‫الرئيسية‬ مقالات شوقي أنا للبلد بي حالا والشوق لي تراب أهلي (11)
مقالات - 23 يناير 2021, 13:47

شوقي أنا للبلد بي حالا والشوق لي تراب أهلي (11)

في إطلالة هذا الصباح المشرق بينما كنت أجلس على هضبة مرتفعة أراقب شمس ذلك الصباح وهى ترسل أشعتها الذهبية من خلال أشجار النخيل لتملأ الأرض نوراً فتختلط الخضرة بالذهب بزرقة النيل فترسم لوحة يستحيل لبشر أن يجسدها.. فسبحان الله خالق كل شيء.. يحملني إليكم مركب الشوق إلى أرض الزومة الحبيبة وسط النخيل والجروف.. ذكريات تخللت مساماتي فجرى عشقي لها ولأهلها مجرى الدم.. أحببتهم بقدر محبتهم لأبي إسماعيل.. تنسمت طيبتهم.. رضعت من صدقهم.. تشربت وفائهم..
_ طلب مني أبي أن أستعد لزيارة الأهل بمسقط رأسه في قرية (البار).. ففرحت كثيراً واستعديت مع شقيقتي أماني وصويحباتي اللاتي تعرفت عليهن إبان فترة زيارتي لمرافقة الوالد.. توجهنا إلى قرية مقاشي التي استقبلتنا بكل فرح وكرم ولقد سعدت أيما سعادة عندما رأيت كل هؤلاء النفر يتدافعون نحو أبي وبالطبع ينالنا الكثير من الترحاب والملاطفة عندما يعرفون أننا أبناء إسماعيل.. ولقد أصروا علينا للمكوث معهم لفترة أطول إلا أن ضيق الزمن لم يمكننا سوى ساعات معدودة تحرك ركبنا بعدها إلى الأراك حيث كان الناس يصطفون على جانبي الطريق تعبيراً عن فرحتهم بنا.. بدأنا زيارتنا للأراك بزيارة للشيخ الوقور (شيخ أحمد) ذلك الشيخ الذي يكسو وجهه الصلاح ونور القرآن يضيء محياه.. تشعر بالهيبة وأنت تدخل عليه.. ما زلت أذكر كيف أن شيخ أحمد قد قرّبني منه وقرأ بعض الآيات وهو ممسك برأسي ومن ثمّ دعا الله أن يحفظني ويبارك لي وزاد على ذلك بأن أهداني (علبة حلاوة كبيرة) احتضنتها بكل فرح تبركاً بهذا المكان الطاهر الذي يــُــتلى فيه كتاب الله ليل نهار ويلجأ إليه كثير من المريدين للتفقه في دينهم والسؤال عن ما يقابلهم من أحداث يريدون معرفة رأي الشرع فيها، فشيخ أحمد هو مرجعهم وشيخهم الذي يستمع إلى مشاكلهم ويفتيهم بطريقة لا غلو فيها متلمساً أبسط الطرق في شرحها لهم بكل لين وطيب خاطر مما جعله قبلة لأهل القرى المجاورة.. رحم الله شيخ أحمد وأنزل الرحمات على قبره وجعل أعماله ثقلاً لميزان حسناته فقد رحل عن هذه الفانية فبكيته لأني أحببته…
_ بعد ساعات قضيناها بالأراك توجهنا لقرية البرصة الخضراء وها هي تخرج لاستقبالنا وعلى رأس مستقبلينا وقف الشيخ العجيمي مرحباً بمقدمنا فصحبناه إلى مسيده حيث نار القرآن وحيث تتنزل البركات ويتدافع الأحباب وبعد واجب الضيافة والدعوات انتحى أبي بالشيخ العجيمي ودار بينهما حوار لم نتبين فحواه، لكني رأيت علامات الارتياح تظلل وجه أبي، فاستبشرت خيراً بعدها رفع شيخ العجيمي يده داعياً لنا جميعاً وخص أبي بدعوات أن يوفقه الله في مسعاه.. خرجنا من المسيد لزيارة بعض الأسر التي لا يسمح ظرف أفرادها لكبر سنهم أو لمرض أقعدهم من الحركة فكان لزاماً علينا من الوصول إليهم براً بهم ووصلاً للرحم …
بعد ذلك توجه ركبنا إلى قرية البار حيث البيت الكبير… تهلل وجه أبي فرحاً وانتابته حالة فرح طفولي فرفع يديه بالشــُكر لله أن أعاده لبيته وصاح (يا بنياتي أنا ولدوني في البيت ده).. كنت أقف بجانب أبي.. سرحت مع فرحته التي حملتني إلى زمن مضى استعرضته خيالاً.. تخيلت أبي طفلاً يلعب على كثبان الرمال البيضاء.. يخطو أولى خطواته وسط أهلنا الطيبين يتشبع بجمال الطبيعة الخلاب يستمد منه الإحساس المرهف وينتقي الكلمة الشفيفة التي تلامس القلوب.. هذه الطبيعة التي تنقي النفوس وتضيف عليها صفاءً تتساقط أمامه الضغائن ويختفي عند مقامه الحسد.. سرحت مع صفاء نيلنا وخضرة نخيلنا وشموخ أشجاره التي تجعل النفوس تسمو والحب يصفو..
__ رغم أن جدتي لأبي (حد الزين) كانت قد انتقلت للرفيق الأعلى (عليها الرحمة) إلا أن أبي أصر على دخول المنزل مستصحباً معه بره بأمه وكل ذكريات طفولته فكان أبي عند دخوله للحوش الكبير غير إسماعيل الذي أعرفه… خـيل لي أن صورة شخص آخر قد تقمصته.. صار يجول في المنزل بحركة عشوائية دون ترتيب يوزع نظرات مبعثرة بين زمنين جرى بينهما تغيير كبير وانتقل خلاله الطفل القروس إلى أب يسكن المدن ويملأ صيته الدُنا.. لكن كل ذلك لم يغير طبيعة أبي المتواضعة البسيطة التي تعيش وسط الغلابا تستنشق مشاكلهم وتبثهم كلمات الريدة التي تعبر عن دواخلهم سهلا ممتنعاً.. سألت أبي عن المبنى الذي نحن بداخله فقال لي يا بنيتي هنا ولدت أجمل قصائدي وحتى القصائد التي كتبتها وأنا بعيد عن هذا المكان جسداً كنت أصحبه معي روحاً.. لولا هذا المكان لما كان إسماعيل… أما هذا المكان الذي أقف فيه الآن بالتحديد فهو الديوان الديمة مفروش..

الصغيرة شجيرة الأراك
ياقمر عشرة الفي سماك
شاغلة روحي وقلبي المعاك
وين لقيتك لامن آباك
القمر بوبا عليك تقيل
…………….
العيون الما بدمعن
نامن أو صاحيات يبرقن
لا بصيدن لا بعشقن
سرهن في الجوف يحرقن
كشفن رموشن أو غمضن
كلو موت ما تقول برحمن
القمر بوبا عليك تقيل
……………
الصغيرون الما كبير
الرقيبة قزازة عصير
السنون براقن يشيل
العيون متل الفناجيل
مابتحش قش التناقير
مابتشيل جردل على الزير
الزراق فوقا تقول حرير
شتتي الشبـّال يا أم ضمير
خلي قلوب الصبيان تطير
انتي ريحتك دمور فرير
ولا بت السودان اصيل
القمر بوبا عليك تقيل
……………..
القديما قديما الحمام
الويزيزين في موجو عام
ياما رايقه قليلة كلام
واااحلاتا تقول السلام
القمر بوبا عليك تقيل
……………..
الغزال الفوق في السلم
المحبة تزيد الألم
كل يوم اصبحلي في هم
سيسبان عودك منظم
شمعدان نفسك مختم
البرتكان نهدك مدردم
القمر بوبا عليك تقيل
……………..
الجزيرة أم بحرا حما
فيك روحي وحبي النما
مابسيبا ان بقا في السما
ما بخلي الناس تظلما
روحي في دربك هايمة
يا غرق يا جيت حازمة
القمر بوبا عليك تقيل
…………….
الصغيرون ام الجنا
ياكريم ربي تسلما
تبعد الشر من حلتا
تسلم الأم الولدتا
الفي جبل عرفات وضعتا
تسلم البطن الجابتا
دي ترباية حبوبتا
التميرة الفي سبيطتا
الصفار صابغ خضرتا
معزوره امها كان دستا
وااااهلاكي الناس شافتا
معذباني انا ود حلتا
القمر بوبا عليك تقيل
……………..
الدفيفيق الدابو ني
البسيمتو بتكويني كي
اهلو ضنو عليهو وعلي
حبك النساني والدي
ما بخليك إن بقيت حي
يا قصيبة السكر الني
نهدك الما رضع جني
ووب على امك ووبين علي
القمر بوبا عليك تقيل
……………..
الديوان الديمة مقشوش
بالزهور والورد معروش
بالحرير الأصلي مفروش
ريحتو مايقوما بلا رتوش
كان دا وصفو ماهو مغشوش
قدروا الساكنينو في الحوش
القمر بوبا عليك تقيل
…………….
بحر الدميرة العبا ونزل
مرة يسقي الفل والنخل
فيهو عام وزينا وقدل
بعت روحي عشان ليك اصل
وانت ابعد لي من زحل
يا قمر بوبا عليك تقيل
…………….
المبارك شيخ الظهر
العليك ساسكت وفتر
قلي جنيت ولا دستر
واي أنا المرضان مكنتر
جابو لي حكيم خير وشر
قالي يا زول مرضك كتر
سببك أم شلاخا خضر
القمر بوبا عليك تقيل
…………….

كانت تلك أيام وكان ذلك زمن له نكهة بطعم البرتقال وشموخ النخيل وصفاء النيل وطيبة أهلي.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال