‫الرئيسية‬ مقالات صراع (الإرادات) الذي أضر بالثورة وأعاق قطف ثمارها .. قراءة (تدعي الواقعية)
مقالات - 14 فبراير 2021

صراع (الإرادات) الذي أضر بالثورة وأعاق قطف ثمارها .. قراءة (تدعي الواقعية)

فى مجال كرة القدم؛ إن توقعت انتصار فريقك، وهو يلعب بخطوط متباعدة بلا انسجام، حيث كل خط من خطوطه الثلاثة يتحرك وفق خطة وتكتيك يتعارض مع خطط وتكتيكات بقية الخطوط؛ فأنت إما ساذج أو واهم أو كلاهما معاً. قد يقول قائل: ولما أغفلت قدرات الخصم (الفلول) في حسابات النصر والخسارة؟ أقول: نعم لهم قدرات معتبرة في إفشال خطط الانتصار، ولكنها تأتي في درجة أقل من حيث الأهمية. فالأهم عندي الاستعداد الذاتي لقوى الثورة من أجل رعاية غرسها، ومن ثم قطف ثمارها.

ومن أجل ذلك؛ لابد من إماطة اللثام عن مكامن الضعف التي تتبدى جلياً في صراع الإرادات الذي أودى – أو كاد – بثورة ديسمبر المجيدة. لقد بدأت السلطة الحاكمة عسكرية بحتة حتى أوان توقيع الوثيقة الدستورية، ثم أضحت عسكرية مدنية حتى زمان توقيع اتفاق سلام جوبا، الذي أفضى إلى آخر تمظهرات السلطة التي تجلت في بروز ثلاثة خطوط تشكل مثلث المنظومة الحاكمة: الخط العسكري، الخط المدني، ثم أخيراً الخط العسكرمدني (الحركات المسلحة). دعونا إذن نلقي نظرة على كل خط لاستبانة كيفية تحركه في الملعب السياسي ولنبدأ بـ :

* قوى الحرية والتغيير، أو إن أردت الدقة – ما تبقى منها – تلك القوى المنقسمة على ذاتها، صاحبة الرؤية الغائمة فيما يتصل بحاضر الثورة ومستقبلها، كيف نتوقع نجاحها في العبور بما تبقى من مرحلة انتقالية، إن لم تصلح من حالها كتحالف حاكم؟ وذلك عبر الرجوع إلى منصة التأسيس مجدداً، ومعالجة ما اعترى التحالف من إشكالات تتصل بضرورة استرجاع بعض القوى المفارقة للتحالف، بعد أن كانت من مؤسسيه كـ (الشيوعي، تجمع المهنيين ، …. )، ثم استقطاب قوى ثورية أخرى تجاوزها التحالف كـ (لجان المقاومة ، ….)؟ ولكيما يتم ذلك؛ لا بد من مراجعة الخط السياسي الذي أدى الاختلاف حول ماهيته إلى حالة التشرذم الحاضرة الآن.

نأمل في تطوير إعلان الحرية والتغيير إلى مصاف مشروع وطني يتجاوز مطلوبات مرحلة الانتقال إلى التأسيس لجمهورية ثانية، ولكن إكراهات الواقع تجبرنا على التواضع للمطالبة بالتوافق على مهام مرحلية محددة، ولنأخذ مثالاً: تهيئة المناخ لانتخابات حرة ونزيهة. هل هنالك قوة من قوى الثورة يمكن أن تختلف حول محورية مثل هذا المطلب الذي أضحى فزاعة يرفعها البعض تهديداً للقوى المدنية لإجبارها على خفض سقف طموحاتها، غير أن الداعين لهذا المطلب – صدقاً أو التفافاً – يجب أن يعلموا أن أولى أولوياته تتصل بتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن باتساع رقعته، وتعدد توجهاته، واختلاف مرجعياته، وتنوع مصالحه.

على القوى المدنية استثمار هذا الكرت (الانتخابات) للهجوم الممنهج بدلاً عن التقوقع في الخطوط الخلفية اتقاء لهجمات الآخرين، فتكثر أخطاؤها، وكثرة الأخطاء تقود إلى اهتزاز شباك القوى المدنية، كما علمتنا كرة القدم التي ابتدرنا بها هذا المقال. عليه؛ فلتتجه القوى المدنية بعد إصلاح حال تحالفها للترويج لهذا الاتجاه اختباراً لمصداقية الداعيين إلى انتخابات مبكرة، من أجل الإيفاء بمتطلبات هذه الانتخابات من حيث سلامة البيئة السياسية والقانونية والمالية. ومن حيث تسوية ملعب التنافس الانتخابي التي لن تُنجز إلا عبر عدالة انتقالية تُبرِئ الجراح، وتُعيد الحقوق السليبة. ولن تتم إلا باكتمال مساعي السلام مع الآخرين، والإنصات لمطالبهم، وتلبية استحقاقاتهم العادلة. إذن؛ فالانتخابات ليست مجرد صندوق (مخجوج)، بل هي سلسلة من الإجراءات والعمليات تحتوي بداخلها جل مهام مرحلة الانتقال، إن لم يكن كلها.

* إن أكثر ما يحمد لثورة ديسمبر أنها أولت قضية الحرب والسلام ما تستحق من أهمية، عكس ما سارت عليه الثورتان السابقتان في أكتوبر وأبريل، حينما طغت قضايا التحول الديمقراطي على قضايا السلام، فكانت النتيجة استمرار الحرب وتعميق ويلاتها، مما ضعضع بالنتيجة فرص استدامة الديمقراطية نفسها. الآن تسير حركات الكفاح المسلح على ذات النهج المعوج، الذي أثبت خطله وضيق أفقه، حيث تركز الحركات – وبإصرار عقيم – على سيادة قضايا السلام على مطلوبات التحول الديمقراطي كأنما (طائر) التغيير الجذري لبنية التخلف والظلامات يمكن أن يحلق بجناح واحد، عكس ما أفادت التجربة السابقة، الأمر الذي أثر سلباً على استكمال هياكل السلطة المدنية بتشكيل المجلس التشريعي الذي لم يرَ النور حتى كتابة هذا المقال. هذا غير المشاكسة حول تعيين الولاة المدنيين – في فترة سابقة – حتى ولو بشكل مؤقت ما قبل الوصول إلى سلام جوبا، مما خلق فراغاً دستورياً تأذت منه الولايات كافة التي ظلت تُحكم بذات العقلية (التآمرية)، مما أجج غالب النزاعات، وفاقم كثيراً من الصعوبات التي مازالت آثارها تتجلى حتى أواننا هذا.

غير أن الأكثر غرابة في أمر هذه (الحركات) ليس هذا الإصرار الأخطل وحده، الذي يمايز ما بين مطلوبات السلام والتحول الديمقراطي. بل إن الأكثر فجيعة؛ أن غالب هذه الحركات التي أصبحت الآن جزءاً من المنظومة الحاكمة، تنادي الآن بضرورة إجراء مصالحة شاملة مع المؤتمر الوطني، هكذا بلا أدنى حساسية أخلاقية أو حتى تكييف سياسي معقول، ثم بلا أدنى اعتبار، ليس فقط لاستحقاقات الثورة، بل لمظالم المكونات الاجتماعية ذاتها. وهو أمر يرسل علامات استفهام عديدة حول مدى إيمان هذه الحركات بقضايا ومظالم المكونات الاجتماعية التي ظلت تحتكر التعبير عن قضاياهم والتحدث بلسانهم.

إن أي مصالحة شاملة تروج لها هذه (الحركات) دونما محاكمات نزيهة وشفافة، ودون حتى إرساء دعائم عدالة إنتقالية تحوز على رضا وقناعة أصحاب الشأن، لا تُعد غير مقايضة رخيصة الثمن. فهل تنتبه حركات الكفاح المسلح إلى هذ التناقض الذي لا يليق بمن ظل يقاتل قرابة العقدين من أجل إرساء قيم العدالة.

* ما يحدث الآن من انفلات أمني وابتزاز احتجاجي – رغم اعتراف الجميع بمسبباته المنطقية – لا يمكن النظر إليه دون فحص دور المكون العسكري الذي يقع تحت يديه أمر استتباب الأمن، ومنع ومحاصرة التفلتات الامنية المصنوعة بحرفية بائسة، التي تهدف بالأساس لصناعة مقومات ردة تقضي على التجربة الديمقراطية في مهدها، من أجل استعادة الشمولية في ثوب جديد.

أقول: لا يمكن التغاضي عن حالة التساهل – إن لم نقل التواطؤ -المفضي لهكذا أحداث. الامر الذي يفرض على المكونيين المدني والعسكري الجلوس مجدداً لفحص هذه العلاقة التي يجب أن تكون إما شراكة حقيقية يدفع كل طرف ثمن أسهمها نقداً في بنك الثورة، أو إعلان إفلاسها، ومن ثم فضها بلا تأجيل، لأن ما يحدث الآن يطعن في مصداقية الطرفين معاً. إن حال هذه الشراكة التي تتأرجح بين خيال (النموذج السوداني) الذي ما فتئ يبشرنا به السيد رئيس الوزراء، وبين واقع أمرها المغروس في تربة الارتباطات القديمة التي أنبتت اللجنة الأمنية قبل تحورها إلى المجلس العسكري الانتقال، لهو حال يحتاج لتقييم موضوعي بعيداً عن الأمنيات الموغلة في الخيال، يحتاج الطرفان للتحلي بأكبر قدر من الشجاعة، ومثلها من الشفافية، لإشراك قاعدة القوى الثورية في حجم التنازلات المطلوبة من كل طرف، ليقبل بالآخر شريكاً من أجل إنفاذ مهام الثورة ومطلوباتها، بغير ذلك ستظل هذه الشراكة بوصفها الحاضر من أكبر معوقات التحول الديمقراطي، ومن أكبر مهددات التجربة الوليدة.

* تلخيصاً لما سبق؛ أرى ضرورة جلوس الأطراف الثلاثة بعقول مفتوحة لوضع حد لصراع إرادتهم المتقابلة من أجل المضي قدماً نحو الإيفاء بالتزاماتهم المنصوص عليها دستورياً، والمتوافق عليها ثورياً، والممهورة بدماء هي أغلى من أحلامهم جميعاً، غير ذلك فليستعدوا لشتاء شديد الوطأة .

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال