل النظام الجديد لن يتغير حجم التحويلات، والسبب في ذلك بسيط جداً، وهو أن أي مغترب في الماضي أراد أن يحول عملة أجنبية للسودان لم تقابله عقبة إطلاقاً، ولم يعانِ من غياب البنوك عن المشهد. أسهل الأمور كان -وما زال- هو تحويل أي مبلغ إلى داخل السودان من أي مكان في العالم عبر شبكات السوق الأسود، وهذا يعني أن دخول البنوك في المنافسة على التحويلات لن يزيد حجمها، لأنه لا يوجد مغترب عجز عن التحويل سابقاً ليغريه دخول البنوك في الملعب.

كل الذي يترتب على السماح للبنوك بالتعامل بسعر السوق الأسود، هو دخول بعض التحويلات عن طريق البنوك بدلاً عن السوق الأسود القديم، ولكن يظل مجموع التحويلات على مستواه ومساره القديم، فما دخل عن طريق البنوك خرج من قنوات السوق الأسود، ولو حدث أي تغير مهم في حجم التحويلات فسيكون نتيجة لأسباب أخرى لا علاقة لها بدخول البنوك في المنافسة عليها.

في الماضي، كان السوق الأسود يشتري تحويلات المغتربين ليبيعها للمستوردين بما في ذلك الحكومة، وبعد النظام الجديد ستقوم البنوك بنفس التوسط الذي كان يقوم به السوق الأسود بين المغتربين والمستوردين، ولكن لن يترتب على ذلك تغيير ملموس في مسار الاقتصاد فيما يتعلق بـالأسعار والإنتاج والعمالة.

لاحظ أنه إضافة إلى أن سعر الصرف التأشيري سيحدده ويراجعه بنك السودان، فإن الحكومة ستواصل السيطرة على كيفية تخصيص واستخدام كل المتوفر من العملات الأجنبية فيما يتعلق بمن يحصل عليها ولأي غرض، وما هي السلع المسموح باستيرادها بها؟! وهذا يعني استمرار وجود طلب آخر على العملات الأجنبية لن تتم تلبيته عبر القنوات الرسمية، وسيظل السوق الأسود حاضراً لتلبية هذا الطلب. وتشير التجربة التاريخية إلى أن الحكومة لن تستطيع القضاء على هذا السوق الأسود من خلال الإجراءات القانونية والأمنية، لا سيما أنه يتصف بالرشاقة وسرعة الحركة وحسن المتوقع، كما أن جزءًا كبيراً منه يوجد خارج السودان، في مدن الخليج والمهاجر المختلفة.

وكذلك لن تتغير كثيراً حزمة السلع التي تمولها التحويلات، لأن السوق الأسود سيظل موجوداً وجاهزاً لجذب نسبة منها لتمويل الواردات التي تمنع الحكومة البنوك من تمويلها، مثلاً لأغراض استعمال العملة الأجنبية كمخزن للقيمة، وتهريب الأموال، وتحويل الأرباح، والسفر والسياحة، والعلاج بالخارج، وتجارة الشنطة، واستيراد سلع كمالية. وهذا يعني أيضا أن الحصة المتبقية لاستيراد السلع الأساسية لن تتغير عن مسارها، بما أن مجموع التحويلات لم يتغير، ولم يتغير نصيب الأنشطة الأخرى التي تمولها التحويلات عبر السوق الأسود.

وبما أن دخول البنوك إلى الملعب لن يغير حجم التحويلات، ولن يخفض سعر العملات الأجنبية، ولن يغير حزمة السلع والأغراض التي تمولها التحويلات بـأي صورة معتبرة، فإن تأثير السياسة الجديدة على الاقتصاد الكلي سيكون محدوداً في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، ونعني بذلك محدودية تأثيرها على مستوى الأسعار، والإنتاج، والمداخيل، وخلق فرص العمل.

ولو كانت هذه النقطة عصية فلنضرب مثلاً للإيضاح: تخيل الاقتصاد الوطني كأسرة كبيرة، وهو كذلك لدرجة ما. هذه الأسرة تستلم تحويلاً شهرياً بمبلغ (500) دولار من بنتها المقيمة في عرعر، تبعثه عن طريق تاجر العملة. من ذلك المبلغ تدفع الأسرة (200) دولار للإيجار والماء والكهرباء، و(200) دولار للطعام والمواصلات، و(100) دولار للترفيه والطوارئ. تخيل أنه بعد قرار بنك السودان إياه، قررت البنت الاستغناء عن خدمات تاجر العملة، وبدأت في إرسال مبلغ الـ (500) دولار عن طريق بنك العبور.

لاحظ أن البنت ما زالت ترسل (500) دولار لأنها اختارت ذلك المبلغ سابقاً لأسباب لا علاقة لها بطريقة إرساله إلى الخرطوم، سواء عن طريق بنك أو مع مسافر أو تاجر عملة، فقد اختارت المبلغ بناء على عوامل مثل مستوى دخلها وعدد أطفالها وأهدافها الخاصة، ودرجة كرمها وتقديرها لاحتياجات أهلها في السودان. وهكذا صارت الأسرة تستلم المبلغ من البنك بدلاً عن تاجر العملة، ولكنها ظلت توزعه على قنوات صرفها بنفس النسب أعلاه (200 دولار إيجار وماء وكهرباء، و200 طعام ومواصلات، و100 دولار ترفيه وطوارئ)، لأن بنية صرفها قامت على خيارات تعبر عن احتياجاتها وتفضيلاتها وذائقتها التي لا علاقة لها بطريقة وصول التحويل، فالأسرة يهمها مبلغ التحويل، لا من أتى به.

بعد أن تغيرت قناة توصيل التحويلات للأسرة لتأتي عبر البنوك، هل تغير شيء في اقتصاد الأسرة؟! بالطبع لا، فهي تستلم نفس المبلغ من البنك، بسعر السوق الأسود، وتنفقه على احتياجاتها المختلفة بنفس النسب القديمة، والاقتصاد الوطني كذلك تقريباً.

من الواضح أن انتقال جزء من مال التحويلات للبنوك سيتيح لها فرصاً إضافية للاسترباح على حساب تاجر العملة التقليدي الذي قل نصيبه من كيكة التحويلات. ولكن انتقال بعض من الربح من التاجر إلى البنك لا يعني الكثير من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، ولا للمواطن فيما يخص حياته التي تتأثر فقط بمستوى الأسعار وتوفر الواردات من سلع استهلاكية أو مدخلات إنتاج أو سلع رأسمالية.

أما القول بأن “التعويم” سيحفز المغتربين على فتح حسابات بالعملة الصعبة في البنوك السودانية، فذلك قد لا يحدث في نطاق واسع ومؤثر وبحسابات كبيرة بما أن الثقة في البنوك السودانية ضعيفة، ولم ينس الناس بعد أزمة السيولة، وكذلك الثقة في السياسة الحكومية ضعيفة، تضاف إليها هشاشة الوضع السياسي والأمني. ولا أدري ما الذي يدفع إنساناً مقيماً في السويد أو الإمارات أو مصر – تتاح له بنوك أجنبية راسخة وموثوقة – لأن يحفظ مدخراته بالعملة الأجنبية في بنك سوداني. حتى لو فعل ذلك بعض القوم، فإن أموال حساباتهم ستكون ضعيفة كقطرة في بحر الاقتصاد الكلي، ولن تغير الكثير. وللتأكد من هذه النقطة وفحصها يمكن أن نسأل الوزراء وأعضاء مجلس السيادة وكبار موظفي الدولة القادمين من الخارج: متى سيحولون مدخراتهم في الخارج إلى بنوك سودانية؟!

يمكن القول بأن التحويل عبر البنوك يفيد بما أنها تدفع ضريبة، عكس تجار العملة، ولكن تحقيق هذا الأثر يستدعي مرور نسبة عالية من التحويلات عبر البنوك، ولكن نفس الضرائب تضعف من تنافسية البنوك النسبية تجاه السوق الأسود، وتفترض أن البنوك تدفع ضرائب معتبرة، أضف إلى ذلك، أن حصة عالية من الجهاز المصرفي مملوكة لرأس مال أجنبي نهم، يحول أرباحه إلى الخارج.

تراخي الأمل في تأثير إيجابي على مستوى الاقتصاد الكلي لا يعني نهاية سردية نظام الصرف الجديد. فمن ناحية أخرى ربما برزت واشتعلت منافسة جديدة بين البنوك والسوق الأسود، يترتب عليها ازدياد الطلب على التحويلات ينجم عنه تواصل ارتفاع سعر العملة الأجنبية مقابل الجنيه في سباق مسافات طويلة بين البنوك والسوق الأسود الذي تمرس وقوي عوده في عقود طويلة. وهذا السباق قد يصب بحاراً من الزيت اليومي على نيران التضخم، الشيء الذي يربك الحركة التجارية ويضعف النشاط الإنتاجي والاستثماري والتجاري في القطاعات التي تعجز عن التكيف اليومي السريع مع مستجدات سوق العملة وسعر الصرف المتغير دوماً.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال