‫الرئيسية‬ مقالات عبدالرحيم دقلو .. العشاء الأخير، أم خميس الأسرار؟!
مقالات - 9 مارس 2021

عبدالرحيم دقلو .. العشاء الأخير، أم خميس الأسرار؟!

حتى لا تنطمس حقيقة تفاصيل الساعات الأخيرة لرحيل الدكتاتور، كما انطمست المعالم الأصيلة لجدارية (العشاء الأخير) لدافنشي بكثرة الترميمات. تلك الجدارية القابعة في كنيسة (سانتا ماريا ديلي غراسي)، والتي وثقت لأكثر اللحظات الدرامية في قصة السيد المسيح، أثناء عشائه الأخير، وحوله حوارييه الإثني عشر، قبل اعتقاله، ومن ثم صلبه، وفق ما تقول به الرواية المسيحية. أقول: حتى لا تنطمس تفاصيل تلك الأيام، أفرد مساحة هذا المقال لإعادة قراءة إفادات السيد عبدالرحيم دقلو، قائد ثاني قوات الدعم السريع، تلك الإفادات المجتزأة من حواره لصحيفة (الشرق الأوسط) الصادرة الخميس 4 مارس الجاري، فيما يشبه (خميس الأسرار) وثيق الصلة بـ (عشاء يسوع الأخير).

إفادات أضاءت حيثيات يمكن أن يتم تمحيصها أو إن لم يتم نفيها من أحد (الحواريين) لاحقاً، أن تعيد تركيب جزيئات اللوحة مطموسة المعالم، لذا سأقف على بعض الاعترافات، متجاوزاً -بالطبع- ما أصبح معروفاً بداهة، أو ما يندرج تحت بند تجميل المواقف أو (البروبوغاندا) مدفوعة القيمة. كما أن ما يضفي على الحوار المشار إليه بعض الأهمية، أنه الأول بهذه الدرجة من الإفصاح الحافل بقدر غير يسير من التفاصيل من طرف أصيل من أطراف اللعبة التي كانت تدور داخل الغرف المغلقة في تلك الأيام التاريخية.

أولى إفادات الرجل تفيد بأن اللجنة الأمنية التي صارت فيما بعد المجلس العسكري الانتقالي لم يكونها الرئيس المخلوع كما راج، ومازال يقيناً عند الكثيرين، فوفقاً لعبدالرحيم؛ فقد انعقد اجتماع بينه وشقيقه حميدتي معية الفريق ابن عوف وزير الدفاع ونائب الرئيس الذي ينتظر أيامه الأخيرة، وصف فيه حميدتي ما يحدث -حسب إفادة شقيقه- بأنه ظلم وخيانة للشعب، وقال لوزير الدفاع: “بهذه الطريقة لن تمضي البلاد إلى الأمام، ويمكن أن تضيع من يدنا جميعاً”، وافقه ابن عوف قائلاً: “ما يحدث خطأ، لأن سياسات الحكومة أوصلت الأمور لهذه المرحلة”، واقترح تشكيل لجنة أمنية عليا.

إذن اللجنة الأمنية تشكلت أثناء الأيام الأخيرة قبل الإطاحة بالرئيس المخلوع، وقد تشكلت من الأخويين وابن عوف، ثم عبد المعروف رئيس هيئة الأركان حينها، قبل أن ينضم إليهم لاحقاً قوش مجبراً وليس مختاراً، كما أفاد صاحب الحوار .

ثاني الإفادات التي أرى أنها أضافت جديداً، تمثلت في استنجاد ابن عوف بعبدالرحيم، حينما هاتفه: “تعال بسرعة هناك انقلاب يجري، بعض الضباط في طريقهم لإذاعة البيان الأول”. الأمر الذي يفسر انتشار قوات الدعم السريع على الجسور، وداخل القيادة، وحول الإذاعة، في اليومين السابقين للتنحي، فقرار بهذه الخطورة تم بين رجلين فقط قد يكون ثالثهما حميدتي، ولم يتم باتفاق لجنة أمنية أو مؤسسة عسكرية كما تبادر للأذهان وقتها.

ثالث الإفادات المهمة أن الملثمين الذين كانوا يقمعون التظاهرات والمواكب، لم يكونوا مجهولي الهوية، كما راج حينها، بل كانوا، حسب إفادته: “أفراد الأمن يتلثمون ويقودون سيارات من دون لوحات، فقلنا لضباط منهم، لو كنتم على قناعة بما تفعلون لماذا تُخفون وجوهكم؟”. ثم يستطرد قائلاً: “حميدتي وصف ما يحدث بأنه بطش، وطالب بسحب سلاح جهاز الأمن، وبالفعل تم جمع السلاح من قوات الجهاز في 5 أبريل، أي قبل الاعتصام أمام قيادة الجيش بيوم واحد”. وهو ما قد يفسر خفوت صوت البنادق في ذلك اليوم العظيم.

أما رابع الإفادات، فقد أماطت اللثام عن كيفية وصول السيد عبد الفتاح البرهان لرئاسة المجلس العسكري، فقد رشح حميدتي ابن عوف، قبل أن يعلق جلال الدين الشيخ نائب رئيس الجهاز وعضو اللجنة التنفيذية المنبثقة عن اللجنة الأمنية برفض الشارع لابن عوف، فرشح حميدتي قوش بديلاً عنه، وهنا رفض جلال الدين الشيخ ترشيح قوش، وقال قولته التي يمكن أن ترقى لمصاف الاعتراف القضائي: “أنا وقوش قتلنا الناس … ومكاننا السجن”. إلى أن وصل الأمر لترشيح كمال عبد المعروف الذي وقف أمام ترشيحه ابن عوف صاحب الرئاسة الأقصر على مدى التاريخ، والذي حينما ترجل مجبراً لم يختر من بين عضوية اللجنة الأمنية واحداً، بل أشار إلى عبد الفتاح البرهان، الرجل خارج التكهنات.

الغريب في هذه الإفادة أن ابن عوف حينما ترجل لم يشاور اللجنة الأمنية، بل جعل أمر التنحي الثاني وتسمية بديله حصراً على حميدتي، فيما يشبه الاعتراف الضمني بسلطة الأمر الواقع، يقول دقلو: “ابن عوف اتصل بحميدتي وأبلغه بتنحيه عن الرئاسة، مشترطاً ألا يأتي كمال عبد المعروف رئيساً، ثم اقترح عليه عبد الفتاح البرهان بديلاً عنه، فوافقنا عليه، وتم إعلان المجلس العسكري الانتقالي”. هذه الإفادة -إن صحت- تشير إلى محورية الدعم السريع وقائدها الذي امتلك وحيداً مبادرة ترشيح الآخرين واحدا تلو الآخر، دون أن يكون هو مرشح في أي من جولات الترشيح العديدة.

أما فيما يخص القضية الأكثر حضوراً في مشهد ما بعد السقوط، وأعنى هنا (فض الاعتصام)، فقد جدد الرجل ذات الدفوعات القديمة، بالتأكيد على أن قواته لا مصلحة لها في فض الاعتصام، وقال: “حميدتي أكد أننا داعمون لاستمرار الاعتصام لأنه إذا انفض، فهناك انقلاب الإسلاميين يتربص بنا، ويجري الإعداد له منذ 6 أبريل، ولولا الاعتصام لنجح هذا الانقلاب”. وهنا يجب إعادة قراءة هذه الإفادة مع مجريات الأحداث في تلك الأيام، بدءاً من خطاب طيبة الحسناب، مروراً بامتناع قوات الدعم السريع من المشاركة في قمع المظاهرات، وانتهاءً بعملية الانتشار التي غطت الجسور والمواقع الاستراتيجية لفرز الاستراتيجي من التكتيكي في مواقف قوات الدعم السريع من الثورة.

أما خامس الإفادات، ولعلها الأهم بين كل ما حفل به الحوار، هي علاقة الدعم السريع بحركات الكفاح المسلح، حيث أثنى الرجل على التوافقات التي تمت بينهم، وتلك الحركات فيما يشبه الاصطفاف الجديد الذي قد يغير كثيراً من المسلمات، ومن مستقبل السودان. وبالرغم من تكرار تأكيده على أن هذا الاصطفاف لا ينطلق من نوازع إثنية أو مناطقية أو حتى وفقاً لجدلية المركز والهامش، لكن حينما تسمعه يتحدث بهذه الإبانة: “أن الدعم السريع أعاد تشكيل الواقع الجديد، بما يخالف الموروث عن الثورات السودانية”، ثم أضاف: “كانت الثورة تأتي بالقيادات التي ظلت تسيطر على البلاد طوال 60 عاماً، ولهذا فهي ترفض الواقع الجديد الذي فرضه الدعم السريع”.

حينما تتمعن في ثنايا هذه الإفادة، فحتماً نحن أمام توازن جديد بدأت معالم تأثيره على معادلات السلطة والثورة، تتجلى بصورة واضحة في هذه المرحلة، وستكون أكبر أثراً وأكثر وضوحاً في مقبل الأيام. فهل يتم استيعاب هكذا تحالف بما يخدم قضية التنمية، مدنية الحكم والتحول الديمقراطي، أم يتجه لمزيد من الاستقطاب بمغازلة المؤسسة العسكرية، أو فلنقل القطاع الأمني بأكمله لخلق مركز سلطوي بديل، يرث مزايا المركز النيلي القديم؟! فهل تتعامل النخبة السياسية وفق معطيات الواقع شديد التعقيد، حاضر الالتباس، أم تتعامى عن تفاصيله إلى أن نستبدل تمكيناً بتمكين أو اختلالاً باختلال؟!

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال