‫الرئيسية‬ اقتصاد نظام سعر الصرف الجديد: مآزق التصميم والتوقيت (1)
اقتصاد - دراسات - مقالات - 12 مارس 2021

نظام سعر الصرف الجديد: مآزق التصميم والتوقيت (1)

ملخص:

لا شك أن تعدد أسعار الصرف مشكلة حقيقية أساسية واجبة المعالجة، ولكن الشيطان في تفاصيل المعالجة، وفي مداها الزمني، وترتيب وتعاقبية خطوات الإصلاح. أتي قرار الانتقال إلى سعر صرف أكثر مرونة في توقيت غير موات يوفي غياباً كاملاً لشروط الانتقال الناجح. وغالباً سيدخل السودان تاريخ أدبيات التنمية كحالة فريدة يتم فيها الانتقال في أوضاع ضعف اقتصادي وسياسي شامل. النظام الجديد لا يستوفي شروط التعويم الحر ولا المرن المدار، فهو أقرب إلى نظام ربط ضمن نطاق تقلب زاحف حظه ضعيف في توحيد أسعار الصرف وأوهن في القضاء على السوق الأسود المتمرس. لا يهدف الفحص النقدي للسياسة الاقتصادية إلى تثبيط عزيمة الحكومة أو اكتشاف عيوبها، وإنما التأكيد على أنه لإدارة الاقتصاد بفعالية، يحتاج صانع القرار أولاً إلى امتلاك إدراك واقعي وواضح بـآلياته وطرق عملها وطرق عمل أسواقه المختلفة.

مدخل:

في 21 فبراير 2021 أعلنت الحكومة الانتقال إلى نظام سعر صرف جديد، (375) جنيهاً للدولار بدلاً عن (55) جنيهاً، السعر الرسمي السابق. تضاربت الآراء حول طبيعة النظام الجديد، وهل هو تعويم أم مرن مدار؟! حسب النظام الجديد المعلن، يبدو أن البنك المركزي سيحدد سعراً تأشيرياً يومياً في ظل نظام سماه (تعويم مرن مُدار). ويتعين على البنوك ومكاتب الصرافة التداول في حدود (5٪) أعلى أو أقل من هذا السعر. كما حدد البنك المركزي هامش ربح بين أسعار الشراء والبيع لا يزيد عن (0.5٪). وهذا يشير إلى أن النظام الجديد هو أقرب لنظام صرف مربوط ضمن نطاق تقلب زاحف. وفي ضربة البداية من بنك السودان كان الربط عند (375) جنيهاً للدولار والنطاق هو (+/- 5٪)، والزحف يأتي من مقدرة البنك المركزي على تغيير الربط أو مدى النطاق.

رغم ارتباك الخطاب الحكومي فيما يتعلق باسم النظام الجديد، إلا أن هذا المقال يهدف لنقاش التحول من سعر صرف ثابت إلى نظام أكثر مرونة، وتظل القضايا التحليلية التي يثيرها المقال مناسبة، غض النظر عن طبيعة النظام الجديد الأكثر مرونة، وعما إذا كان تعويماً أم مرناً مداراً أم ربطاً ضمن نطاق تقلب. لذلك تقرأ أي إشارة إلى النظام الجديد كحركة نحو نظام أكثر مرونة، وليس بالضرورة إلى نظام محدد. من الواضح الذي لا جدال فيه أن السياسة الجديدة لم تنبع من إرادة وطنية ولا في سياق خطة اقتصادية متكاملة ومدروسة ومتسقة، بل أتى تحت ضغوط من صندوق النقد والمانحين، ثم استجابت الحكومة لإرضائهم للحصول على دعمهم المشروط الذي رهن تقديم أي دعم بتغيير نظام الصرف ورفع الدعم. وتأتي هذه المشروطية في مسلسل تغول على السيادة الوطنية – بموافقة الحكومة – في أهم ملفات الاقتصاد والسياسة الخارجية. ولهذه الأسباب، فإن في القرار عيباً تكوينياً بما أن سعر الصرف في أي اقتصاد هو أحد أهم ثلاثة أسعار. أما في السودان فهو السعر الأهم وإدارته يجب أن تكون عن دراسة متعمقة، وأن يأتي أي تحول مهم في إطار حزمة كاملة من السياسات المالية والنقدية الداعمة، بدلاً عن أن يأتي حصرياً من أجل جذب دعم خارجي غير مستدام مهما ارتفعت وتيرته في المدى القريب.

شروط الانتقال الناجح إلى نظام سعر صرف مرن في أدبيات الصندوق

نبدأ بعرض أدبيات الصندوق الرسمية فيما يختص بأفضل السبل للتحول من سعر صرف ثابت لنظام أكثر مرونة لإبراز أنه حتى في فقه الصندوق، فإن التحديثات السودانية الأخيرة لا تستوفي الشروط الأساسية لتحول ناجح ومستدام، وهي أقرب إلى قفزة في ظلام. أكد المجلس التنفيذي للصندوق عدم أفضلية أحد أنظمة سعر الصرف على الأنظمة الأخرى، وشدد على أهمية سياسات اقتصاد كلي سليمة ومتسقة لحماية أي نوع من الأنظمة تختاره الدولة المعنية، ثابتًا كان أو معوماً أو ما بينهما، وتشمل هذه السياسات الانضباط المالي، ومصداقية السياسة النقدية، والقطاع المالي المعافى.

وتشير أدبيات الصندوق إلى أن العبور الناجح يحتاج بشكل عام إلى استيفاء شروط مهمة منها

– سوق صرف أجنبي عميق وسائل (من السيولة). وهذا الشرط لا يتوفر في السودان، فسوق الصرف الذي يهيمن عليه السوق الأسود غير متماسك ويتمتع بدرجة من الفوضى والتشظي داخل السودان وبين مدن الخليج ومدن الغرب والمهاجر المختلفة، حيثما وجد السودانيون. –  أيضاً يتطلب نجاح الانتقال امتلاك البنك المركزي لأدوات تدخل فعالة ومتماسكة في سوق الصرف، تتيح له التدخل للتأثير في الاتجاه المطلوب مثلاً بضخ عملات أجنبية لتهدئته عند اللزوم، وتوجيه التوقعات بغرض تخفيف الضغوط.

وتشمل أدوات التدخل التقليدية أيضاً أسعار الفائدة التي يمكن تحريكها للتأثير على سعر الصرف. من الواضح أن هذه الأدوات لا تتوفر للبنك المركزي بما يتيح له إدارة نظام بأدوات اقتصادية وليست إدارية. وغياب هذه الأدوات يعني أن النظام الذي اختارته الحكومة عملياً سيكون أقرب إلى التعويم الحر في حال سيادة المرونة التي تعني أن يطارد السعر/النطاق الرسمي سعر السوق الأسود بصورة أسبوعية، إن لم تكن يومية، وأن عجز عن ذلك تنتفي خاصية المرونة ونعود إلى نفس نظام الصرف القديم الذي يتسم بوجود سعر رسمي تم تخفيضه عن (55) جنيهاً، ولكن تخطاه السعر الحر ليفرض السوق الأسود هيمنته مرة أخرى بأسعار أعلى.

–  يحتاج الانتقال الناجح أيضاً إلى أنظمة مناسبة لإدارة مخاطر تقلبات سعر الصرف في القطاعين العام والخاص، إذ يؤدي الانتقال إلى سعر أكثر مرونة إلى ضغوط على مؤسسات القطاع العام والخاص التي لديها التزامات بالعملات الأجنبية. لدعم الانتقال لنظام أكثر مرونة من المهم تطوير أنظمة لإدارة مخاطر الصرف الأجنبي مبكراً، وبناء القدرات والسلطات الإشرافية لتنظيم المخاطر ومراقبتها. وتشمل القدرات المطلوبة أنظمة المعلومات لرصد المخاطر والأساليب التحليلية لقياس مخاطر تقلبات سعر الصرف ومراقبة وتقييد القروض والالتزامات بالعملات الأجنبية.

ومن الواضح أنه لا يوجد حالياً نظام لرصد المخاطر وإدارتها بفعالية. كما تشير تقارير الصندوق إلى أن التعويم يهدد تسعة بنوك بالانهيار. فقد ورد في أحد تقاريره في عام 2020 إلى أن نتائج الاختبارات تشير إلى أن تسعة بنوك (اثنان منهما بأهمية حاسمة لكامل النظام) قابلة للعطب (الإفلاس/التعسر) في حال تخفيض سعر الصرف.

–  تذكر أدبيات الصندوق أيضاً أن من أهم متطلبات الخروج من سعر الصرف الثابت إلى نظام أكثر مرونة اعتماد ركيزة اسمية بديلة وذات مصداقية في سياق إطار جديد للسياسة النقدية. قليل من الدول يمكنها تطبيق أنظمة مرنة دون وجود ركيزة اسمية رسمية، مثل: منطقة اليورو، وسويسرا، والولايات المتحدة، وسنغافورة، فتلك الدول راكمت رصيداً عالياً من المصداقية اللازمة للحفاظ على استقرار الأسعار بدون ركيزة رسمية. ولكن في البلدان التي عانت من تاريخ من التضخم المرتفع يكتسب وجود ركيزة اسمية بديلة أهمية خاصة.

وقد نشأ توافق آراء واسع على أن استهداف التضخم هو أفضل ركيزة اسمية موثوقة وفعالة. في هذه الحالة تعلن السطات في بداية العام معدل تضخم مستهدف (أقل 3 في المائة أو أي نسبة أخرى)، وتنجح في تحقيقيه سنة بعد أخرى بما يدعم من مصداقيتها والتزامها بحماية نظام الصرف المرن بسياسات اقتصاد كلي متسقة وداعمة.

الركيزة الاسمية للسياسة النقدية هي متغير أو أداة يستخدمها البنك المركزي لحصر وتحديد التوقعات التي يكونها القطاع الخاص عن مستوى الأسعار أو مسارها، أو حول ما قد يفعله البنك فيما يتعلق بتحقيق هذا المسار. تنبع أهمية التوقعات من قدرتها على تحقيق نفسها حتى في غياب أسباب أخرى لحدوث التضخم بالمستوى المعين، بمعنى حدوث التضخم فقط، لأن السوق توقع حدوثه أو وقوعه بنسبة أعلى مما تستدعيه العوامل الاقتصادية الحقيقية الأخرى بإضافة مساهمة التوقعات.

وكما هو معلوم، فإن التضخم يلتهم الدخل الحقيقي للمواطن، وبالذات الطبقات الدنيا، وأيضاً يثبط الاستثمار، لأن المستثمر المحتمل يعجز عن التنبؤ بـتكاليفه ومبيعاته وأرباحه المحتملة. وفي غياب درجة من اليقين عن مسار الأسعار تصبح الأنشطة التجارية والمضاربات أكثر ربحية من الإنتاج الصناعي والزراعي، وبالتالي يحدث إضعاف مطلق أو نسبي لهذه القطاعات الإنتاجية ذات الأهمية الحاسمة لأي تحول تنموي حقيقي.

تساعد الركيزة الاسمية على تعزيز استقرار الأسعار من خلال ربط توقعات التضخم، ورفع مصداقية السياسة، وإجبار الحكومة على الانضباط المالي وتقييد سلطتها التقديرية في تنفيذ سياسات لتحقيق أهداف قصيرة المدى، لكن تكون عواقبها السلبية على الاقتصاد أكثر كلفة وضرراً في المدى الطويل (مثل رب رب).

لا يمكن إنشاء ركيزة اسمية بدلاً عن سعر الصرف الثابت بين عشية وضحاها، ولكنه يتطلب إعدادًا مثابراً في إطار سياسة نقدية موثوق بها تتماشى مع نظام سعر الصرف الجديد، بما في ذلك منح الأولوية لاستقرار الأسعار، وسيادة ذلك الهدف على الأهداف المنافسة مثل تمويل عجز الموازنة أو زيادة الصرف الحكومي.
ومن المهم أيضاً استقلالية البنك المركزي وتفويضه لمتابعة نسبة التضخم المستهدف والمعلن عنه باعتباره الهدف الأعلى للسياسة النقدية، وبناء قدراته على التنبؤ بالتضخم واتخاذ إجراءات كفيلة بالحفاظ على استقرار الأسعار.

كما يستدعي نجاح البديل ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة وإجراء وتقييم السياسة النقدية. ويتطلب العبور أيضاً سياسة مالية داعمة لا تغذي التضخم، وأيضاً قطاع مالي منظم مراقب ومُدار جيدًا من قبل البنك المركزي حتى تتسق سياساته الائتمانية مع المحافظة على استقرار الأسعار وسوق الصرف.

–  تشير أدبيات الصندوق الرسمية أيضاً إلى الأهمية الحاسمة لإدارة توقعات سوق الصرف الأجنبي، وضرورة ضمان وجود مخاطر في اتجاهين صعوداً وهبوطاً للأسعار. عدم اليقين بشأن مستوى وتقلبات سعر الصرف والسياسات الاقتصادية عموماً، في ظل النظام المرن من طبيعته أن يزعزع التوقعات، ومن الممكن أن يؤدي ارتفاع التضخم وعدم اليقين بشأن الإيرادات المالية ونمو الناتج المحلي الإجمالي، إلى إثارة الشكوك حول مصداقية سياسات الاقتصاد الكلي، وحول السياسة النقدية وسعر الصرف الجديد.

لنجاح سعر الصرف المرن من الضروري وجود مخاطر في الاتجاهين، أي أن تشمل التوقعات ارتفاع أو انخفاض سعر الصرف لتجنب إيمان السوق بـأن سعر الصرف يتحرك في اتجاه واحد فقط، الشيء الذي يخلق حوافز للمضاربة، ويشجع ويضخم توقعات عن المستقبل تفاقم الضغوط على سعر الصرف في الحاضر وما بعده.

– يقول الصندوق أيضاً بأن أفضل الأوقات للانتقال إلى مزيد من المرونة في أسعار الصرف، هو أثناء فترة هدوء نسبي في أسواق الصرف، أو عندما تكون هناك ضغوط ترفع قيمة العملة الوطنية، كما يعتبر درجة التطور المؤسسي والسوقي محددًا رئيسيًا للوتيرة المناسبة للخروج إلى النظام المرن. كما أن مرونة سعر الصرف مرغوبة أكثر في البلدان المندمجة لحد كبير في أسواق المال العالمية، وأن فوائد المرونة تزداد مع مستوى التنمية الاقتصادية والمؤسسية. وهذا يعني أن مخاطر التعويم تزداد (وفوائده المحتملة تتناقص) في الدول التي تفتقد القدرات المؤسسية، وتفتقد الانضباط المالي الذي يتمظهر في عجوزات مزمنة وكبيرة في الموازنة، يتم تمويلها بالعجز (طبع الكاش كما هو الحال في السودان).

يتضح مما ذكر أعلاه أن توقيت الانتقال إلى سعر صرف مرن في السودان هو الأسوأ، على العكس من مستحقات الانتقال الناجح، يعاني السودان من معدل تضخم فاق على أساس شهري (300) في المائة، وعجز هائل في الموازنة يتم تمويله بطباعة العملة، وأيضاً توجد شبهات حول طباعة واسعة للعملة غير المسجلة وخارج دفاتر الحكومة. كما يعاني البنك المركزي من احتياطٍ يقارب الصفر من العملات الأجنبية. أضف إلى ذلك جموح وانفلات سوق الصرف. أضف إلى ذلك جموح وانفلات سوق الصرف، وأن كل الضغوط التي تعرض لها سعر الصرف في السنين الأخيرة كانت في اتجاه تخفيض قيمة العملة السودانية لا رفعها، وهذا نقيض لملاحظة الصندوق أن أفضل الأوقات للانتقال لنظام مرن هي حالات هدوء سوق العملة و/أو اتجاه قيمة العملة الوطنية نحو الارتفاع.

يمكن أن نستنتج بسهولة أنه بناءً على أدبيات الصندوق الرسمية والمنشورة، فإن السودان قرر أو تم دفعه للانتقال في أسوأ ظرف اقتصادي-سياسي ممكن، ساد فيه التضخم وضعف أوضاع الاقتصاد الكلي، وسيادة التوقعات أحادية الاتجاه، وغياب الركيزة الاسمية، وضعف الاندماج في الاقتصاد العالمي، وبدائية نظم إدارة مخاطر سوق الصرف، وضعف المقدرات على التنبؤ بالتضخم، ما يمكن تقييمه من تنبؤ موازنة 2020 بمعدل تضخم في حدود (30) في المائة، ولكن بنهاية العام كان معدل التضخم الرسمي (148) في المائة، وهذا يعني أن المعدل المتحقق للتضخم بلغ خمسة أضعاف ما توقعه صانع القرار رغم رفع الدعم الذي تم تطبيقه في نفس العام.

ويؤكد الصندوق أنه يمكن لسوء ظروف الاقتصاد الكلي والافتقار إلى المؤسسات، أن تساهم في إفشال محاولات التعويم، كما حدث في دول كثيرة منها فنزويلا في بداية الألفية، إذ ساهمت الهيمنة المالية وعدم الاستقرار السياسي وتنامي الضغوط التضخمية، في فشل التعويم، وأيضاً في روسيا في بداية تسعينيات القرن الماضي حين فشل التعويم لأسباب شبيهة.

وغالباً سيدخل السودان تاريخ أدبيات التنمية كحالة فريدة تم فيها الانتقال إلى نظام صرف أكثر مرونة في ظروف ضعف اقتصادي وسياسي شامل، ولا أشك أن الصندوق وخبراء التنمية يتشوقون لرؤية ما ستنتهي عليه هذه التجربة الفريدة التي يتمدد فيها السودان كفأر تجارب (خنزير غينيا) لاختبار وصفة الانتقال في وضع متصدع ومترنح.

كان الهدف من عرض فقه الصندوق عن شروط الانتقال الناجح إلى سعر صرف أكثر مرونة، هو تسليط الضوء على أنه حتى لو تبنينا منطق الصندوق، (وهو معقول ومناسب)، في كيفية إدارة العملة الوطنية يظل الانتقال هو القرار الخطأ، في التوقيت الخطأ، للأسباب الخطأ، بالتسلسل المقلوب، وفي ظل أوضاع اقتصاد كلي معاكسة تماماً، وهو ما وصفناه سابقاً بوضع العربة أمام الحصان، وإدخال رأسه في عادمها. بعد عرض فقه الصندوق النظري في شروط الانتقال الناجح، نتناول في الإجراء القادمة بصورة تحليلية جوانب من السياسة الجديدة ومآلاتها في سياق المتعين السوداني.

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال