‫الرئيسية‬ ثقافة مجتزأ من رواية (وبال في كلمندو)
ثقافة - 23 يناير 2021

مجتزأ من رواية (وبال في كلمندو)

إبراهيم إسحق

“ما أعْجَبَ قولُ النَّاسِ: فُلانٌ رَبُّ الدَّارِ، إنَّمَّا هُوَّ كَلْبُ الدَّارِ”

عمارة بن حمزة بن ميمون

كَلْتُوْمَة (1)

جاءَ في لواري الليل، حدَّثني وَدْ أُمْ عَجَبْ.. يقول لي: أقفلتُ الرَّاديو حوالى الثَّانية عشرة والنِّصف بعد موجز الأنباء إذ يحضره الزَّبائن من أعالي الدَّكَّة جنوبها وشمالها ووسطها.. تغطَّيتُ ووضعتُ الكالوت تحتي وتمددتُ.. ثُمَّ طلع ذلك الأزيز من وراء جنوبي رأس الجاموس، أتسمَّعُ للشخير الهادر، أعرفه عند قيزان الدِّويمات حتماً يعاني اللوري فيه الأمرَّين.. قلتُ لنفسي: “أرقد يا ولد”، ربما ناموا على رأس الجاموس. فلم أُحفِّز نفسي لإيقاد الجمرات ولا لوضع الغلَّاية على اللهب كرة ثانية..

لكنَّهم ظلَّوا ممسكين بساق الليل الأجرد يعانون وأنا أتردد، يخبرني وَدْ أُمْ عَجَبْ.. وأظنُّها كانت حوالى الواحدة والرُّبع حينما أعتدل صوت المحرك في أفضل جريانه على نقعة جبل الجودي وبقيت لهم عشرة ليدركوا في القهاوي.. تلفتُّ يُمنة ويُسرة على الرَّواكيب فلم أرَ ناراً تشتعل وعندئذ كان لزاماً عليَّ أن أحافظ على سمعة الدَّكَّة وأن أُثبتَ للخُطَّار متى يأتون بأنَّ (قهوة الخيرات) هي أنجح مقاهي موقف اللواري في كافا..

ثُمَّ نهضتُ ووضعتُ حطبات ولحاءات خرُّوب على الجمر ونفختُ وهبهتُ بالبرطال ثُمَّ تعجَّلتُ فأوقدتُ مصباح الجازولين الكبير وعلَّقتُه على العمود المعارض فوق مدخل المقهى.. أُفاكر نفسي مسترخياً بأنَّني قطعاً جاهز الحين لستين منهم، أتجارى لهم في قلب هذا الليل البهيم، فاخرت ما في جيوبهم بكوبات حليب وشاي يدفِّئ بردهم..

رأيتُهم عند المنحنى الجنوبي متعجَّلين بإتجاه المقاهي فلم اطمئن، يحدَّثني وَدْ أُمْ عَجَبْ، أتعجَّب، الذي سوف يستريح ولو قليلاً، دعْ عنك الذي سوف يبيت، لا يأتي بهذا التِّعجال. وسكسكة الفرامل كانت الطَّامة لتوقُّعي، كأنَّه، أقول لنفسي، مساعد أمسك على الدِّركسون أمس الأول فقط.. حينما زحفوا حذائي أفردتُ ساقي عند النَّار وحاولتُ أن أتملَّاهم. لكنَّه أخرج رأسه من قمرة القيادة وقال للمساعد بهدوء:

  • الرَّاجل النَّازل في الدَّكَّة دا وينو؟

لم يجاوبه أحد.. المساعد الكبير نزل ففتح غطاء المحرك وأشعل مصباحه اليدوي منكباً يقيس الزَّيت والماء، ويمسح السَّوائل السَّائبات.. ثُمَّ رأيت الرَّجل يتدلَّى من الجانب الذي يليني.. ناولوه شنطة الحديد، وعصا الخيزران المعقوفة، وما ظننتها في ذلك الظَّلام بُقْجَة وسيطة الحجم.. تلفَّع بثوبه ورفع أشياءه قصياً عن اللوري.. أدركتُ عندها أنَّ المساعد سيقفل غطاء المحرك ويصعد.. تدحرجوا لأمتار متعدِّين ثُمَّ شدَّ عليه بالجاز والنَّار فزغردتْ مواسيره وشالهم الظَّلام فأعقبوا منعطف طريق المدينة مخلِّفين وهجاً من الغبار المصبوغ بإحمرار الأنوار الخلفية كأنَّه دم إعصاري مستفحل..

مشيتُ باتجاهه خطوتين وتوقَّفتُ.. لا أريد أن أُذعره.. فالليل والغربة عليه، ووحشة الوحدة ها هنا، وما لا أعلم من حاله، أن يكون من أهل البلد أم طارئ؟

قلتُ له، يحكي وَدْ أُمْ عَجَبْ:

  • مِنُو الأخُو؟

من لهجته عرفتُ أنَّه من أهل الصَّعيد:

  • أنْقَابُو وَلَد طَلْحَة.. من ناس جَامِع أبُو عجُّورة.. وإنتَ مِنُو؟
  • مَحمدَين وَلَد بُرْمَة.. يسمُّوني وَدْ أُمْ عَجَبْ.. اتفضَّل يا خوي استريح..

حمل أشياءه واحداً فواحداً فأدخلها إلى برحة المقهى بين طاولة كاسات الشَّاي والعناقريب.. كأنَّه ظلَّ حذراً مني، وأنا لم اقترب، جلستُ وراء ناري على دست الخشب منه على سبعة أمتار.. تحت وهج النَّار رأيتُ أنَّه فاتح اللون قمحي البشرة، لا يتعدَّى الخامسة والأربعين، أشنب وله لحية خفيفة، متين البنيان دونما سمنة، أحدب فيه دعج. سألتُه:

  • أعمل ليك شاي؟

هزَّ رأسه وغمغم ففهمتُ أنَّه يتعفف من الاعتراف لأحد بأنه مكدود وهريان مثل الجمل الذي شالوا عنه كوم الأحمال في عقابيل السَّرى لا يطمع بشيء سوى أن يضع جمجته على التُّراب ويهجع. قلتُ له:

  • أنا راقد جوه.. وُدِي العناقريب.. البلد دا ما فيهو حرامي في القهاوي.. والآذان فاضل ليهو تلات ساعات.. الصُّبح بخير.

ورجعتُ إلى مرقدي.. رأيتُه انطرح وشدَّ عليه عصاه وأدواته.. لم أفكِّر فيه كثيراً، يعترف لي وَدْ أُمْ عَجَبْ، فأنا أيضاً لديَّ شواغلي.. ثُمَّ رحتُ.. حتَّى دخل الآذان إلى وعيي بالهمس البارد فجئتُ إلى نفسي وأنقلبتُ على جنبَيَّ.. نظرتُ حواليَّ وتذكَّرتُ. ظللتُ أفكِّر كيف أُوقظه دون أن اقترب.. لكنَّه جلس مرة واحدة، كأنَّه كان يواكبني رجوعي إلى الدُّنيا.. ناديتُ عليه:

  • الأباريق وراك في باب القهوة.. مليانة.

صلَّينا على البُروش أنا وهو وصبيان أربعة بائتينَ على مقهى داؤود السِّخيل.. نصبتُ الغلَّاية فعملتُ لنا شاي بحليب البارحة.. شرب بارتياح تام ساعة أضاءت الأنوار الفجرية المطمئنَّة موقفي وموقفه وكستنا مجاورة الليل السَّالف إلفة شفَّافة لا يزحمها كلام زائد..

سألني:

  • دي دكَّة كافا؟
  • آاي..
  • عندكم فَكِي من جَامِع أبُو عجُّورة اسمو البصير ولد نافِع؟

رعش قلبي كالطَّائر المنخلع، يعترف لي وَدْ أُمْ عَجَبْ.. أنظر إليه ولا يسعفني قول، فأسعفني:

  • ما ناوي إلا الخير.. أنا ولد عمُّو.. هُوْ سليماني وأنا مُقدَّي.. لو عايز تتطامن من محلك أطلع عليهو.. قول ليهو بِكوس فيك أنْقَابُو وَلَد طَلْحَة.. وهُوْ يطمنك..

جاءنا وَدْ أُمْ عَجَبْ مع طلوع الشَّمس يطرق باب الصَّفيح.. عاط عليه الفَكِي، من عند مسبحته:

  • اتفضَّل.. مرحب..

لم يقل شيئاً بعد السَّلام ودخل، لكنَّني عرفته من صوته.. يهزُّني العجب، فيمَ وَدْ أُمْ عَجَبْ يأتي مع طلوع الشَّمس؟ دخل لدى الفَكِي ومكثا يوسوسان سويعات وأنا ممسكة بزمامي وأريد أن اطمئن.. أتاني الفَكِي عند التُّكُل ينحني داخلاً لدى النِّيران.. يضحك بخفوت، يعرف حالي كله.. قال:

  • وَد عمِّي أنْقَابُو جا باللوري أُمبارِح من أبو عجُّورة.. بات في قهوة مَحمدَين.. بَغْشَى بجيبو البيت..

وتنفستُ، متلهفةً أُبدي سروري له بكلمات لا أدري كنههن.. طلع، وفزعتُ إلى الخمَّارة اطمر عليها الدَّقيق والماء وقرعة الرَّوب أصبُّ عليها الحليب والشَّرموط المدقوق أركمه على بعضه، والويكة، والبصل، والبندورة، والسَّمن.. ثُمَّ جرى بخاطري أن أخبر ناس حاج أحمد من فوق الحوش.. ناديتُ على أُم حَنُونَة وجاءتني فأخبرتُها.. وعدتُ إلى التُّكُل أجري كل وجهة لعلِّي أُدرك الذي عليَّ أن ألحقه.. نعم، ويجب أن نرسل أحد أولاد الأمين الزَّين إلى سعيد في السُّوق ليرسل لنا السُّكر وحب الشَّاي والبن والهبهان والقرفة، بالأرطال.. لا تدرينَ يا كَلْتُوْمَة كم سيمكث أنْقَابُو هذا.. سبحان الله، أراجع ذاكراتي، هذه أول مرة منذ ثُمَّانية عشر عاماً قضاها معانا الفَكِي البصير يزوره أحد من أقاربه.. جعلها الله في الخير وإلى الخير.. أوهامي تتوالى: أمات أبوه؟ أماتت أُمُّه؟ هل كانت له زوجة وأولاد، الخائن الغدَّار ينكر كل تلك الأعوام الثُمَّانية عشر عاماً، فأرسلوا له ولد عمِّه هذا ليعيده إليهم؟ أم تراه كتب خطابات خفية إلى أولاد أعمامه بجَامِع أبُو عجُّورة، يمتدح لهم حاله هاهنا وسط أولاد كبَّاشي، وجيهاً ومحتفى به في الدَّكَّة، فأغرى أنْقَابُو هذا أتياً لحظوظه؟ أيظن الفَكِي أنَّ في بيت كبَّاشي أرملة أخرى جاهزة لولد عمِّه يخطف هذا الأنْقَابُو قلبها كما فعل هو مع كَلْتُوْمَة؟

أسمعهما عند الباب.. صوته أجشٌّ كأنَّ في حلقه بصلة.. نحن لا ننظر إلى الرِّجال لكنَّنا نعرفهم من أصواتهم.. دخلا إلى الدِّيوان فأخفت عني كلامهما جدران المبنى.. ما كنَّا قبل هذه الجدران تُبنى في الدَّكَّة يحجزنا عن كلام الرِّجال حاجز.. وقد نظَّمتُ حالي لإفطار كبير دلفتْ عليَّ بِت محمد كالبشارة..

  • عندكم ضيف ولَّا شِنُو يا كَلْتُوْمَة؟
  • بِت حلال مُرسال الجلال.. من دربك دا تقولي لأخواني يلحقو البصير.. ود عمُّو جاهو من جَامِع أبُو عجُّورة.. بات في القهاوي وجابو لينا وَدْ أُمْ عَجَبْ مع طلوع الشَّمِس.. اسمو أنْقَابُو..

انصرفت مَسْتُورة وأنا أعقب التُّكُل أجمع الحطب المشقوق.. جدَّتي أُم سَلَمة كانت تحذِّرني في السَّمرايات وأنا بنجوسه: “يا كَلْتُوْمَة؟ عيب إذا جا الضَّيف، ست البيت تجري على ظهر التُّكُل بالفاس.. كَوْ كَوْ كَوْ.. كَنِّك للضيف بالفاس تخبط في راسو.. كَوْ كَوْ حطبنا مافي.. كَوْ كَوْ مُلاحنا مافي.. كَوْ كَوْ لحمنا مافي عصيدتنا مافي.. كَوْ كَوْ…”

ظلَّتْ تعدد لي خبطات تلك الفأس تترى عليَّ تكسِّر دماغي كسراً والنُّجوم تغيب الواحدة تلو الأخرى حتَّى وجدتُني مع حلاوة الآذان تنهر عليَّ عجوز أُم سَلَمة من جديد: “كَلْتُوْمَة؟ كَلْتُوْمَة؟ يا كَلْتُوْمَة قُومي أحلبي الغنم! فقفزتُ من مرقدي، المحلاب في يدي أتعثَّر على أغطياتي وأحذَر أن يسمعني الضَّيف. يا للعيب.. شَوْ شَوْ حليبنا مافي.. شَوْ شَوْ روبنا مافي.. ثُمَّ استدركتُ يا لفرحتي إنَّنا لم يكن لدينا ضيف ذلك الأسبوع كلُّه وهبطتْ أنفاسي من هيجان ملعون..

عبد القادر وعُمَر أسمعهما من وراء حوش حاج أحمد قادمَين إلينا.. حمدتُ الله، الآن تنتظمنا ضيافة أولاد كبَّاشي في دائرة تنداح بنا على الدَّكَّة والحلَّالات من كافا.. تهبط أنفاسي من الاضطراب الصِّبياني الأخرق إلى شيء مثل التَّحفُّز اللمَّاح الذي دام يتلَّبس المرحومة أُم سَلَمة بِت سليمان قبل أربعين سنة.. من يصدِّق، كم السِّنين تطير بكم يا كَلْتُوْمَة؟ وزبيدة بِت الأمين حتماً ستقول عنك غداً يا كَلْتُوْمَة ما تقولينَ عن العجوز أُم سَلَمة بِت سليمان.. دواليك فدواليك…

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال