‫الرئيسية‬ مقالات شوقي أنا للبلد بي حالا والشوق لي تراب أهلي (12)
مقالات - 25 يناير 2021, 11:11

شوقي أنا للبلد بي حالا والشوق لي تراب أهلي (12)

الذكريات

أخذني أبي في سياحة داخل البيت الكبير الذي يتكون من غرفتين وراكوبة كبيرة، بدأنا مرورنا بإحدي الغرفتين وهي غرفة حبوبة ستنا (جدة إسماعيل من ناحية أمه حد الزين)، كانت محتويات الغرفة عبارة عن ثلاثة عناقريب وبترينة من الطراز الجميل الذي يــُعد من أساسيات تأثيث منازل ذلك الزمن. كانت هذه الأشياء تبدو باهتة الملامح نتيجة تراكم غبار السنين عليها، ولعلها بذلك كانت تعبر بطريقتها على حزن عميق لمفارقة ساكنيها لها، والوحشة التي خيمت عليها، ولم يعد يدخلها أحد ليهتم بها.

كان من بين محتويات الغرفة صندوق كبير مــُزين بألوان زاهية، سألت أبي عنها، فقال لي هذه هي (السحارة)، هذه خزانة حبوبتي ستنا التي تضع فيها نفائس ممتلكاتها، اقتربت منها أريد فتحها، حذرني أبي من فتحها، فلربما كان هنالك ثعبان أو عقرب بداخلها. زاد فضولي وأصررت على فتحها، فطاوعني أبي في تلبية طلبي، وعندما فتحنا (السحارة) وجدت فى داخلها أشياء كثيرة مختلفة، بعضها نحاسي، وبعضها فضي، وأشياء أخرى ملفوفة بقماش، وأخرى فخارية. اندهش جميع الحضور لتلك المحتويات، قال إسماعيل إن كل قطعة من هذه القطع لها ذكرى ومناسبة.

إنه تاريخ فترات مضت يحكي عن حقبة كان لها أبطالها وأحداثها، قفزت فرحاً وصرت أعبر عن فرحتي هذه وسط أهلي، وكأنني اكتشفت قطعة أثرية نادرة. واصل أبي سياحته بنا داخل البيت الكبير، وكانت كل خطوة يخطوها أمامنا تفتح داخله مساحة لا محدودة لزمن عاشه بكلياته وسط حنان أمهاته على تراب هذا (الحوش) الديمة مرشوش.

بعد جولتنا، اجتمعنا داخل الراكوبة وتوسطنا إسماعيل، جلسنا على بنابر تحكي عن جلسات سمر شهدتها هذه البقعة، شخص أبي بنظراته بعيداً يبحث عن ساكني الديار الذين كانوا، بينما نحن جالسين، إذا بحبوباتنا: سليكية، والعاجبة، وزينب بت الحرم. وجدي محمود إسماعيل وآل القرشاب. قالدن حبوباتي إسماعيل: “حليل حد الزين، حليل ستنا، حليلن وحليل حنيتن، يا حليلك يا إسماعيل يا وليدي، فتونا خليتونا براااانا”. وسط هذا النغمات الشجية الحزينة انهمرت دموع كانت أغزرها دمعات أبي التي أبكتني وهزتني، وربما كان هذا الموقف هو الذي زرع حنية أهلي وحبهم في دواخلي إلى يومنا هذا، وسيظل إلى ما شاء الله، حبهم وحنانهم زادي في مشوار حياتي مهما اختلفت بي المراسي.

وقف جدي قائلاً: “يا ولدي إسماعيل الغدا معانا، ويا جماعة كوووولكن معزومين معانا، يا ولدي حاجة السعدة وبناتا سهام وإخلاص وحياة من صباحاً بدري راجتنك عندنا، والبلد كلها هنوووووك، إنت غاتس مع حبوباتك، حليلن وحليلن بالكتير”. سدت العبرة حلق جدي محمود، غلبته دمعة انحدرت على خده، حاول أن يخفيها، لكن إسماعيل الذي كانت كلمات جدي محمود قد اخترقت كل خلجاته، أجهش بالبكاء وقتها، تقالد الرجلان وأجهشا بالبكاء، وما أغلى دموع الرجال.

تهيأنا للخروج من منزل حبوبة ستنا، فإذا برجل تكسوه هيبة الشيوخ يقدم علينا ويحتضن أبي بحنية وسلام بدا لى غريباً على الأيادى بعد ضمها على الصدر، ناداني أبي قائلاً: “تعالي يا أحلام سلمي على شيخ المبارك شيخ الظهر”، وجدت نفسي أكسر كل الحواجز وأفصح أمام الجميع: “المبارك شيخ الظهر شوفني جنيت ولا دستر؟!”، ضحك الشيخ وقال لي: “يعفوا عنك ويرضوا عنك”، رديت عليه: “بي دستورن أولاد ماما”. ضحك الجميع لهذا الحوار وليد اللحظة.

وصلنا منزل جدي محمود، وجدنا أهل البلد في انتظارنا وقضينا وسطهم لحظات لا تنسى مشبعة حنية ووفاء وترابطاً أسرياً، كانت وليمة مشهودة، وكان جمعاً محضوراً يحكي عن زمن مضى ولن يعود لأن أبطاله رحلوا.

اتجهنا عصراً إلى أم درق لزيارة حبوبتي آمنة بت أم درق، والتي كانت تحفظ الكثير من الشعر وتلقيه بطريقة مشوقة، كان أبي يحب حبوبة آمنة، دخل أبي أمامنا وانكفأ على حبوبتي آمنة يقبل رأسها، وهي تتشبث به تجره عليها، تقربه منها، تشم أنفاسه، تتمسح به ويتمسح بها. عندما هدأت ثورة اللقاء، جال كل منهما بنظراته في الآخر، ثم أدارت حبوبتي آمنة نظرها في أرجاء المكان، بينما كان أبي ينقر الأرض بالعصا نقرات خفيفة. سألته حبوبتي: “تتذكر يا إسماعيل لمن النعام غنى: أنا والله طاريك يا أم درق طاري العشيرة؟! وتتذكر لمن أمك حد الزين بكت (واتنخجت) عديل وغلبنا كلنا نسكتا ؟!”. رد عليها: “كيف ما بتذكر، هو دي حاجة بتـتـنسي يا حاجة آمنة؟!”.كانت كلمات أبي تخرج خلال دمعات تتقطر كلما عزف أحدهم على أوتار إحساسه الرهيف، كانت جلسة ما منظور مثيلا.

واصلنا تجوالنا، زرنا خلوة البار التي تلقى فيها أبي أولى مراحله الدراسية، ورسم لنا صورة حية لبرنامج الحيران وطريقة جلوسهم حول النار التي يوقدونها أثناء مذاكرتهم لكتاب الله، وكيف كان شيخ الخلوة يقوم بدور المعلم والمربي والمرشد، جلس أبي على الأرض واتكأ على جانبه وكأنه يراجع لوحه. من الخلوة ذهبنا إلى جبل الصلاح جبل كلنكاكول، عند سفح الجبل وقفنا، أحسست برهبة المكان، أشار أبي إلى قبر جدي إسماعيل الولي الذي ســُمّــي عليه أبي، شعرت أن هناك جاذبية تشدني سحراً إلى جذوري الضاربة في باطن الأرض، هذا الفخر الذي أحمله في داخلي سيظل يملأنب عزاً ما حييت، وقف إسماعيل شاخص ببصره نحو الجبل وبدأ ينشد:

كـُـلـُــنـْـكـَـاكـُــولْ ………. أبـُـو الـصُّــلاَّحْ ويـَـابـَـا
يـَـا جـَــبـَــــــــلاً ……. يـَـطـِـلْ فـُــوقْ الـسِّـحـَـابـَـه
**
تـَـوَاريــخـَــكْ ……. بـَــدَتْ فـَــجْـــرْ الــصَّــحـَـابـَـه
وسـِـجــِـلْ الـخـَـالـِــدِيــنْ ……… مـِـنـَّـــكْ بـَــدَابـَـه
**
ولـِــيـــدَاتـَــكْ بـَـعــِـيـــدْ ….. فـِى الـغـُــرْبـَـه يـَـابـَـا
صَــغـَــيـْــرُونـُــنْ كــِــبــِـــرْ والـلـِّــيـــلـَـــه شَــــابـَـا
**
دِريــــبْ الــرَّجْـــعَــــه ….. مَــا لـِــقـَـــتـُــو بـَـــابـَـا
مَــرَاكـْــــبْ الـغـُـــرْبــَـه ضَـــلـَّـــتْ فـِـى عـُــبـَـــابـَـا
**
حـِـلـِـيـــلْ الــفـِـى الـبـَـعــِـيــدْ حَــضَــنْ الـصَّـبـَـابـَـه
عـَــزَاهـُــو غـُــنـَــاهـُــــو فـِـى وَتـَـــــرْ الــرَّبــَــابـَـه
**
طـِـريـــتـَـــكْ يـَـا الـجَّـــبـَـــلْ كـَـاسْــيـَــاكْ مَـهـَــابـَـه
طـِـريــــتْ أهـَــلـِـى وطـِـريــــتْ نـَــاسَـــاً تـَــعَـــابـَـا
**
فـِى حـَــــرْ الــشَّـــمــِـسْ ضَـــايـْـقــِــيــنْ عـَـــذابـَـه
لا غـِــيـــمَـــاً يـَـمُـــرْ ………. لا ضُـــلْ سـِحـَـابـَـه
**
نــِــهَــــارُن فـِـى الـجـُّـــرُوفْ مــِــيــــدَانْ حـَـــرَابـَـا
سَـــلالـِـــيــكـُــنْ سَـــنــِــيــنـِـى تـَــقـُـــولْ حـُــرَابـَـا
**
سَــوَاقـِــيــنـَــا الــتـَّــنـُـوحْ فـِـى الـلـِّــيـــلْ عـَــذابـَـا
وحـِـسَّــهَــا فـِى الـبـَـعـِــيــدْ يـَـهَـــدِى الـضَّــهَــابـَـا
**
جـَـــدَاولـُـــــنْ الــتــَّــــوَلـْـــولْ فـِـى إنـْــســِــيـَــابـَـا
زَغـَــاريـــدْ سَــمْــحـَـه كـَـاتـْـبــِــيــنْ لـِـى كـِـتـَــابـَـا
**
تـُـمُــورْنـَـا الـشَّــابـْـكـَـه دِى الـشَّــارْفـَــاتْ رُقــَـابـَـا
مـَــــعَ نـَــفـَــــسْ الــدِّغـِــيــــــشْ زَىَّ الــهَــبـَّــابـَـه
**
طـِـريــتْ الــقـَــلـْـعَــه شَــبـِّــيــتْ فـُـوقْ هـِـضَــابـَـا
وفـِـى وَاطـَــاتـَـــا ……. جـَــرْجـَــرْتَ الـكـِــتـَــابـَـا
**
كـِـبــِـرْتَ …….. ومَـا كـِــبــِـرتَ عـَـلـِـى رحـَــابـَـا
رضـِــعْـــتَ الـحـَـالـِـى مَــــمْـــزُوجْ بــِى شَــــرَابـَـا
**
مُــشْـــتـَـاقْ لـِـى حـَــدِيـــثْ نـَــاسْ يـُــمَّــه يـَــابـَـا
كــِـلــِــيـــمَـــــاتْ وَا شــِـــريــــرى ويـَـا خـَــــرَابـَـا
**
طــِـريــتْ حـَــبـُّـوبـْــتـِـى لـمَّـا تـَــقـُـولْ لـِى يـَــابـَـا
تـَــكـْـبـَـــرْ يـَـالـخـَــزيـــنْ دُخـْـــــرى الــتـَّــعَــــابـَـا
**
طـِــريـــتــَــا … طـِــريـــتْ عـُـكـَّـــازَا وحـِـجـَـــابـَـا
وعـِـنـِــيــقـْــريــبـَـه وكـَـمَــانْ بـُـقـْـجـَــتْ تـِــيـَـابـَـه
**
ويـــنْ ودَّ الــنـِّـمــِـيـــرْ …… فـَــارْسَ الــحـَـــرَابـَـا
شَـــايـْــلـِــيـــنْ الـــــــــدُّرُوعْ شَــــــدُّو الــكـَــــرَابـَـا
**
ويـــنْ فـَـــاطـْــنـَــه أمْ حـِـجـِــلْ ويـــنْ يـَـاجـَــلاَّبـَـه
فـِـى زَمَـــنْ الــمَــحـَــلْ ……… والـــدَّارْ خـَـــرَابـَـا
**
طـِــريـــتْ بـَـلـَـــدِى وطـِـريـــتْ ريــحـَــة تـُــرَابـَـه
عـُـرُوقْ الـطـِّــيــبـَـه ضَـــارْبـَــاتْ فـِـى شـِــعَـــابـَـا
**
إتـْــعَــلـَّــمْـــتَ …….. مـِـنْ صَــفـْــقـَــة شَـــبـَـابـَـه
حـَـــلاوْة الـــدُّنـْــيـَــا فـِـى هَـــمْـــــسْ الـــرَّبـَـــابـَـه
**
دِلـِــيـــبـُــنْ زَىْ هَــــدِيـــرْ الــرِّيــــحْ فـِـى غـَـــابـَـه
ويـَـا طـَـــرَاوْة الـلـِّـــيـــلْ مَــعَ الـنـَّــاسْ الـطـَّــرَابـَـا

رأيت أن أقف فى وسط أهلي الصــُلاح وأنا استعد غداً لإجراء عملية بالصمــّام، عسى أن يكون هذا التواصل لأهلي قوة أتجه بها إلى الله أن يديم علينا وعليكم الصحة والعافية.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال