‫الرئيسية‬ ثقافة أستاذ فلسفة: الدولة الحديثة في السودان ظلّت تُحاول منذ الاستقلال أن تكون وطنية (2-2)
ثقافة - 18 يونيو 2020, 10:00

أستاذ فلسفة: الدولة الحديثة في السودان ظلّت تُحاول منذ الاستقلال أن تكون وطنية (2-2)

حاوره: مغيرة حسين حربية

 

في هذا الجزء الثاني والأخير، من هذا الحوار، يناقش د. فتح الرحمن التوم، أستاذ الفلسفة بجامعة النيلين، موضوع الجمالي في بنية الثورة السودانية، وهل عازت الثورة التأسيس النظري والفكري لتكون ثورة مكتملة؟ يجيب: “يمكن القول بأن سؤال التأسيس النظري والفكري، مع كونه حقاً هو الجانب الخطير في المسألة الثورية كلِّها، إلّا أن الخطاب السياسي قد اتخذ لدينا في السودان موضع المنظور إلاّ قليلاً، وهذه مشكلة كُبرى، يكمن جوهرها في تصيير الرؤية الوطنية لتصبح مجرد منظور، وهو، بكل تأكيد، وضع يُضعِفُ من الثورة نفسها؛ لأنه يأتي على حساب ضرورة الاتفاق على رؤية نظرية عامة للثورة وعلى حساب رؤية فكرية كلية للوطن ذاته”.

 

ويضيف: “بالرجوع إلى وثيقة إعلان الحرية والتغيير بوصفها وثيقةً تشغيليةً للحراك الثوري المُوحّد خاصة بعد انضمام الأحزاب والتحالفات السياسية والحركات المُسلَّحة والكيانات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني للعمل معاً لإنجاز الثورة، نجد أن قوة الوثيقة تكمن فقط في رمزيتها وفي بساطتها، وهذا على أية حال هو موضع قوة على صعيد الفعل التعبوي والجماهيري. ومن المعلوم أن المتن كلما كان بسيطاً ومجرداً تكون له قدرة استغراق واسعة المدى؛ لكن في المقابل تكون له قدرة محدودة على صعيد التفصيل المفهومي والحسم السياسي، لا سيما وأن إعلان الحرية والتغيير كان هو الإعلان اليتيم الذي لم يعقبه أيُّ شغلٍ نظريٍّ فكريٍّ وطنيٍّ يُمثِّل قفزةً جذريةً في الخطاب السياسي السوداني، وهذا التقصير على صلة بعيب بنيوي في الخطاب السياسي السوداني المعاصر، الذي لم يقدر حتى اليوم على رؤية الهدف الكبير وخوطبته”.

 

ويواصل: “لعل هنالك من يقول إن الاتفاق والتوقيع على الإعلان كان اتفاقاً وتوقيعاً مرحلياً، ومن الطبيعي أن تنحل المكونات راجعة إلى قواعدها وأحزابها على الرغم من وجود تمثيل لكل منها في “قحت”. إلاّ أنه من المؤسف أن تجربة القيادة المشتركة بين الشعب وقحت لم تكن بحد ذاتها قد أصبحت تجربة ملهمة للعمل السياسي المشترك، بل راحت بعض المكونات تفكر منذ البدء بخطة أن تحجز لنفسها معقداً في “قحت” من جهة، والعمل لحسابها الخاص من جهة أخرى. ولذا لم يكن مستغرباً أن بعض المكونات قد هرعت جزعة إلى بيتها السياسي تتفقد جماهيرها القديمة وتعمل باضطراب لتعيد طبخ خطابها التنافسي الخاص الذي تجاوزه الآن الزمن تمهيداً لخوض الانتخابات. وهذا كله يحدث اليوم على حساب الرؤية الفكرية الكلية الإستراتيجية لسودان موحد وعمومي ومساواتي. والفشل في تنضيد رؤية فكرية سياسية لسودان موحد ليس جديداً بالنسبة لسودان ما بعد الاستقلال”.

 

أسأل: لماذا؟ فيجيب: “لأن الفشل في ابتداع وتنضيد خطاب سياسي لسودان موحد، هو فشلٌ مُصاحِبٌ ولاحقٌ لثلاث ثورات سودانية، على امتداد فترة تجاوزت اليوم نصف القرن من الزمان. فهو على أية حال فشل يدل على وجود خلل بنيوي ومعرفي وقيمي في الوعي السياسي السوداني المعاصر؛ بدليل أن الرؤية الفكرية السياسية والحقوقية والإدارية المنشودة لم تحدث، لا بعد ثورة أكتوبر 1964 ولا بعد أبريل 1985، ولم تحدث بعد 11 أبريل 2019 حتى اليوم”.

ويلقي أستاذ الفلسفة بسؤاله: “بأي طريقة يمكن وصف هذا الفشل في اصطناع رؤية فكرية سياسية حقوقية إدارية لسودان موحد، إن لم يكن بوصفه فشلَ وعيٍ يُعاني خللاً بنيوياً ومعرفياً وقيمياً في الوعي السياسي السوداني المعاصر؟”، فأسأله تارةً أخرى: أين تكن قوة التنظير الرؤيوي للثورة ومدى دافعيتها الآن وفي المستقبل؟

يجيني د. التوم: “تكمن قوة التنظير الرؤيوي للثورة في إقرارها وتعزيزها وتبنيها لمنطق سياسي حقوقي عمومي مساواتي. وهذا “المنطق العمومي” هو بكُلِّ تأكيد، النقطة الصلبة في الفعل الثوري كله في تجلياته كافة. وفضلاً عن ذلك، فإن ثورة ديسمبر المجيدة التي لا تُعرَّف إلا بفرادتها التاريخية وسياقها الخاص، وهي ليست مجرد فعل سياسي، بل أيضاً فعل اجتماعي وثقافي وحضاري. وفي اعتقادي أنها ثورة يتعذر مماثلتها بما حدث في 1964، وبما حدث في 1985، فلا مجال للمقارنة هنا. ولقد حاولت أن أفصِّل جانباً من ماهية الفعل الثوري وفرادته، في “بيان فلسفي عن ثورة ديسمبر المجيدة” الذي كتبته محاولاً فيه طرح ملامح عن فلسفة الثورة، ولا أريد تكراره هنا فالبيان متاح لمن يريده”.

 

“اليوم قد ابتعدت الثورة مسافة عام كامل من مقام المقاومة السياسية البحتة، وتضاعف عملها بإضافة مقام القيادة لها، حيث أصبحت الثورة معنية بأمرين اثنين هما: استئناف فعل المقاومة، وقيادة الدولة في المرحلة الانتقالية. ولذا فإن جماهير الثورة ومؤسساتها مُطالَبةٌ الآن بإبراز وجهتها الفكرية والاستراتيجية على صعيد قيادة الدولة والحفاظ على منجزاتها من جهة، وفي التعامل مع القوى المضادة من جهة أخرى. وإني أرى أن هذه لمهمة جد أولانية”، يقول التوم؛ ويضيف: “للثورة بطبيعتها كثورة، قوة دفع تلقائية، تجعلها تواصل مسيرتها في العمل السياسي وفي الدولة، لكن أيضاً للثورة مضاداتها المتمثلة في القوى الرجعية، والقوى المُثبِّطة، وهي بالطبع قوى مضادة يُسعِدُها أن ترى الثورة وهي تفقد رمزيتها وفاعليتها وبوصلتها، وهو الآن نشاط معلوم لكل متابع، أما المستقبل فيبقى رهناً باستمرار الجماهير في يقظتها وحذرها، وفي عملها المشترك في تعزيز مؤسسات الدولة وإعادة البناء القانوني والمؤسسي والإسراع في إنجاز وتحقيق مشروعاتها المتعلقة بالسلام وبسط الأمن وتسريع وزيادة عجلة الإنتاج وإنجاز مشروع الدستور الدائم، وإقامة انتخابات حرة ونزيهة؛ وذلك كله يبرز للعيان أهمية طرح سؤال الخطاب النظري للثورة ذاتها ولكيفية عملها  ورؤيتها لقيادة المرحلة الانتقالية”.

 

وحول طغيان جلبة الخطاب السياسي ونزعة سودان النخب (الفاشلة) في انتفاضتي أكتوبر وأبريل الضائعتين، أسأل د. التوم: كيف يمكن لثورة ديسمبر تجنب حوافر هاتين الانتفاضتين وأي خطاب يجدر به أن يسود؟ فيقرر أن الدولة الحديثة في السودان لم تبدأ كدولة وطنية، بل ظلت تحاول منذ الاستقلال بأن تكون دولة وطنية، بل حتى هذه اللحظات هنالك قطاع كبير من بنية الدولة المفهومية والحقوقية والإدارية والمؤسسية والوظيفية ليس وطنياً البتة، وليس له أي علاقة تُذكر بالدولة الوطنية. إذن فنحن اليوم لدينا في السودان دولة لم تقدر أن تصبح دولة وطنية كلياً، بل وعلى العكس من ذلك قد خلق هذا الجانب غير الوطني من الدولة نفسها حواضن اجتماعية وأبنية ثقافية ومؤسسات اجتماعية كثيرة هي ضد فكرة الدولة الوطنية نفسها، كما هو الحال في جميع الواجهات الجهوية والقبلية والعرقية والإسلام السياسي.

 

ويستطرد: “بالرجوع إلى انتفاضتي: أكتوبر وأبريل، نلحظ بالتحديد سعي جماعة الإسلام السياسي عبر مؤسسات وواجهات كثيرة العدد ظلت تتعمّد وتخطط وتنفذ، إلى اتجاه ألا تقوم للدولة الوطنية في السودان أية قائمة. وذات القوى السياسية للإسلام السياسي ما تزال موجودة وفعالة ومستمرة في نفس خطها في تدمير الدولة الوطنية. وليس هذا افتراء منا عليها، فخطاب جماعة الإسلام السياسي هو في الأصل خطاب يتأسَّس على القطيعة مع الوطن، ومع الخطاب والثقافة الوطنية”.

لكن حالة السيولة التي ضربت المشهد السياسي السوداني خلال الستين عاماً الماضية – يقول التوم – جعلت السودانيين يتسامحون ويتسامحون حتى مع الخطر التي يوشك اليوم بأن يصادر منهم ليس الوطن فحسب، بل يصادر منهم حتى حياتهم الخاصة. والكثيرون من السودانيين يقابلون تحذيرنا وصراخنا ضد تيار تقويض الوطن والوطنية، بعدم التصديق، بل يقابله العديد منهم بابتسامة “ناشفة ومريضة” لا تصدر إلا من أناس قتلهم يأسهم وضعفهم قبل أن يقتلهم أعداء الوطن والوطنية.

 

ويستطرد: “الإسلام السياسي، والقبيلة، والجهوية، والطائفية هي أكبر مُهدِّدات بناء الدولة الوطنية في السودان، وهي جميعاً تلتقي في أرومة واحدة هي نبذ فكرة الاجتماع السياسي المشترك؛ لذا فالتحدي الذي يُواجه الثورة اليوم هو تحدِّي حماية وتعزيز ثقافة الاجتماع السياسي المشترك في السودان. وتحدي مشاق العمل على إدارة الفترة الانتقالية كلها وعلى جميع الأصعدة وفقاً لهذه الثقافة التي تضع الجميع في حسبانها”.

 

ويعرف د.التوم، ضمن اشتغاله على فلسفة المدينة أنها “حالة الاجتماع السياسي، التي يبرز فيها المجال العام بوصفه مجالاً منزوع الإسناد والهوية، وينتمي، فقط، إلى الخير العام”. فهل تبني الثورة مدينتها؟. “نعم”، يؤكد التوم: “يمكن للثورة أن تبني مدينتها التي يسود فيها الخير العام مستغرقاً الجميع. لكن هذه الإمكانية تبقي رهناً بمدى القدرة على توجيه قطاع الإنتاج والثقافة والقانون والإعلام والتربية والبحث العلمي وربطها جميعاً بالفلسفة النقدية التي يتوجب أن تقود كلاً من الفكر الاستراتيجي والخطط الاستراتيجية والبناء الحقوقي في السودان”.

 

ويرى د. فتح الرحمن التوم، أن العلمنة ضرورة. وحين سألته: ما الأنموذج الذي يمكن أن تختاره الدولة السودانية في الحكم ودسترة قوانينها بعد الثورة؛ علمانياً أو مدنياً أو دولة حقوق ومواطنة؛ قال: “دعني أُلملم هذا السؤال الخطير، وإعادة تبديهه في هذا الطرح الأولاني: هل يستحق السودانيون جميعاً في وطنهم السودان حقوقاً وواجبات عامة على السويّة بينهم أم لا؟ إجابتي هي: نعم هم يستحقون ذلك جميعاً”.

 

ويضيف: “سبق لي وأن تحدثت كثيراً حول موضوع الدولة وقلت إن العلمنة ليست خياراً، بل ضرورة، وكما قلت فإن الدولة السودانية هي أصلاً دولة مُعَلْمَنة، والدليل على ذلك هو وثيقة الجنسية أو الرقم الوطني أو الجواز السوداني، أو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، أو الاحتكام إلى الدستور، وغيرها من الأدلة الكثيرة العدد”.

وعلى فكرة – يضيف التوم – إذا كان هناك شخص سوداني يزعم أنه غير علماني بحكم الواقع فعليه أن يذهب مباشرة لوزارة الداخلية والقضاء ويتخلى عن جنسيته أو رقمه الوطني وجوازه لأنه هذه هي رابطة علمانية! فالناس في السودان ليست لديهم مشكلة مع علمنة الدولة. وحتى قلنا مثلاً إن جماعة الإسلام السياسي هي التي ترفض العلمنة، فيجب أن يعلم الإسلاميون أن حركتهم ذاتها هي حركة علمانية، إلا أن علمنتها كانت وما زالت من أسوأ تجارب العلمنة الحديثة.

 

“الحديث عن الحركة الإسلامية نفسها بوصفها حركة سياسية دينية ليس هو في الحقيقة سوى أسطورة. لا بد إذن من فهم الفصل بين الإسلام كدين، والحركة الإسلامية، فالعلاقة بينهما ليست في التأسيس والتشغيل علاقة بداهة ولا علاقة ضرورة، ولا علاقة استغراق، ولا علاقة إكسيومية، ولمن يفوته فهم هذا المغزى فإننا نُذكِّره بمثال بسيط هو: من المعلوم أنه لم يحدث قط أن طابق السودانيون، في وعيهم اليومي، بين الإسلام، والحركة الإسلامية، والدليل على ذلك هو أنه في الوقت الذي سقط فيه نظام حكومة الحركة الإسلامية السودانية، كان الثائرون والثائرات يُقيمون أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة أكبر تجمع لصلاة الجمعة في تاريخ السودان، في جوٍّ يومٍ رميضٍ نشر فيه مسيحيون سودانيون أغطيةَ ظلٍ لكي يقوا المصلين المسلمين وطأة الحر وسخونة حجر الإسفلت”، يقول التوم.

 

ويقرر أستاذ الفلسفة أن لا حديث عن  الثورة دون الإشارة لاعتصام الثوار أمام القيادة العامة للجيش الموصوف بأنه دولة وحالة لم يسبقها مُماثل في التأريخ السوداني؛ استدعت خلاصة القيم السودانية وتوافرت على محبة ماتعة.

أسال: كيف نجنب تلك الحالة من الوقوع في براثن اليوتوبيا؟ ويرد د.التوم: “ذلك صحيح. لكن يجب أن نفهم أن الاعتصام أمام القيادة هو في الحقيقة اعتصام بفكرة الدولة الحديثة الوطنية ذاتها. وهذا هو التأمل الغائب على كثير من الناس بشأن ماهية الاعتصام ذاته”.

ويضيف: “ولئن تم إجهاض استمرارية لحظة الاعتصام بأبشع طريقة لا تشبه إتيقا الدولة ولا أخلاق السودانيين، فقد بقي شيء مهم وهو أن الذين ارتكبوا مجزرة القيادة هم سودانيون، وهذه ليست مشكلة فحسب، بل أيضاً عقبة، وهي كذلك ليست جريمة قتل واغتيال فقط، بل أيضاً هي غدر وخيانة”. وأيضاً يقرر: “لكن لئن مات في سبيل الحق ورمزية الاعتصام فرسان كُثر، فإن خطاب الاعتصام حي لا يموت”.

ومن ثم يضيف: “يكمن تجنب الوقوع في براثن اليوتوبيا بجعل خطاب الاعتصام هو روح الثقافة والمنطق السياسي؛ لاستكمال بناء وقيادة الدولة السودانية من هنا فصاعداً، وليس قيادة المرحلة الانتقالية فقط. لهذا فإنه يتوجب تأسيس ثقافة وخطاب الاعتصام رمزياً في البيوت والشوارع والملاعب والساحات والأسواق والمواصلات والمدارس والجامعات والأندية والوزارات والمؤسسات الرسمية. فالاعتصام هو اللحظة الوطنية الفريدة التي أراد لها أعداء الوطن أن لا تعيش. إذن لماذا نساعدهم بنسيانها وتقليصها ومحوها من الذاكرة السياسية للمجتمع السوداني؟”.

وأخيراً: ما الذي يمكن أن يبقي من سودان ما قبل ديسمبر وما الذي يموت؟

يُجيبني مُودِّعاً: “يبقي كل ما هو عمومي ومساواتي في الدولة وثقافة الحكومة، ويموت غصباً أو طوعاً كل نزق عنصري، وطائفي، وقبلي، وجهوي، وحزباني، وشخصاني، وغبي”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال