
شوقي أنا للبلد بي حالا والشوق لي تراب أهلي (13)
لهفي عليك يا وطني، بأجواء شبيهة بهذه التي تمر بنا الآن، طغت الانتخابات بكل توابعها من مشاحنات وعرض برامج واستقطاب هؤلاء واستبعاد آخرين، هي هي، وكأن الزمان يعيد دورته. كان الاقتراع قد انتهى، والكل ينتظر نتيجة الانتخابات ليرى من هو الفائز ليمثل المنطقة، الأعصاب مشدودة، التوقعات تتباعد وتتقارب، الاتهامات تــُكال هنا وهناك، الإشاعات تنطلق فى كل اتجاه. حركة دؤوبة غمرت منطقة كريمة جيئة وذهاباً، عربات، دواب، مواكب تسير راجلة، رغم صغر سني في ذلك الوقت، إلا أن هنالك إحساساً بأن الكل في انتظار حدث مهم، في هذا الجو المشحون جلست أتصفح بعض كتابات أبي إسماعيل :
عليكم الله ياجلابة
لو في يوم من الأيام
قوافلكم على حلتنا ساقا الشوق
******
تلاقوا بويتنا
فوق درب الترك
قاعد يشابي يشابي
كاتلو الشوق
****
يناديكم يسالمكم
ويسألكم عن الغايبين
وحالهم كيف
في البلد البعيد بي فوق
****
قولوا ليهو حالن حال
ده حالاً
أصلاً لا يرضاهو
لا خالق ولا مخلوق
****
قولولو الصغير شاب
وحتى الفضلوا
فضلوا عقاب
وفي تيه الزمان والغربة
شدو النوق
****
لا أم لا حبيب لا خال
ولا أخيتاً
تغرق في ترابنا عروق
***
وصبحنا على الدروب
طاشين
وما عارفين
خطانا تسوقنا
ولا نســــوق
من كان يقصد إسماعيل بالجلابة الذين سأهم واصطحبهم معه في قصيدته؟ أليسوا هم أهلي الذين أحسستهم في دواخلي؟ أليسوا هم هؤلاء الذين غمروني حباً وحناناً وعطفاً امتداداً للود الغامر المتصل بينهم وبين أبي؟ ما أجمل ملتقاكم يا أهلي، ليت الزمان يسمح لي أن أظل بينكم.
تجمع أهالي الزومه نساء ورجالاً وأطفالاً يحملهم إحساس قوي أن ابنهم إسماعيل سيفوز في هذه الانتخابات، وأعدوا أنفسهم للاحتفال بالانتصار العظيم. كيف لا وقد حشدوا كل طاقاتهم منذ أيام خلت جابوا فيها المنطقة شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، يقيمون الليالي السياسية، ويعرض إسماعيل برنامجه الانتخابي، وكان أسلوبه الخطابي وطريقة عرضه المميزة نثراً وشعراً جاذبة لكل أهل المنطقة.
حدث أن بدأ فرز الأصوات بمدرسة كريمة الثانوية التي كانت مركزاً للفرز، وكالعادة أحضر كل مرشح مندوبيه ليراقبوا عملية الفرز، وعندما بدأ فرز الأصوات كانت الغلبة لمرشحين آخرين، وعلى ما أذكر كان المتقدم مرشحاً اسمه عبد الرافع، ودب اليأس في نفوس الآخرين، بينما أبي يستلقي على قوز رمل في فناء المدرسة يبث أشواقه وحنينه لتراب البلد الغالي.
بدور
أشرح حكايتي براي
ومن يومي
البقيت غنـــًاي
بقيت يا ناس
وحب الناس
سكن في جوفي
جوة عضاي
وغرقان في مآسيهم
مراكبي تفوت
تفوت وتفوت
وياما ضاربة في اللجات
تحن وتكوس وترجع لي مراسيهم
أقالد النسمة فيها بدوب وجوة الجوف
عواصف الريد تسوي الووب
ترد الروح نسيمه تفوح تهبهب من أراضيهم
فوا أسفاي .. ووأسفاي
نص الليل على الأبعاد
ومن أبعد من الأبعاد
مناحتي تقيف إذا ناحت سواقيهم
وكيف يا ليل وكيفك .. كيف؟
إذا قت ليك شيل الشوق
سلامي كتير كتير وكتير
وسلم لي … للأحباب ووصيهم
أزغرد فوق أراضيهم
بحب الناس أنا المكتول بحب الناس
وكل منايا أبقى حجاب
من المقدور أغتيهم
كان مناديب أبي يتبادلون المواقع بين غرفة الفرز والجلوس مع إسماعيل فوق القوز، ورغم النتائج الأولية إلا أن أملهم في الفوز لم يفتر، ولم يجد اليأس إلى أنفسهم طريقأ، وكان إيمانهم قوياً أن منطقة الزومة وما جاورها ستكتسح الأصوات، ويفوز إسماعيل بالجولة.
بدأ الليل يزحف رويداً رويدا، وبدأت صناديق الزومة تقلب الموازين ليظهر الفرز تقدماً لإسماعيل على بقية المرشحين، وصارت كل الأوراق تظهر تقدم الغزالة رمز إسماعيل، وبدأت الأصوات ترتفع من (1500 .. 1700 .. 1900 .. 3000 .. إلى أن تعدت الـ 4500 صوت)، وقتها بدأت تباشير الفوز تظهر على أبي، فقال قولته المشهورة: “الليل برد والصيد ورد”.
كان مؤيدو المرشحين الذين سبق لهم التقدم يتندرون على أهل الزومة، فيرفعون أصواتهم عند ما يقتربون منهم بأنهم سيجهزون شربات الفرح بالانتصار فى صهاريج المياه، وأن مركز الاحتفال سيكون في هذا المكان أو ذاك.
بعد تقدم رمز الغزالة، خفتت تلكم الأصوات وتوارت بعيداً عن الساحة، تم الانتهاء من فرز الأصوات، وكانت النتيجة فوز إسماعيل حسن، عمــّت الفرحة، ارتفعت صيحات الفرح، وانطلقت تباشير الفرح، وهلل أبي وكبر، وذرف الدمع فرحاً.
توجه الموكب نحو جبل البركل حيث كانت الباصات واللواري في انتظار أهل الزومة، وانطلق الموكب بهتافات داوية شقت سموات القرى المنتشرة على طول الطريق، وعند الطريق المتعرج وسط سلسلة جبال كجبي، بينما يتهادى الموكب في سيره، إذا بغزالة تنطلق أمام العربات وكأنها تعلن بقفزاتها مشاركة أهلي بالفوز.
وصل الموكب إلى مشارف الزومة، ووصل الهتاف قبل وصول الوفد، فهاج كل المنتظرين، واختلطت صيحات الفرح وزغاريد النساء، فجأة رأيت هذه القرية الوادعة الهادئة شعلة تضيء، هذه القرية صارت مدينة مضيئة، تفتح أذرعها لتحتضن فرحاً قادماً. غمرني فرح لن أستطيع وصفه، كل شيء حولي فى عناق، الكل في عناق فرح، حتى النخيل انكفأ على النيل يعانقه، وتلك النخلة التي ترمز للعز والشموخ زادت طولاً.
هذا التراب الذي يجذبني إليه يحتويني، يتغلغل في مساماتي، أستنشقه هواء صافياً، هذا الحب الذي يجعل التراب هواء صافياً يدخل الرئة هو حب لن يتغير. ظل الجميع ساهرون إلى ساعات الفجر الأولى رغم الإرهاق، وأعلن الجميع أن مهرجان الفرح سيقام نهار الغد.
كان مهرجان فرح، كان مهرجان تبادل الوفاء بالوفاء، كان موقفاً عجز الكل عن التعبير عنه دواخله، كان إحساسهم فوق طاقتهم، تحت تلك الشجرة الكبيرة الشبيهة بشجرة التبلدي التي ترمز لوحدة أهلي. ضـــُرب النحاس، وتوافد الناس زرافات ووحدانا، ورنت الطنابير وصوت الدليب.
كنت أرقص وعلى رأسي الطرحة على كل نغمة تصل مسامعي، مرة مع النحاس، ومرة مع الدليب، وأخرى مع الطار. كل بيوت القرية اعتبرت القادمين ضيوفها فكانت الصواني تــُحمل منها بما لذ وطاب. كل أنواع العصائر، كل أنواع التمور، كل أنواع الطبيخ. قضينا كل النهار في هذا المهرجان إلى أن أعلنت الشمس عن غيابها نحو الغرب.
لحظات الغروب كانت تعلن عندي اقتراب رحيلي من القرية، القرية التي أحببتها وأحببت أهلها، كيف لي أن أفارق فتيات القرية اللآتي لازمنني طيلة أيامي السابقات، لن أحتمل فراقكم أهلي، لكن برنامج أبي يحتم علينا الرحيل.
عند الغروب، حضر أهل الكاسنجر يتقدمهم أولاد حاج الماحي، ووقف أهل الزومة في صف، وبقية الوفود في صف آخر، والطنابير كانت حاضرة، ووقف أبي في نقطة تلاقي الجميع، ووقف الجميع على شاطىء النيل وصدح المداح بحب الرسول. ارتفعت حناجر عشاق المديح، وانخرط المجاذيب يدورون عشقاً وطرباً.
هنالك كان يجلس شيخ كبير يحمل سبحة لالوب ألفية يجذب حباتها بطريقة شدت انتباهي، وما زلت أذكر منظره وكأنه أمامي الآن، وقف الجميع أمام النيل يودعونه سرهم، يوثقون لمحبتهم ووفائهم، هذا الإحساس الذي غمرني في تلك اللحظات هو زاد أحمله معي أينما حللت.
التحية لك أرض أهلي المعطاءة، التحية والحب لك شمالنا الحبيب الذي أنجب الطيب صالح وإسماعيل حسن والنعام آدم وحسن الدابي وبت ود خير. كلكم قامات يا أهل الشمال، لكم مني معزة، لكم عندي محبة.
تصور كيف يكون الحال
لو ما كنت سوداني
وأهل الحارة ما أهلي؟!

