‫الرئيسية‬ ثقافة (التأويل الصوفي للحداثة في الإسلام) عرضٌ ونقد فكر وفلسفة الجمهوريين
ثقافة - دراسات - كتب - 19 يناير 2021

(التأويل الصوفي للحداثة في الإسلام) عرضٌ ونقد فكر وفلسفة الجمهوريين

عرض – حاتم الكناني
نشأ الحزبُ الجمهوريُّ بعد شهرين من نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945، على يد مُؤسِّسه المهندس محمود محمد طه، ومجموعة من المثقفين. وأسهم الحزب في مناهضة الاستعمار في تلك الفترة. وجاء دستور الحزب في تلك الفترة موضحاً مبدأه في الجلاء وقيام حكومة سودانية جمهورية ديمقراطية تُحافظ على الوحدة القومية. واتخذ الحزب النظام الجمهوري، في إشارة إلى حسم مصير البلاد في استقلالها عن الحكم الثنائي.
في العام 1946، اتُّهم محمود محمد طه بإثارة الكراهية، فدخل السجن سنتين، بعدها انصرف إلى خلوة في مدينته رفاعة تمخضت عنها الفكرة الجمهورية، وهي في لبُّها دعوةٌ إلى الرسالة الثانية من الإسلام، التي اتخذت من جماع المعرفة البشرية، طريقاً جديداً للنظر في أسئلة تُواجه المسلمين، لا سيما التي نتجت عن الحداثة الغربية؛ وفي ذات الوقت تُقدِّم الفكرة الجمهورية نظرة جديدة إلى الإسلام ونصوصه (القرآن والحديث).
يقول د.بكري خليل في كتابه (التأويل الصوفي لحداثة في الإسلام – عرضٌ ونقد فكر وفلسفة الجمهوريين في السودان): “استندت دعوة الجمهوريين إلى الرصيد الديني وجعلت من الإسلام وتراثه هدفاً ومنهجاً لتصحيح الأوضاع مع اهتمامها بالظروف والفكر المعاصر، فجاءت مطبوعة بظروف النشأة، ثم أخذت سماتها الفكرية تزداد وضوحاً مع مرور الوقت واغتناء التجربة” ص18.
وللفكرة الجمهورية نظرةٌ خاصةٌ إلى قضايا معاصرة اهتمَّت بها تيارات فكرية مختلفة، مثل حقوق المرأة، والحرية الفردية، وحقوق الإنسان، لكن كان ذلك بنظرة خاصة وجديدة إلى الإسلام.
ويبحث الكتاب الذي نحن بصدد عرضه (التأويل الصوفي للحداثة في الإسلام)، لدكتور بكري خليل أستاذ الفلسفة بجامعة النيلين، عن مرجعيات الجمهوريين في الفلسفة اليونانية والإسلامية والفلسفة الحديثة، كما يتضمن أيضاً عرضاً ونقداً للفكر الجمهوري. صدر الكتاب عن دار عزة في العام 2004 في 255 صفحة من القطع الكبير.

قصة الجمهوريين
بعد فترتي الاعتقال والخلوة في رفاعة استعاد محمود محمد طه الحركة واستأنف النشاط السياسي في مناهضة الاستعمار. ويشير بكري خليل إلى أن دستور الجمهوريين “الذي صدر في 1951 قد حمل بعض التغييرات في مواده إذ رفع شعار (الحرية لنا ولسوانا)، وجعل من تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة والحرية الفردية المطلقة مبدأ، وطالب بترقية الرجل والمرأة” ص21.
لكن في العام 1958، وقع انقلاب إبراهيم عبود، وحُظر النشاط الحزبي حتى سقوط النظام العسكري في أكتوبر 1964. وبعد ثورة أكتوبر استعاد الجمهوريون نشاطهم، واتجهوا إلى إقامة الندوات واللقاءات، وكثفوا من نشاطهم الفكري.
يقول خليل: “يمكن اعتبار هذه الفترة ميلاداً جديداً لحركة الجمهوريين، وامتازت بالجهد العقائدي أكثر من السياسي الذي غلب على ما سبق من تاريخهم رغم حضور ما هو عقائدي” ص22.
وفي نوفمبر 1968، حُوكم رئيس الحزب الجمهوري بالردة عن الإسلام، باتهامه بادعاء سقوط الصلاة وعدم وجوبها على شخصه وإصراره على معتقده. وبعد انقلاب مايو 1969، عقد الجمهوريون اتفاقاً مع النظام الحاكم، واستخدموا اسم (الإخوان الجمهوريون) بدلاً عن مسمى (الحزب الجمهوري)، وظلوا يمارسون نشاطهم العلني حتى قوانين سبتمبر 1983.
ويلحظ خليل على مؤلفاتهم في تلك الفترة أنها صدرت باسم (الإخوان الجمهوريون)، وهي مؤلفات جماعية الطابع، تُوضِّح مواقفهم السياسية من الحكم وخصومه، إلى جانب مواجهتهم التيارات الدينية السياسية الأخرى.
في 1983، صدرت قوانين الشريعة الشهيرة بـ(قوانين سبتمبر)، التي كان أساسها فرض العقوبات الحدية وإرهاب الخصوم السياسيين، ما أدى إلى طلاق فكري بين النظام والجمهوريين. ومن ثم تم اعتقال محمود محمد طه وزملائه، بعد صدور منشور من الجمهوريين طالب بإلغاء القوانين المنسوبة إلى الشريعة، وحل مشكلة جنوب السودان. وفي 18 يناير 1985، جرى إعدام محمود محمد طه، ونُفِّذَ خلافاً للقوانين المعمول بها في السودان، إذ تجاوز السبعين من العمر.
يقول خليل: “بهذه النهاية المشهودة ختم مؤسس الحركة الجمهورية حياته، ولاحق القمع زملاءه، الأمر الذي أدى إلى خفوت صوت الجمهوريين بعد أن عدَّتهم المحكمة المذكورة طائفة كافرة ومُرتدَّة، وطالبت باستتابة المُحالين إلى المحاكم، وقرَّرت مصادرة كتب الجمهوريين” ص26.

المعالم الفكرية
يقول خليل: “استهدف الجمهوريون وضع تصورٍ شمولي للإسلام بضوء الواقع الراهن، من خلال قراءة التراث الديني من وجهة نظر ربطت الدين بالحياة المُتطوِّرة، والفكر بالممارسة” ص27، ويضيف: “ويرون أن اللقاء بين العقل والإيمان، والفكر والعمل يتم في التوحيد.. فالفكر الجمهوري يعطي التوحيد قيمة سلوكية في توحيد البنية البشرية” ص27. ويستشهد لتعظيمهم هذا التوحيد بين الإيمان والعقل والفكر والممارسة، بتفسيرهم للآية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (238) البقرة، بأن الصلاة الوسطى هي الصلاة بين الصلاتين وهي المعاملة عندهم، إذ للصلاة عندهم معنيان: قريب وبعيد، فالبعيد يتمثل في الآية (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (45) العنكبوت، وهي الصلاة الأصلية أو صلاة الصلة، أما الصلاة بالمعنى القريب فقد فُرضت وكان جبريل مع النبي (ص) وقد جاءت بتفاصيلها في الأرض. ويُعلِّق خليل: “وقد أدخلهم هذا القول بالتفريق وإفراد مثل هذا المقام لمحمود محمد طه… في دائرة الاتهام بالارتداد عن الإسلام وإسقاط التكاليف الشرعية… وكان يمكنهم شرح المغزى الروحي لفريضة الصلاة التي طالما عظَّموها” ص29.
يُقسِّم الجمهوريون الآيات إلى أصولٍ وفروع؛ فالقرآن المكي جاء يُرسي الحقوق الأساسية للإنسان، ويُرسِّخ الديمقراطية. ولمَّا ثبت أن المجتمع الجاهلي قاصرٌ عن ممارسة تلك الحرية تمَّت مصادرته، بنسخ آيات الحرية وفرض آيات الوصاية، مثل آيات الشورى والقوامة. وتقسيم الآيات إلى أصولٍ وفروع فكرة مركزية لدى الجمهوريين – كما يشير المؤلف – فالأصول هي المكية التي أُرجئت، بينما الفروع هي المدنية التي نَسَخَت الأصول.
ويلفت الكتاب إلى أن تفسيرهم للآية (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (106) البقرة، وقراءتهم هي (ننسها)، أي نؤجل من فعل حكمها. ثم يتطرَّق خليل إلى إيراد المفاهيم المختلفة حول تفسير النسخ وآراء ابن عباس والقشيري وابن كثير والزمخشري. وذهب الجمهوريون في ذلك إلى فكرة الإرجاء مؤيدين ابن كثير في ذلك، “وقد قطع الجمهوريون بمعناه وأنشأوا عليه كامل تفسيرهم” ص32؛ وطبقاً لذلك فإن الشريعة لديهم ذات مفهوم متطور وكمالها ليس في بقائها على صورة جامدة وواحدة، وإنما في مقدرتها على التطور لاستيعاب قدرات الإنسان وتطلعاته.
يُشير المؤلف إلى أن تمييز القرآن على أساس الثابت والمتغير والأزلي والوقتي لدى الجمهوريين لا يخلو من تأثيرات استشراقية لدى المستشرق المجري جولدزيهر؛ لكنه – خليل – يقول: “إن الأخذ بتصورات الجمهوريين التفسيرية لا بد أن يخرج من ظروف المجتمع في القرن السابع الميلادي من إطارها التاريخي، فلا معنى بأن يتحمَّل أهل المدينة والمسلمون تبعات قصور المجتمع الجاهلي بعد اعتناقهم الإسلام، إذ أن منطق الأمور وتطورها ينبغي أن يوصلنا إلى جدارة هؤلاء بالحرية والمسؤولية، بدل أن يتحمَّلوا تبعات جاهلية أهل مكة، فتُطبَّق عليهم أحكام الوصاية” ص33.
ويُلمح دكتور خليل إلى الصلة البعيدة بين ما قال به محيي الدين بن عربي من أن الشريعة هي السنة الظاهرة التي جاءت بها الرسل، والفكرة الجمهورية القائلة باستنباط شريعة جديدة تُناسب الوقت الراهن وحقوق الإنسان الأساسية والديموقراطية.
نظرية المعرفة
يميز الجمهوريون بين نوعين من العلم: العلم الوهبي والعلم الكسبي؛ لكن العلم الحقيقي في نظرهم هو العلم الوهبي ذلك أنه علم لدني، ويتم بلا واسطة أو مران أو مجاهدة، وهو العلم الذي يدور في الفكر الصوفي حول معرفة الله وصفاته وأفعاله وتدبير مملكته بالعلم الإلهامي. أما معرفة النفس فهي المعرفة الحقيقية العميقة التي تغوص إلى مستوى الفناء في الحق. وعليه فإن العلم هو معرفة صاعدة إلى الله عن طريق التأدب في العبادة وذلك أن منهاج الترقي هو بالفكر في النهاية لا الذكر. (تعلّموا كيف تصلون) ص21-22.
ويخلص المؤلف إلى “أنهم يقصدون بالفكر في واقع الأمر هيئة العلم في مستوياته المختلفة والطريق الموصل إليه. أما من حيث طبيعته، فإن الفكر هو حركة بين طرفين هما الذاكرة والخيال، وقمة الاستواء بين هذين النقيضين” ص47.
ويرى خليل أنه بهذا الفهم فإن “إدراك الحقيقة إدراكاً كاملاً هو باستكمال ما هو نسبي بما هو مطلق لإجلاء وجه الأشياء التي تلي المحسوس” ص47؛ لذا فإنه لم يجد “تعريفاً محدداً لذلك التجلي خارج ميتافيزيقيا الإشراق مع يثيره أمر كهذا من مطالب منطقية من جهة علاقته بالواقع والتصور التجريبي الذي يسوقه الجمهوريون” ص47.
يقول بكري خليل: “في مفاهيمهم ملامح من الغزالي وابن عربي، فالغزالي على الرغم من وقوفه مع وجود طور وراء العقل يُكمله ولا يُناقضه، يرى في إدراك الخوافي مرحلة عليا للمعرفة؛ لذا فإن كلام الجمهوريين يتفق مع هذا التصور. فهم رغم إقرارهم بالمعرفة العقلية يضعونها في موضع أدنى من المعرفة القلبية اللدنية. أما ابن عربي فيذكر أن الخلق متفرد بأحدية الذات لا أحدية الكثرة وهي أحدية الأسماء، وأن تلك الأحدية لم يشغلها إلا أحدية الخلق” ص51.
ويضيف خليل: “إن المعرفة الذوقية في منظورهم تجري ضمن فهمهم للإسلام بوصفه علماً وعملاً، إذ يبدأ العلم بالشريعة التي لا يصح العمل والعبادة إلا بها، ثم يُرفع العلم من علم الشريعة إلى علم الحقيقة، وهي حقيقة النفس البشرية” ص58.
وينتقد الجمهوريون الفقهاء في ترجيحهم النقل على العقل، فإن تعارَضَا يلجأون إلى الإيمان في انتظار الكشف وإجلاء الحقيقة، كما يرون أن القرآن ذو معانٍ قريبة وأخرى بعيدة، فمن فَهِمَ المعنى القريب وغاب عن المعنى البعيد ما فهم القرآن، لأن فهمه لا يتم إلا بفهم المعنيين في اللحظة الواحدة، ولذا فإن للقرآن باطناً وظاهراً ومعنى أصلياً ومعنى فرعياً عندهم.
فلسفة الوجود والإنسان الكامل
يقول خليل: “استناداً إلى الخلفية المتصلة بنزعة الجمهوريين التصوفية، لم يشغلوا أنفسهم بمشكلات التوحيد النظرية اللاهوتية والأخلاقية، كما عند المعتزلة أو كما فعل السلفية في اهتمامهم بجوانب التوحيد الدينية والاجتماعية، وإنما ركزوا نشاطهم حول حقيقة التوحيد من حيث المظهر الأسمى للذات الإلهية، في تجليها وفي التعبير عن مبدأ الوحدانية بمضمونه الروحي، في تحرر الكيان الإنساني من الشوائب والقيود”ص76، ويضيف: “الجمهوريون يوجهون فكرهم التوحيدي في الرد على أوهام التعدد وأوهام ثنائية وجود خالق ومخلوق مُغايرَين، بحسبان أن مقتضى التوحيد أن ليس في الوجود إلا الله… والمخلوقات ليست سوى تنزل..” ص76 – 77. ويرى أنهم يذهبون في ذلك مذهب أبي حامد الغزالي حين يقول في “إحياء علوم الدين”: (فمن قويت بصيرته ولم تضعف منته، فإنه في حال اعتدال أمره، لا يرى إلا الله تعالى، ولا يعرف غيره ويعلم أنه ليس في الوجود إلا الله). هذه الفكرة عن الوجود لدى الجمهوريين تقودنا إلى مفهوم الإنسان الكامل الذي يصبح موضوعاً متمثلاً لاقتران الوجود بحقيقة إنسانية كلية تعبر عن كمال النفس وتجليات الذات الإلهية، إذ يشير المؤلف إلى أن “مصطلح الإنسان الكامل لدى الجمهوريين يتفاوت عبر أبعاد تتسع وتضيق أو تفصل وتجمل حسب مستوى النظر وما يعرضونه من أغراض ومفاهيم متصلة به، فهو قابل لمضامين متنوعة ذات علاقة بما دأبوا عليه في ربط الألفاظ بالمعاني وفق منظورهم التأويلي… ولا غرو فإن فكرة الإنسان الكامل جاءت في إطار التطور الذي شهدته الحركة الصوفية على يد ابن عربي، فقد دفعت معها مجموعة من التصورات المتصلة بالقدرة الكونية التي تتصف بها تلك الفكرة، سواء ما يتعلق بما بعد الطبيعة والنفس أو حقيقة النبوة والولاية” ص88. ويلحظ خليل، أن فكرة الإنسان الكامل لم تجد اهتماماً يُذكر على مستوى الوعي الصوفي في السودان، قياساً لما ألقاه الجمهوريون من ضوءٍ عليها.
ويربط الجمهوريون بين مذهبهم القائل بالرسالة الثانية من الإسلام وفكرة الإنسان الكامل بإضافتهم للحقيقة المحمدية، فكرة عودة المسيح أو المهدي، إذ يصور الجمهوريون الحاجة إلى رجل يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً، ويُطبِّق قوانين العدالة الاجتماعية الشاملة في الرسالة الثانية من الإسلام، التي تُعين كُلَّ فرد على تحقيق فرديته؛ فقد رأوا في الإسلام ما من شأنه أن يستغرق كُلَّ الديانات ويُوحِّدها بالإقناع والاقتداء.

الحرية والإرادة

ينطلق الجمهوريون مما يراه الإسلام في القضاء والقدر والتسيير والتخيير، من شمول علم الله وإرادته على الجميع، فالإرادة عند الله بالأصالة، بينما لدى الإنسان فهي بالحوالة، أي أنها إرادة غير مباشرة، فالقضاء خارج الزمان والمكان بينما القدر هو القضاء وإبرازه في الزمان والمكان. ويرى خليل أن “تفسيرهم للقضاء بمعنى الأمر يتفق مع تفسير الجرجاني وابن حزم والقرطبي، بينما يميل تفسيرهم للقدر إلى خروج الممكنات إلى الوجود، فالقضاء حكم الله في الأشياء أن تكون على ما عليه، والقدر هو توقيت حصول الشيء كما تقتضيه طبيعة عينه كما يقول ابن عربي” ص109.
نقرأ من الرسالة الثانية للإسلام ص89: “في عالم الأمر كان للإنسان حريته، إذ خُلِقَ آدم كاملاً وعالماً وحراً، وامتحنه على حريته، فلم يُحسن التصرف فيها، ولما ارتقى بالحياة في الأرض، سيّر الله المخلوقات من وراء حجاب بإرادة الحياة، وهي حركة يستخدمها الحي في تحصيل قوته والاحتفاظ بحياته ونوعه. فلما حصل ذلك الرقي في مرتبة الإنسان سيّر الله البشر من وراء إرادة الحيرة وأصبح تسييره للناس بطريقة غير مباشرة”.
يُعلِّق خليل قائلاً: “من الواضح أن الجبرية التي تكتسي رؤيتهم ليست جبرية آلية، بل تقضي بالانسجام مع نظام الوجود وقانونه حسب فهمهم لوحدة الوجود، مع اقتراب من فكرة وعي الضرورة التي ذهب إليها سبينوزا في نظرته لعلاقة الحرية بقوانين الكون” ص111.
ويستخلص الكاتب أيضاً أن الجمهوريين قد أخضعوا الإرادة الإنسانية خضوعاً تاماً للإرادة الإلهية المطلقة، ويقول: “إن الحرية وفق هذا التوجه لا تعني حرية الإرادة والاختيار بقدر ما تعني عدم الانقياد لكل ما سوى الله وبقدر عبوديته له، ذلك أن حقيقة الحرية تكمن في كمال العبودية لله، وهذا هو أساس التصوف الجبري للصوفية في مختلف مذاهبهم” ص114.
لكن، يشير خليل إلى أنه “إلى جانب هذه الصورة يعتقد الجمهوريون أن الله يضع الإنسان في طريق الحرية الفردية المُطلقة التي لا حدود لها سوى تحمل الإنسان لمسؤولية تصرفه في حريته، حقاً يقتضي حسن التصرف وواجباً يقابله ويضبط حريته؛ فعلاقات الفرد والمجتمع ينبغي أن تتقيَّد بالمصلحة العامة وما يتفق مع القانون، وهنا يكون حراً على ألا تتعدى حريته على حرية الآخرين… أما المستوى الثاني فهو الحرية المطلقة التي يحدد فيها الإنسان فكره وعمله وقوله براً بالناس” ص115.
نظرية الدولة
يرى د.بكري خليل أن “نظرية الدولة لدى الجمهوريين تتجه إلى نظرية العقد الاجتماعي التي تنطلق من وجود هوة بين الفرد والجماعة في تفسيرهم الأعراف والضوابط الاجتماعية… ومن هنا فإن المفهوم التاريخي لعلاقة المجتمع بشرائعه وما تواضع عليه، ينقل أساس الرؤية عند الجمهوريين في النظر إلى مركز القانون في الدولة، واتجاههم لإقامة دولة القانون التي يتخذ فيها الجميع من أجل المساواة والحرية كما هي في الفكر السياسي الحديث” ص135 – 136؛ ويضيف: “هم يلتمسون مبدأ عقلانياً ويركنون إليه في التعامل مع شرعية السلطة والقانون، ضمن تمييز واضح لمعالم ما هو مدني عن ما هو ديني” ص136؛ لكنهم أيضاً “يصفون القوانين الوضعية بأنها ناقصة في حقيقتها، لأنها محاكاة للقوانين الطبيعية إذ تستهدفها وترى فيها مثلاً أعلى… فالمثل الأعلى للقوانين هو ما تضمنه القرآن الكريم فما استقام منها هو قانون إسلامي، وما نشز عنه فهو باطل، ذلك أن القرآن هو قانون العقل القديم (الله)” ص137.
ويلفت إلى أنه على الرغم من أنهم يذهبون إلى أن القانون الطبيعي هو ما بين دفتي المصحف، إلا أن ما يقصدونه ليس واضحاً على وجه الدقة، ويضيف: “الذي يدعونا إلى ملاحظة هذا القدر من الغموض أنهم عندما يتحدَّثون عن القانون الوضعي لا يستثنون شرائع الأديان منها، فيعدونها مُتجدِّدة كأثرٍ للعقل المُحدث الذي يتجاوب مع البيئة والحاجات المادية والاقتصادية والاجتماعية، نحو بلوغ المثل الأعلى وهو القانون السرمدي” ص137.
لكنَّه يُشير إلى أن الصلة بين الدين والدولة لديهم ليست صلةً حقوقيةً دستوريةً يتبع بموجبها أيٌّ منهما الآخر، ولا تُقرِّرُها قوة التشريع المادية، إنما قوة نفوذ القيم الروحية أو مبلغ تمثُّل المجتمع لتعاليم الدين منهجاً له في الحياة وفق ما جاء به الوحي؛ لذا فإن الجمهوريين ليسوا دعاة للدولة الدينية بقدر ما هم معنيون بطبيعة وقيادة الدولة وخصائصها.
وغاية ما يصل إليه الكتاب في شأن نظرة الجمهوريين إلى علاقة الدين والدولة أن مقصودهم في نهاية الأمر، هو تأسيس نظام دستوري قاعدته التأليف بين المنقول الرباني والمعقول الوضعي، من أحكام الدين وتراث القانون بحيث يأتي في المحصلة استجابة لتعاليم الإسلام.
نقد خطاب الجمهوريين
يميز المؤلف بين الجمهوريين والجماعات السلفية، فهم ليسوا دعاة عودة إلى عصر ذهبي للإسلام وإنما دعاة لبعث السنة والعمل بالأصول التي لم تأخذ طريقها للتطبيق، لكن المؤلف يلفت إلى أن الجمهوريين يوسعون مفهوم النسخ في القرآن إذ لا يأخذون بمعناه الضيق لدى الأصوليين، وهم بالتالي يستبعدون جملة كبيرة من آيات النسخ. ويرى المؤلف أن التصنيف الذي أشار إليه الجمهوريون يفتقد إلى الصحة بحكم عموميته التي تُظهر الناسخ في طرف المدينة والمنسوخ في طرف مكة أولاً، وبحكم أن السير ضمن هذا الفهم يتعارض مع حقيقة التنزيل الذي انطوى في الفترة المدنية على حرية العقيدة وعدم الإكراه في الدين. وبالإضافة إلى اتخاذ النسخ أداة لمعالجة وفهم النص القرآني، والإشكالية المنهجية لهذه الآلية التي تتمثل في الطبيعة المتغيرة للأصل والفرع بوصفهما مفاهيم تُحدِّدها الظروف فتنعكس على دلالات المحكم والمتشابه؛ بالإضافة إلى ذلك، يرى المؤلف أن النزعة التأويلية تُضاعف من هذه الإشكالية. ويقول: “إن تدوير النص تبعاً للأوضاع والظروف وقابليته للتعليق والإنفاذ الإرادي من شأنهما نقض الأسس التي قامت عليها فكرة الرسالة الثانية” ص 181. ويُضيف: “أما إذا التمسنا مبدأ التعاقب التاريخي بين المكي والمدني، فلا نجد أساساً للتصور التجزيئي الذي اعتمد عليه الجمهوريون للإسلام بناءً على فكرة الفصل بين الأصول والفروع” ص 181 – 182. كما يرى المؤلف أيضاً أن الفصل بين المكي والمدني فيه اتجاهٌ للتفكيك الأفقي لوحدة القرآن.
يُشير المُؤلِّف أيضاً إلى الاهتمام بالروح الفردية واضمحلال روح الجماعة لدى الجمهوريين، التي يعتبرها من أبرز خصائص الإسلام الدينية والحضارية والتاريخية، وتقترب من التلاشي في المضمار التعبدي، لتظهر ضمناً في مفهوم العدالة الاجتماعية لدى الجمهوريين.
ويُشير أيضاً إلى أن خطوط المفاهيم الدينية والفيضية والتطويرية، شديدة التداخل في فكرهم الفلسفي، لدرجة يصعب فكُّها عن تشابكها في مباحث الوجود والطبيعة والحرية بشكلٍ خاص.
أما في مسألة الدولة، فليس الجمهوريون دعاة سلطة مستمدة من العقيدة الدينية، إنما ينادون بمدنية الدولة ونظام الحكم لكنهم لا يرون في ذلك فصلاً ولا يصرحون بأمر من هذا القبيل، إذ يبشرون على الرغم من خيارهم بدولة القرآن المقبلة بعد أن تهيأت البشرية لها، في إشارة إلى أن مفاهيم الدولة تتَّفق مع القرآن، أي أنهم يُفسِّرون مبادئ الفكر السياسي الحديث تفسيراً إسلامياً يتخذ القرآن قانوناً كلياً.
وطبقاً لذلك يشير المؤلف إلى عنصرين في الموقف الجمهوري: الأول أيدولوجي سياسي بالكامل يعبر عن برنامج ديموقراطي لا يتعارض مع تطلعات المجتمع أو الإسلام، والثاني خطابي إسلامي في مسمياته ووضعي تقديري في مضمونه.
يقول بكري خليل، في نهاية نقده للفكرة الجمهورية: “إن هناك منهجاً اتباعياً سائداً يُقلِّل من أثر الجمهوريين في تأصيل وبناء وعي الحداثة وإعادة خلق الذاتي، إذا إن الحل الإسلامي الحضاري الحقيقي يفترض حضوراً للوعي الإسلامي في إنشاء الأساس التصوري لبناء مشكلات العصر، لذا فإن اعتقاد الجمهوريين في ربط الإسلام بالعصر بالانطلاق من التجسد التاريخي للإسلام قد تمثل في القانون الدستوري الحديث يشير إلى نوعٍ من التبسيط والتجريد العقلي واختلاق التصورات وتقمص المفاهيم للتوافق مع النماذج الفكرية الجاهزة” ص235.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *