‫الرئيسية‬ ثقافة حوار استعادي مع الروائي إبراهيم إسحق: أجمل الروايات في التاريخ أصعبها
ثقافة - حوارات - 23 يناير 2021

حوار استعادي مع الروائي إبراهيم إسحق: أجمل الروايات في التاريخ أصعبها

هذا حوار استعادي مع الروائي والقاص الأستاذ إبراهيم اسحق نشر في العام 2010 بالملف الثقافي صحيفة الحرة السياسية متوقفة الصدور.

يحس القارئ عند قراءته لأعمال الروائي إبراهيم إسحق، بمتعة وجمالية السرد ووعورته وعمقه في آن. نحاول استكشاف عالمه السردي من خلال أسئلة وجهناها له لنرى كيف يقرأ أعماله. سألناه أيضاً عن دور النقد وانتشار الكتاب في العملية الإبداعية وعن رأيه في المشهد السردي الراهن في السودان، وعن إطرائه إقليمياً وعربياً، وكذلك سألناه عن دور اللغة في السرد، وكيف يعبر الكاتب عن عالم سردي خارج اللغة القياسية. لإسحق مجموعة من المقالات والدراسات في مجالات الأدب والفلكلور والقصص الشعبي والتي لا بد أثرت بدرجة كبيرة في كتاباته الروائية والقصصية.

حاوره – حاتم الكناني

هناك ازدهار في الكتابة الروائية في الفترات الأخيرة ليس في السودان فقط وليس في العالم العربي فقط بل على مستوى العالم إلى ماذا تعزو هذا الازدهار الذي أنتج مقولة «عصر الرواية»؟

أنا أُرجع هذا الأمر إلى فطرة في النفس البشرية تهوى السرد، وليس هنالك مجتمع في التاريخ أو في الحاضر لا يتمتع إنسانه بالسرد.. في المجتمعات الأمية يحكي الناس تاريخهم وتجاربهم وحكمة حياتهم في الأخبار والحكايات والطرائف والملح والقفشات والنوادر، وتستمر نفس هذه الأنواع موجودة في المجتمع الكتابي، وطبعاً الحاجة للشعر هي عند الأميين والكتابيين بنفس القدر من الأهمية، لكن الذي دفع بالرواية والقصة القصيرة إلى المقدمة في هذا العصر هو انصراف الناس عن الاستماع للحكاية في محفل جمعي نسبة للفردية التي أصابت البناء الاجتماعي. وهذا الوضع أضاع الملاحم والمسارح وجلسات الحكي الجمعي، فحتى عندما يجتمع الناس أمام التلفاز أو داخل قاعة السينما، إنما يتابعون الحكاية على فرديتهم، وهكذا صارت الرواية والقصة القصيرة بتأهلها للاستجابة لنوازع الشخص المنفرد؛ صارت هي اللائقة لتوصيل الصورة الجميلة والحكيمة عن الإنسان لكل فرد حيثما يكون.

الرواية بشكل ما تكتب تاريخ الإنسان الاجتماعي، تكتب كل ما يختفي من متون كتب التاريخ هل توافقني؟ هل تلك هي الوظيفة الرئيسة للرواية؟ هل هناك وظائف أخرى اجتماعية أيديولوجية مثلاً؟

لا أظن أنَّ في مقدور الرواية تسجيل التاريخ الحقيقي للإنسان، فهذا التاريخ يمتلئ بأشياء مملة ومضجرة وخفية وقبيحة جداً، لهذا يَجمع المؤرخون تواريخهم من الاعترافات والوثائق، وليست كلها في متناول كاتب السرد الخيالي. القاص قد يستعين بكتب التاريخ وبالاعترافات، لكنه يتصيَّد لنوع الأحداث التي تعرض بصدق خبايا الطبيعة البشرية، وهو حينما يصور هذه الحوادث يضعها في أطرها الاجتماعية والأيديولوجية وما عداها، وبهذا نستطيع أن نقول إن القراءة النقدية لمجموعة السرد الخيالي الرفيع في كل حقبة قد تعطينا انطباعاً صادقاً بأن المبدعين لهذه الحقبة قد استطاعوا أن يصوروا لنا الملامح العامة لمجمل الحياة التي عاصروها.

أخبار (البنت مياكايا) رواية تاريخية كما ذكرت عنها تبرز دلالات قريبة أو بعيدة تشير إلى موضوع الهوية السودانية، في تقديرك أين تقف أخبار البنت مياكايا من حيث الرؤية من تيارات أدبية وفكرية ناقشت ذات الموضوع كالغابة والصحراء أم انها لم تحتكم لثنائيات «غابة/ صحراء» «عرب/أفارقة»؟

سُئِلَ المرحوم النور عثمان أبّكر في أوائل الألفية الثالثة إن كان يعتقد أن عملي ينتمي إلى الغابة والصحراء أو السودانوية فرفض المقولتين معاً، الشيء الذي حاولت عمله في (أخبار البنت مياكايا) هو قراءة المنتج المتعدد النواحي من اللقاء بين الأعراب والأهالي، الذين التقوهم في السودان كله، حتى بحر العرب والسوباط هنا تلاقح سلالي وتمازج ثقافي وتأقلم ايكولوجي أي مع الطبيعة والكون، توسع عند الأعراب وعند الأهالي معاً، ليس بالانتقال المكاني، ولكن بالوعي الجديد الذي يصنعه التمازج والتلاقح. هنا اكتشاف في نظري لحقيقة كانت ضائعة منهما، وهي أن البشرية التي كانت متباعدة ومغلفة، وفي الرؤيات الوهمية بانت للطرفين بأنها جوهرة واحدة تلبست في التباعد الماضي بغلالات الغرابة التي تسوق إلى العدائية الجهلاء.

لغة مكتنزة وتقنيات سردية عالية تتجلى في أعمالك ألا تهاب من استجابة القارئ لأول وهلة، أقصد ألا يتعب ذلك القارئ قليلاً وهو على أهبة الولوج إلى عالمك الروائي؟ يوجد في رواياتك استخدام لقاموس عامي «دارجي» وتدجين له داخل سياق اللغة الفصيحة؟

لقد تعلمنا أنَّ الجميل والعميق صعب المرتقى وعلى المطلّع عليه أن يكرب عزمه من أجل أن يستخلص خباياه.. أجمل رواية في التاريخ هي أصعبها ـ أعني (العوليسة) لجيمس جويس نحن لا نقصد وضع الصعوبات.. لكن المبدع لا يستطيع أن يبسط الأمور بالشروح ولا يستطيع أن يزيف لغة الجماعة التي يكتب عنها.. اللغة الإبداعية في السرد السوداني عندي تطلع من عربية سودانية وليس من عربية معيارية نقرأها في كتب التراث، فليس هنالك بديل لكلمات مثل الكوراك، الجبراكة، الراكوبة، القطية، العنقريب.

أنا أكافح لأضع علامات ترقيم تساعد القارئ كي يستوعب التركيب الدقيق للصورة التي أريد أن أنقلها إليه، لكنني كثيراً ما أتحسَّر عندما أجد أن تكثيف الإيحاءات في نصوصي السردية لا ينتبه إليه إلا القلة، وهنا دور مفقود هو عمل النقاد، إذ على هؤلاء أن ينبهوا القراء إلى التكثيف والإيحاءات، وعليهم أن يوضحوا للقارئ الرموز والتداخل بين النصوص، وعليهم أن يبينوا للمطالع أن هذه الأحداث لم يجمعها السارد لتطويل الحكاية، ولكنه يجمعها لتؤدي مع صور الشخصيات إلى خلق معانٍ توضيحية مركزية لفهم الطبائع البشرية عندما تتعارك مصائرها في بيئة ذات خصوصية.

كيف تنظر إلى راهن المشهد الروائي والقصصي السوداني؟

هنالك سرد كثير وجهد مقدر، وهذا مطلوب، فلا بدَّ من التوسع الأفقي المستمر، حتى يظهر التعمُّق الرأسي. في وسط الزحام تبرز المنافسة، أولئك الذين يدرسون فنهم دراسة عميقة، ويفكرون جيداً ويجربون بعمق، بدلاً عن التوهم بأن الموهبة هي كل المطلوب مع شيءٍ من القدرة على التعبير الطريف. هنالك وسط الدفق السردي متميزون كثيرون، ولكنني لا أرغب في أن أحاول إحصاءهم، فهم قد تمكنوا، ولا ينفعني ولا ينفعهم أن أذكر بعضهم فأغفل عن البعض الآخر.

في ظل كساد سوق الكتاب الأدبي تحديداً، والانصراف عن متابعة المشهد الأدبي، إضافة إلى مشكلات النشر والتوزيع داخل السودان، هل من بارقة أمل في ظنك؟

إذا أبدع الكُتَّاب وهلَّل لعملهم النقاد، وسعى المجتمع السوداني لنشر هذا العمل المتفوق في أقاصي الأرض، لأنه تميز سوداني يرقي إلى أفضل ما لدى الأمم الأخرى.. هذا هو المقصود حتى ولو قل القراء وكسد سوق الكتاب وانصرفت الغالبية عن متابعة المشهد الأدبي. لا بديل هنالك إلا أن نقرّ بأننا شعب غير مبدع، إذن فهنالك شعلات للأمل.. وكل الذي نبتغيه هو أن نتحمس لإجلاء صورتنا عند العالمين. المبدعون يصقلون إبداعهم والمجتمع يشيد بمحاسن هذا الإبداع، ثم يرتفع عالياً لكل العالم حتى يطَّلع عليه الآخرون، ويشاركوننا في الاندهاش لعجائب بشريتنا.

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *