‫الرئيسية‬ مقالات الحوكمة وأدوات كشف الفساد وفاعلية “نفخ الصافرة”
مقالات - 4 مارس 2021, 7:26

الحوكمة وأدوات كشف الفساد وفاعلية “نفخ الصافرة”

*بقلم: آمال الشيخ

ما من شكٍ أن الحوكمة بمعناها الشامل تشكل ذلك الغلاف الشفاف الذي يغطي كل جوانب المعاملات، والأنشطة التي تشهدها مؤسسات الدولة. ويُعد كشف الفساد من أهم أركان إنفاذ الحوكمة، وتطبيقاتها. وحتى يكتمل ذلك الهدف يجب أن يسهم الجميع، ويكون لكل منَّا دوره بدءاً من أعلى الهرم التنفيذي حتى أدنى القاعدة. وسنتطرَّق هنا للدور الشعبي، أو دور المواطن تحديداً، كأحد أعمدة الحوكمة، وكونه  من المستفيدين من إنفاذها، وتحقيق وجودها، ولدوره كذلك في الرقابة، وكشف الفساد، والتبليغ عنه، والتنبيه لمخاطره المجتمعية.

يعرف مفهوم نفخ الصافرة “Whistle Blowing” بحسبه مفهوماً عالمياً موجوداً في أدبيات كثير من الدول، وهو منصوص عليه في قوانين مؤسساتها، ولتطبيقاته دور مهم ومتعاظم. وشهدنا أمثلة كثيرة له في الفترة الماضية عبر فيديوهات رصدت نشاط لجان المقاومة التي قامت بضبط وكشف، الكثير من عمليات الفساد. ويحتاج فقط تطبيق المفهوم لبعض الضبط والترشيد، والتنظيم، حتى لا توصم الأنشطة المتعلقة به بالفوضى، وإنفاذ القانون باليد، ويكون أداة للتشفي، وكذلك لكي  لا يتوقف هذا النشاط الرقابي بسبب عدم الحماية الكافية لحاملي الصافرة، أو لا يولى الاهتمام الحقيقي.

ماذا يعني نفخ الصافرة، وكيف تصير نافخاً للصافرة؟ نفخ الصافرة هو التنبيه،  أو الإبلاغ، عن أي فعل خاطئ، أو عمل فيه إضرار بالمصلحة العامة. نافخ الصافرة يمكن أن يكون مواطناً عادياً، أو موظفاً عاماً، أو شخصاً في أي موقع يمكنه الحصول على معلومة رآها، أو سمعها، أو نمت إلى علمه بأي شكل من الأشكال، ذلك بوصفها تشكل ضرراً بالمصلحة العامة. هنا بعض الأمثلة: الإبلاغ عن فعل قد يشكل جريمة، مثلاً رشوة، أو غش، أو الإبلاغ عن تعرض صحة شخص أو سلامته للخطر بأي شكل من الأشكال، أو الإبلاغ عن أي ضرر ماحق قد تتعرض له البيئة، مثل التلوث، أو النفايات، أو المخلفات الضارة، أو الإبلاغ عن أي انتهاك، أو إجهاض للعدالة، أو الإبلاغ عن مخالفات داخل مكان العمل، أو عدم مراعاة للقوانين، بأي شكل من  الأشكال، مثل عدم الحصول على تأمين، وإذا كان لديك أي اعتقاد أن هناك من يحمي، أو يغطي على شخص مخالف للقانون. ونلاحظ من الأمثلة السابقة أن المعيار لقانون نفخ الصافرة هو المصلحة العامة، لذلك لا يغطي أفعالاً تمس شخصاً بعينه مثل التحرش، أو التمييز، أو العنصرية ضد شخص بعينه، فهذه الأفعال تدخل في نطاق محيط قوانين أخرى.

من الذي يمكن أن يكون حامل الصافرة؟  حامل الصافرة يمكن أن يكون موظفاً عاماً بمؤسسة، عاملاً بمصنع، أو مجموعة من  المواطنين، كلجان المقاومة مثلاً. ومع بعض التدريب، والتوعية، يمكن أن يلعب  هؤلاء الناس هذا الدور بامتياز، ويصيروا أداة رقابة شعبية، وفاعلة، لكشف الفساد، والتنبيه لمكامنه. إن عملية نفخ الصافرة أداة من أدوات الحوكمة، وكشف لأماكن الفساد، وتحتاج  التنوير حتى تصير نهجاً فاعلاً، ويؤدي المواطن دوره الكامل، والمطلوب، في فترة  الانتقال، حتى خروج البلاد من هذه الفترة الصعبة، والمثقلة بالفساد.

ومن أجل أن نؤسس لدور فاعل لحاملي الصافرة يجب أن تتحقق شروط محددة: أولاً صدور قانون يحمي حاملي الصافرة، إذ يجب ألا يتعرض أي شخص قام بهذا الدور للفصل أو التشريد أو أي نوع من الأذى، أو الضرر، أو العقاب، بسبب فعل  قام به من أجل المصلحة العامة. كما يجب حماية حامل الصافرة بشكل كامل، وحماية معلوماته، وضمان أن التبليغ يتم في سرية، وبمنتهى السهولة واليسر، وتوفير القنوات اللازمة لذلك. وأيضاً يجب توفير العون القانوني اللازم لحامل الصافرة في حالة تعرضه لأي مشكلة جراء قيامه بواجبه في التبليغ عن الفساد. ويجب توفير التدريب اللازم للمجموعات خاصة، وضرورة إحاطتهم بالمعلومات اللازمة حول القوانين المنظمة، ومعرفة الحدود التي يتحركون داخلها حتى لا يحدث أي تجاوز أو تخطٍّ لهذه القوانين. ويجب أن يوجد داخل أي مؤسسة، أو منشأة، أو جهاز دولة، آلية تسهل مسألة التبليغ، وتوضح كيفية ذلك كصندوق شكاوى – مثلاً – تتم متابعته بدقة.

إن عملية نفخ الصافرة أداة مهمة جداً من أدوات الحوكمة، والدور الشعبي، في كشف  الفساد. صحيح أنه تحيط هذه العملية كثير من المحاذير من حيث وجوب تقنينها، وهناك من ينتقدون الفكرة باعتبار أننا مجتمع تتشابك فيه العلاقات الاجتماعية، وتعد مسألة الإبلاغ نوعاً من الوشاية، تبعاً لذلك يمكن أن يتضرر نافخ الصافرة في ظل عدم وجود قوانين تحميه ليصبح ضحية، ويتضرر بشكل مباشر، أو حتى مجرد التخوف من فقدان الوظيفة أو عدم الترقي، والترصد الذي يمكن أن يحدث للمبلغ في ظل هشاشة قوانين الخدمة المدنية.

وكثير من الدول نصت على دور حامل الصافرة وقننته، مثل بريطانيا، وأمريكا. بالمقابل نجد أن الوضع مختلف في البلدان العربية، حيث يتم تحجيم هذا الدور، ووصفه بالتشهير مما يعد حماية للمفسدين. وقد أشار لذلك تقرير شهير من شركة محاماة بريطانية عام ٢٠١٤ بأن القوانين في منطقة الشرق الأوسط لا توفر أي نوع من الحماية لنافخ الصافرة. فالمسألة إذن لها جانبان مهمان: حماية وتشجيع وتدريب نافخي الصافرة، وإعانتهم للقيام بدورهم؛ لأن في ذلك تفعيل للرقابة الشعبية، والدور الإيجابي للمواطن صاحب المصلحة الحقيقية في منع الفساد قبل وقوعه، ومحاسبة المفسدين، كذلك تحجيم الفساد، وتشكيل نوع من الوقاية. الجانب الآخر أن يقوم نافخ الصافرة بهذا الدور بعد تملكه للمعلومات اللازمة، والمستندات، والأدلة اللازمة، بقدر  الإمكان، وأن يتم ذلك لأجل المصلحة العامة فقط، وليس للتشفي، أو الانتقام، وأن يتوقف دور الشخص عند التبليغ للجهة المختصة، وتمليكها المعلومات دون أن يتخطى حدوده، أو يأخذ القانون بيده.

________________________________________________

*آمال الشيخ : قانونية و مدافعة عن حقوق الانسان وعضو منظمة برامج الحوكمة 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال