‫الرئيسية‬ مقالات هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه!!
مقالات - 16 فبراير 2021

هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه!!

قضيت بالأمس سحابة يومي وجزءاً من هزيع ليله، متجولاً بين محطتي وقود. ثم عدت من بعد ذلك بـ (تنك) فارغ كفؤاد أُمِ موسى، وبعلامة صفراء فاقع لونها تسُر (المتآمرين). هذه الساعات الطوال أتاحت لي تصفح العديد من الآراء البناءة والانفعالات العجلى، وكثير من الإحباطات، ومثلها من التطمينات الواقعية، وأخرى ذات أجنحة ورقية كتلك التي صنعها ابن فرناس ظاناً أنها سترفعه في السماءِ درجاتٍ عُلا.

كما أتاحت لي تلك الساعات الطوال فرصة ثمينة لكر مسبحة الثورة وأيامها المليئة بالآمال والآلام، بالزغاريد والدموع، بالكر والفر، وبمعانقة أرواحٍ صعدت إلى بارئها مرضياً عن ثباتها الخيالي وتضحياتها الاسطورية. فتفر – غصباً عنك – من ركن العين المثقلة بالنعاس دمعة حرى، عندما تسترجع اتكاءة عباس على الترس مخضباً بحنة الثورة، وكأنك تسمعه يهمهم: “الترس ما بنشال، الترس وراهو رجال”. أو ترمق إصبعي عظمة شامخين في وجه الكجر في قلب الأربعين، قبل أن تخترق الطلقة الحاقدة جسده النحيل، أو تداعب خيالك عبارة وليد: “انتو اشتغلوا شغلكم ونحن بنشتغل شغلنا”. قبل أن تنهي طلقة أخرى أحلامه الخاصة لتفتح للحلم الكبير ألف باب.

أو تناجيك عبارة كشة التي لخصت سوء الحال وبؤس المآل: “نخاف على ثورتنا من النخب”، فتسرح في عوالم مكللة بالبهاء لكنها مترعة بالأسى والحزن النبيل ، ياااااه! ثم لا تنفك يعود بك للواقع البئيس، صوت الذي خلفك في الصف: “يا زول ها! جر لقدام … العربات مشت”. فتجر إلى حيث يشير، ولكن قطعاً ليس للأمام كما يظن. يا من أسلمناكم قيادتنا، هذه الثورة دُفِع من أجلها مهرٌ عظيم لا يمكن – بل لا ينبغي – أن تضيع بسبب قلة الحيلة وتجريب المجرب وضعف الخيال، والتشاكس بين المكونات والانشغال بـ (سباق الحمير) و(الدفتردار ) على أبواب (مدنيتنا).

كما لا يمكن أن تكون المشاجب المعتادة مكاناً لائقاً لتعليق تقصيركم وضيق ذات يدكم، أو قل أفقكم، وحديثي هذا لا يستثني أحداً – كما قال مظفر النواب يوماً ما – يا سادتي: هذه الثورة لم تكن من أجل الحرية والكرامة فقط، بل كانت من أجلهما معاً، ومن أجل لقمة الخبز وجرعة الدواء وحفنة النقود والوقود أيضاً، فهل من تناقض؟!!

ليس عدلاً ان نقايض استحقاقاً باستحقاق، ولنتذكر أنه حينما فاضت الأرواح المجيدة، فاضت من أجل خبز مغموس في (إدام) الحرية والكرامة، فمن أجلهم لن نقبل بخبز حاف، كما لن نقبل بـ (إدام) طاعم نتجرعه بلا خبزٍ لنبيت (الغوا).

أعلاه؛ خاطرة عمرها عام بالتمام والكمال، كانت بعنوان: ليس بـ (الوعي) وحده يحيا الانسان. أُعِيد نشرها هنا – بتصرف محدود – لأن واقعها ما زال ماثلاً يعيد نفسه بذات التفاصيل البائسة، إن لم ننتبه جميعاً فإن الثورة على مفترق طرق، وما الثورة غير الحلم في حياة كريمة تليق بالإنسانية.

من يجالس البسطاء من غمار الناس، في البوادي والقرى النائية، أو حتى في طرقات المدينة وأزقتها المظلمة، أو في الأسواق وميادين الدافوري أو الخماسيات، الناس الذين صنعوا الثورة – لا النخب الذين اعتلوها – سيصاب بـ (هاء السكت) حينما يسألونك استنكاراً: هي الثورة عملت لينا شنو؟! ستُحار – سيدي – في الاجابة، ولن يكون أمامك أكثر من أن تطأطئ رأسك أو تتمتم بكلماتٍ مبهمة. فهم لا تعنيهم معادلات السلطة المعقدة، ولا إكراهات الواقع التي أوجبت التسوية العليلة، ولا قصر النفس (البرجوازي) الذي أنتج المساومة الهزيلة، ولا تقاطع المصالح الذي رجح ارتهان القرار الوطني، ولا ميزان القوى الذى رجح الكفة الخطأ. ما يهمهم أن آمالهم وتضحيات فلذات أكبادهم ضاعت سدى.

قديما قيل:

لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ ***فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

ليس أقل من مصارحة الشعب بأسباب انسداد الأفق بالمعوقات، بالمؤامرات، أو اعتذار شفيف بقلة الحيلة والانسحاب، غير ذلك ستجهضون حلم الناس في الغد الأفضل، وتقتلون إيمانهم بقدرتهم على التغيير. وحينما يموت الحلم والإيمان معاً، لن يبقى غير الارتهان للقهر، حينها ستبحث النخبة عن من يسند ظهرها ويقيل عثرتها، فلن تجد غير: هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال