
اللوحة ذات الإطار
عمل الفنان التشكيلي فتح الرحمن باردوس رساماً بمجلة الثقافة السودانية، وانتُدب لتدريس مادة الديكور المسرحي بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح جامعة السودان 85-1989م، كما عمل أستاذاً لمادة الرسم الحر والتصميم الأساسي بكلية الخرطوم التطبيقية من 91 حتى 1996م له إصداران “بورتريه من زاوية أخرى” و”يوميات التشرد”. يكتب باردوس: “إن شرط الحرية هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر لأي ممارسة فنية يتوخى فيها المقدرة على الخلق والتجاوز”. باردوس تخرج في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية جامعة السودان وحائزٌ على دبلوم الدراسات العليا من أكاديمية الفنون بالقاهرة – المعهد العالي للفنون المسرحية 1985م. وتمر الذكرى الأولى لوفاة الفنان فتح الرحمن باردوس هذه الأيام. (المحرر)
بورتريه باردوس: من أعمال الفنان التشكيلي أحمد المرضي
اللوحات داخل المقال: من أعمال الفنان التشكيلي الراحل فتح الرحمن باردوس
فتح الرحمن باردوس
اللوحة ذات الإطار.. تلك المساحة التي خرجت للوجود على يد الإنسان وظلت عبر الأزمنة مثاراً للإعجاب والدهشة وإثارة المتعة البصرية من خلال ما تطرحه من قيم جمالية وفنية.
ويسهل ولوج عوالم اللوحة من بوابة النقل المباشر من الطبيعة أو البيئة أي عندما يختار الفنان للوحاته موضوعات مستوحاة مما هو معطى مسبقاً من تكوينات في الطبيعة والمجتمع واستنساخها فوتوغرافياً مستهدفاً من ذلك واقعية الشكل واللون والمنظور.
عندئذٍ تسهل قراءة اللوحة من قبل المتلقي لما لعناصر تكوينها من مرجعيات في ذاكرته لا تُخطِئها العين.

ويُطْرَح السؤال عن المعنى والدلالة عندما يعتمد الفنان على خلاصة تجربته البصرية ويتخذها منطلقاً لابتداع صيغ تراكيب جديدة تعكس رؤاه وعوالم خيالاته الخاصة المفعمة بإحساسه التلقائي باللون والخط والكتلة والفراغ.. والمدعم بتمكنه من أدواته الفنية ومراعاته لقواعد التكوين، جاعلاً من وعيه بعناصر المرئيات من حوله تجربة ذاتية محضة يعيد صياغتها وتشكيلها وفقاً لمنطلقات خياله الحُر وإدراكه الخاص.
ومن هنا تأتي معاناة الفنان في البحث عن الإجابة عن السؤال الأزلي عن معنى ودلالات أعماله.
فاللوحة شأنها شأن كل الظواهر الإنسانية الأخرى لها قوانينها التي تُحاكَم بواسطتها وبقدر اقتراب وعينا وإدراكنا لتلك الأدوات والقوانين اقتربت استجابتنا للعمل الفني ومن ثم الاستمتاع بجمالياته.
وقد صاحب مسيرة الحركة التشكيلية عبر تاريخها الطويل ارتباط القيمة الجمالية للعمل الفني بالغايات التي تهدف إلى توصيل المفاهيم الاجتماعية المختلفة من خلال اللوحة لما لها من تأثير مباشر على وعي وإدراك المشاهد.
لم تكن اللوحة من حيث الشكل والمضمون غاية مستهدفة لذاتها على مر العصور، إلا أنها بالرغم من ذلك لم تكف عن بسط غاياتها وقيمتها الجمالية الخاصة التي تنفذ إلى الوجدان عبر مسارب الشكل وتكتسب خلودها وديمومتها لما تتضمنه من خبرات تشكيلية عالية.
ولم يسلم الفن التشكيلي في الأزمنة الحديثة أيضاً من اختلاط الغايات، فالبرغم مما أحدثته المدرسة التعبيرية بمعناها الواسع من انقلاب وتمرد على القواعد الكلاسيكية في مجال الرسم، إلا أننا ما زلنا نجد في بعض مدارسها المختلفة اتجاهات ترى في التشكيل وسيلة من وسائل الإيحاء والرمز أو التعبير عن قضايا إنسانية يمكن طرحها بأدوات أخرى أكثر وضوحاً وجدوى، وهكذا لم تكن اللوحة من حيث الشكل والمضمون غاية مستهدفة لذاتها على مر العصور، إلا أنها بالرغم من ذلك لم تكف عن بسط غاياتها وقيمتها الجمالية الخاصة التي تنفذ إلى الوجدان عبر مسارب الشكل وتكتسب خلودها وديمومتها لما تتضمنه من خبرات تشكيلية عالية، وتثير المتعة والإحساس بالجمال بالرغم من الموضوعات التي تحتويها القيم والمفاهيم التي كانت تسعى إلى غرسها في الأذهان، ذلك لأن الخبرة التشكيلية المتقدمة تشق لنفسها طريقاً عبر تفاصيل الموضوع وجزئياته وتخضعه لشروطها الجمالية الخاصة، ومن ثم تحيله إلى وسيلة من وسائل إظهار جماليات العمل الفني.

إن الخبرة التشكيلية هي الأساس في محاكمة الأعمال الفنية، وهي المعيار الوحيد الذي من خلاله يمكن أن نحكم على اللوحة بالتوفيق أو الإخفاق، إلا أن ملابسات الصراع الاجتماعي ما زالت تُكرِّس اتجاهات في الرسم تعتمد على مفاهيم أفرزتها حركة المجتمع واحتياجات المراحل التاريخية المختلفة، مما أدى إلى تصعيد وسيادة بعض الاتجاهات التشكيلية من منطلقات ومواقع لا تمت للتشكيل بصِلة، ساهمت وما زالت تسهم في تعتيم الرؤية أمام الفنان بالكثير من المظاهر التي تميزه عن سائر البشر وتجعل من ممارسته شكلاً من أشكال السحر والمناشط المستعصية.
إن الفن باعتباره سعياً متواصلاً لخلق ممكنات لا نهائية في مجالاته المختلفة يشكل مسرباً خلاّقاً لوعي الإنسان وخبراته المكتسبة من خلال احتكاكه بالواقع والسعي نحو عالم أكثر رحابة وانعتاقاً، إن شرط الحرية هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتوفر لأي ممارسة فنية يتوخى فيها المقدرة على الخلق والتجاوز، فالواقع الاجتماعي يسعى باستمرار لتكبيل حرية الفنان وأسرها ضمن قيوده المختلفة خدمة لمؤسسات السيادة الاجتماعية السياسية وتوظيفاً لقدراته الخلاّقة في اتجاه بنى ثقافية وسياسية قائمة على الاستلاب والقهر الاجتماعي.
وقد أحدث الغزو الاستعماري كيانات اجتماعية متواطئة مع ميوله الاستغلالية، فرض من خلالها ثقافته، مستهدفاً بذلك إحداث شكل من أشكال البنى النفسية والاجتماعية تكون خانعة ومستكينة لهيمنته الثقافية خدمةً لأهدافه.
أتت أوعية الثقافة الغربية مصحوبة بالأسلحة وتكنولوجيا العصر كقوى مسيطرة ومتجاوزة لثقافة وإبداع الشعوب النامية، وخلقت بذلك شعوراً بالدونية الثقافية والاجتماعية، وأصبحت بذلك مهتمة في مبدئها وليست من طرائق استخدامها من قبل الكثيرين من المثقفين الوطنيين، مما حدا بالبعض إلى الانكماش والانغلاق على موروثاته السلفية والعودة إلى منابع الثقافة القومية كمحاولة للتمرد والانعتاق من سطوة ثقافة الغرب وهيمنتها. واتجه البعض إلى الامتثال والاعتراف بتفوق ثقافة المستعمر، ومن ثم جعلوا من أنفسهم ممثلين له في مختلف مجالات الفعل على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي.
أدى هذا الوعي المشوش الذي عملت على تكريسه سيادة الثقافة الغربية إلى تيارات في مجال الفن التشكيلي ارتكزت على ملابسات المرحلة وانحرفت بمسيرة الفن مساهمة بذلك في كثافة وازدياد الغموض والإبهام المفروض عليه.
وبدعوى الأصالة واستلهام التراث برزت إلى الساحة الفنية تيارات سعت لاصطياد دهشة المستعمر وإرضاءً لمغامرة الوافد الأوروبي الذي يسعى إلى اكتشاف مكنونات القارة البكر- غاباتها وصحاريها وإنسانها البدائي ووحوشها وإلى غير ذلك.
وانتهج رواد هذه الاتجاهات تجميع الموروثات التشكيلية باعتبار أنها تمثل التراث السوداني القائم على تمازج الحضارتين العربية والإفريقية، فأخذت أعمالها تُعبِّر عن هذا التمازج من خلال احتوائها على وحدات تشكيلية مستنسخة من الزخارف العربية والأقنعة الإفريقية والأعمال اليدوية، مما أدى إلى غياب الغايات الأساسية للممارسة التشكيلية حيث أخذت اللوحة تُفهم من خلال ما تمثله من الموروثات، وتُقيَّم وفقاً لقدرتها على عكس التمازج الحضاري بصرف النظر عن الخبرة التشكيلية التي توفرت لها.

يُعبِّر هذا المنهج عن اختلاط غايات التشكيل بغايات أخرى من حيث كونه استخداماً للفن التشكيلي كمحاولة الانكفاء على التراث الحضاري للأمة في وجه الهجمة الثقافية الاستعمارية من جهة، وإشباعاً لرغبات السائح من جهة أخرى بدلاً عن إقامة حوار مباشر مع العناصر الإيجابية الكامنة في ثقافة الإنسان الأوروبي، وبالتالي إمكانية تبادل خلاّق لخبرات الإنسان في مختلف بقاع الأرض باعتبار أن كل إنجازات البشر هي ملك مشاع للذهنية الخلاّقة القادرة على الهضم والتجاوز المستمر للأُطر العرقية والقومية الضيقة.
ومن جانب آخر يستلب هذا الفهم قدرات الإنسان على الإبداع حيث يختزل قدراته الإبداعية في عملية استحضار الوحدات التشكيلية الموروثة وتجميعها في لوحة، وهي مقدرة لا تتطلب مهارات كبيرة حيث أنها لا تتعدى فتوغرافية الممارسة التشكيلية القائمة على الاستنساخ والتقليد.
ويأتي تملق الذاكرة الشعبية كأحد احتمالات المعالجة التشكيلية من حيث أنه محاولة لتثبيت استجابة الإنسان عند حدود الموروثات المتوفرة له في مختلف الوسائل المستخدمة في حياته اليومية وهي بديل عن إيجاد صيغ وتراكيب جديدة تنتقل باستجابة وتذوق المتلقي إلى درجة أعلى من درجات الوعي التشكيلي.
قد كانت هذه الاتجاهات تسعى إلى تسلق الحياة التشكيلية من مواطئ قدم السائح الأوروبي وولعه المحموم بالفنون البدائية، وتكريساً لمفهوم قومية الثقافة الناتج عن عدم المقدرة على التفاعل والحوار المتكافئ مع مجمل الخبرات الإنسانية في مختلف مجالات المعرفة.

