
بوست: ذكرى رحيل الشاعر (ود حد الزين) إسماعيل حسن
كانت ليلة من ذات الليالي
كانت ليلة من ذات ليالي السبعينيات، قُبيل مهرجان الثقافة الأول. ليلة اكتمل القمر فيها، وأرسل أشعته نحو منزلنا، فكساه ضياءً ناصع البياض. كان إسماعيل قبلها بأسبوعين يكسوه قلق غير عادي، كنت أقرب الناس إليه، أحس به إحساساً روحياً، خروجه ودخوله أوحى إلي أنَّني على وعد مع قصيدة تتبلور في دواخله.
هكذا هو أبي، لا يهدأ له بال إلا بعد أن تتدفق مشاعره نهراً من الكلمات يروي التعابا. لله درك أبي إسماعيل، فلكم عانيت من أجل أهلك، أعني بأهلك هنا ليست دائرتك القريبة منك، لكنني أعني بها كل الناس الذين عبَّرت عنهم حتى ظن كل واحد منهم أنَّه المعني بكلماتك التي تسرَّبت في دواخل كل من به إحساس بالجمال. أنا لا أبكيك أبي، أنا أذكرك لأتذوق حلاوتك وأنت تجمعنا في منزلنا، وكالعادة لم نكن وحدنا، فبيتك هو قبلة الضيفان، كان حوش منزلنا متسعاً حتى ظننت أنه يستطيع أن يسع السودان كله.
كانت السرائر والكراسي حولنا مليئة بأصدقائنا وأهلنا، وقفت وسطنا، وبدأت تلقي علينا: بلادي أهلاً يا بلادي. كان ذلك إيذاناً بقدوم فجر جديد، بدأ إسماعيل يحلم ونحن نحلم معه، صار الجميع في حيرة من هذا الإبداع الذى ينسال منك، وطريقة إلقائك التي أضافت لجمال الكلمة جمال التعبير. تجليت أبي في ذلك اليوم وأنت دائماً هكذا، تجاوبنا معك تصفيقاً وقفزاً وصمتاً وصراخاً، بعدها رأيت الدموع تنهمر من الحضور، ورأيتك تجهش بالبكاء. لست لأنك أبي، لكن لأنك إنسان لم أعد أرى أو أحس الدنيا كما كنت أراها وأحسها معك.
رحمة الله تغشاك وأنت في الأعالي أبي إسماعيل

