‫الرئيسية‬ مقالات اتكاءة تراث: النفير في السودان
مقالات - 1 مارس 2021, 14:33

اتكاءة تراث: النفير في السودان

د: مزاهر القدال

النفير إرث سوداني اجتماعي أصيل، يعكس روح التعاون والتكافل السمحة بين أفراد المجتمع السوداني.
معنى نفير في معجم المعاني الجامع:
نَفير: (اسم) الجمع: أَنْفَار
النَّفِيرُ: الكُفْءُ في المفاخرة
النَّفِيرُ: القومُ يَنْفِرُون للقتال
النَّفير العامّ: قيام النَّاس عامّة لقتال العدو، (التَّعبئة العامَّة)
نفير الحرب: بدايتها

تعريف النفير :

النفير : هو كلمة تستخدم في اللغة العربية (في السودان وغيرها) لتصف نوعيات معينة من تعهدات العمل العامة. وبصورة أدق  هو جمع أشخاص معينين (في الحي أو المجتمع) لغرض تأدية أمر معين كبناء منزل أو المساعدة خلال موسم الحصاد. ويستخدم مصطلح النفير العام لوصف عملية قيام مجموعة من الناس بقتال العدو.

النفير في السودان:

هو  تنادي الناس، وتضافرهم، من أجل مساعدة أحد أفراد المجتمع، في عملٍ عجز عن أدائه بمفرده بسبب الفقر، المرض، العجز البدني أو قلة الأيدي العاملة المتاحة له لصغر حجم الأسرة، أو عدم وجود أقارب.

الأعمال التي يقوم بها النفير متعددة ومتنوعة منها على سبيل المثال:

نفير البناء:

يشمل تشييد حائطٍ انقض، أو بناء بيتٍ، أو سقيفة. وأبرز أمثلته منزل العريس، إذ يتنادي شباب الحي -الفريق- أو القرية أو المنطقة المعينة لبناء منزل الزوجية، وتشكل مجموعات لهذا العمل، إذ يقوم فئة بإحضار مواد البناء من قصب وحطب وفتل للحبال، ومجموعة أخرى بتجهيز مساحة المنزل وتخطيطها لبناء قطية و أمامها سقيفة وحوش يعرف بالصريف. وقد يكون المنزل من المواد الثابتة، وينفر الشباب بكل حماس لصنع الطوب، فيما يعرف بضرب الطوب، الذي يصنع يدوياً من الطين بقوالب يدوية. ومجموعة أخيرة لتنفيذ عمليات التشييد والبناء، يصحب كل هذه المراحل الحماس والتشجيع والتحفيز والأهازيج والأغاني.


نفير الزراعة:

يتدافع الناس للمشاركة والمساهمة في كل مراحل الزراعة من إصلاح الأرض وإبادة الطفيليات ونثر البذور حتى مرحلة الحصاد، والتي تكون أشبه بالمهرجان المقدس، إذ تقرع الطبول ويدوي صوت النحاس ويتجمع الجميع للحصاد في لوحة زاهية من كل الأعمار يتقدمهم الشيوخ والعمد لمباركة العمل، ويشمر الشباب سواعدهم بكل همة، وغالباً ما يستمر كرنفال الحصاد إلى ساعات متأخرة من الليل، خاصة في الليالي المقمرة.


وأشهر نفير للحصاد عندما دعا الرئيس الأسبق جعفر محمد النميري تلاميذ المدارس للمشاركة في قطف القطن -الذهب الأبيض- وكانت أجمل وأروع لوحة مجتمعية في ذاك الوقت.

الفزع في السودان

الفزع مفردة مرادفة للنفير في المعنى العام، ولكن تستخدم دائماً عند طلب النجدة، وعند النوائب مثل القبض على عصابة أو جماعة من سارقي المواشي تهدد أمن القرية، أو إنقاذ حيوانات ضلت الطريق، أو انتشال أخرى غطست في الوحل. كذلك عند  الحريق أو  الغرق، وارتبطت بها صيحة “أفزعونا يا ناس”. هذه الصيحة أو الصرخة كفيلة بأن تخترق كل الحواجز، ويأتي أهل الفزعة زرافات ووحداناً للنجدة والفزعة.

تطور مسيرة النفير :


مع نشوء الدولة الحديثة، اتخذت تلك الروح الجماعية التعاونية التضامنية في السودان لنفسها صورًا حداثية جديدة، تمثلت في العمل الطوعي العام . وكانت (مبادرة التعليم الأهلي) واحدة من أبرز المبادرات المجتمعية الطوعية الكبيرة التي سبقت الاستقلال بسنوات قليلة، وتم تشييد عشرات المدارس بالجهد الشعبي.

أما بعد الاستقلال، فقد انتشرت في مدن السودان وقراه الأندية الرياضية، والثقافية، والاجتماعية. وحين بدأ أداء الدولة في التدهور، في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، وما تلاها، انتشرت الجمعيات الطوعية التي تعمل في مساعدة أهل الريف، بالتثقيف العام والعون الصحي والعون الغذائي والتدريب ورفع القدرات وغير ذلك.

ومع توالي الكوارث والأزمات وتراجُع أداء الجهاز الحكومي، اندفعت إلى داخل البلاد عشرات الجمعيات الطوعية الأجنبية، خصوصاً الغربية، مستفيدة من روح التطوع وحب العمل الجماعي، السائدة في الحياة السودانية.

ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، برزت للوجود قيمة النفير بصورة جلية وواضحة، إذ يتسابق الأفراد والمؤسسات والجماعات  لتلبية النداءات المتنوعة والمتكررة خدمة للفرد والمجتمع، كذلك أسهمت هذه الوسائل في تكوين الكثير من الجمعيات الخيرية والمبادرات الإنسانية، مثل: منظمة نفير، وشباب شارع الحوادث، والكثير من الشواهد الطيبة التي لا تخرج إلا من رحم الإنسان السوداني النبيل، وهذه المبادرات ربطت أبناء الوطن المغتربين مع إخوانهم بالداخل في أسمي صور الترابط والتآلف والإحساس بالآخر.

مناطق انتشار النفير:

بصورة عامة؛ ينتشر النفير في القرى و البوادي، وأكثر انتشاراً في المناطق الزراعية، مثل: كردفان، ودارفور، والنيل الأزرق، والقضارف.

نموذج للنفير:

يوم النفير أو الفزعة يوم يحدد زمانه ومكانه في اجتماع صغير، وتحدد فيه الاحتياجات الأساسية للحصاد مثلاً، أو بناء منزل لزوج جديد، أو ترميم منزل بعد حريق، أو سقوط نتيجة أحداث طبيعية، ويتدافع لهذا العمل النبيل الجميع من الجنسين، تكلف بعض النسوة بإعداد الطعام وأخريات على الإشراف. كما تقسم مهام العملية المعينة على الرجال بمختلف أعمارهم خاصة الشباب، وتتم في هذا الاجتماع عملية التبرعات المالية خاصة من الميسورين من أبناء المنطقة، وتكون مصحوبة بالزغاريد وتفاعل آخر يعرف بالشوبش، وهو الثناء على من يدفع لتحفيز الآخرين.

دور المرأة في النفير:

النساء شقائق الرجال، وحواء السودان دوماً يداً بيد مع آدم، وفي النفير نجدها تجهز الطعام والشراب للشباب، وتؤلف الحكامات أغاني الحماسة لبث روح الشجاعة والفخر بين الرجال، كذلك تساهم في نفير الزراعة خاصة في مراحل الحصاد، وحديثاً نجدها عموداً فقرياً في كل المبادرات المجتمعية.


مقولات شائعة عن النفير أصبحت أمثالاً متداولة:

فلان لا في العِير ولا في النَّفير: يقال لمن لا يصلح لمُهِمة، فالعِيرُ: عِيرُ قريش التي أَقبلت مع أَبي سفيان من الشَّام، والنفير: مَن خرج مع عُتبة ابن ربيعة من مكة لاستنقاذها من أيدى المسلمين، فكان ببدر ما كان فمن لم يكن في أحد الجمعين لم يُعدَّ في الرِّجال.

أغاني النفير:

بما أن النفير عمل طوعي بلا مقابل مادي، نجد أن أكثر الاغاني ترديداً أثناء العمل هي أغاني الحماسة، والكلمات التي تغذي الهمة. وكل منطقة جغرافية لها أغان خاصة بها تتفق جميعها في تمجيد العمل العام ، والشاهد أنه عند صد فيضان النيل، كانت أغنية الفنان الأستاذ حمد الريح  “عجبوني الليلة جوا.. ترسوا البحر صددوا.. عجبوني أولاد الأهالي.. عجبوني وسروا بالي”. كانت سيدة الأهازيج، وردد معها الشباب الكثير من الأغاني الوطنية، وبرزت مقاطع أخرى تدعو للصمود أمام موجات النيل العاتية مثل “الليلة ما بنرجع إلا البحر يرجع”.


ومن الأغاني التي يتخذها أهل النفير شعارات لهم: أغنية شاعر الطمبور إسماعيل حسن: “”بلادي أنا بلاد ناساً تكرم الضيف وحتى الطير يجيها جعان ومن أطراف تقيها شبع”. وكذلك رائعة عبد الكريم الكابلي: “يسلم لي خال فاطمة ليهم بلالي البدرج العاطلة”، والكثير من الأغاني والأناشيد.

عند النوائب، وفي الوقت الحاضر، والبلد يمر بظروف خاصة من ضائقة اقتصادية وانفلات أمني واجتماعي، نجد الإنسان السوداني يمد يده بيضاء للتلاميذ والمحتاجين، ويجسد النفير في أبهى صورة، في آخر كارثة طبيعية مرت بالبلاد  -الفيضانات- إذ عملت كثير من الجماعات والجمعيات بمبدأ النفير في حماية الأفراد، وصد مياه النيل عبر التروس، ونقل وترحيل الأهالي المتضررين، وتوفير بعض من احتياجاتهم، في ظاهرة تشبه الإنسان السوداني النبيل.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.1 / 5. Total : 15

كن أول من يقيم هذا المقال