‫الرئيسية‬ ثقافة فنون الحوت مفهوم لم يكتمل
فنون - 17 يناير 2021

الحوت مفهوم لم يكتمل

حسان الناصر

في حافلة صغيرة كحافلات سجون براغ تعبر كبري (كوبر)، والشمس كشراع أبدي يطل من انحناء النيل، على رسلها تجتاز سهولاً وحقولاً خلف الغمام المنثور كذاكرة منسية، نسمات من التعب التي تلحف الأوجه، معبرة عن سحنة المدينة المرهقة، لم يكن إلا محمود عبدالعزيز حاضراً في مخيلة التلاميذ، أحلامهم على شباك تذاكر العمر، ودفاتر المستحيل في الحقائب، كنت يانعاً حينها استلهم من اللافتات ذات الأخطاء الإملائية أنس للطريق ومهرباً من نقود ناقصة، وكتابات متقطعة أهمهم بها وحيداً في لجة الخرطوم المتشابكة، كان (الحوت) ماركة حافلات العربي كختم العبور الأخير إلى الضفة الأخرى.

كمخطوطات بيت الحكمة في عهد العباسيين، كانت أغنيات محمود تقاوم الخوف والانكسار، فالمشهد الذي كانت تسيطر عليه أيدي الشمولية التي تدخل في عمق الوجدان والمخيلة بعبثية كاملة وعسس الليل تلاحق أهازيج الفرح، ما تلبث إلا أن تكسره، وحدها أغنيات محمود والقليل من غيرها كان ينقذها من براثن الموت، كانت هي المقاومة التي تفيض كلما نضب ينبوع الامل.

إنَّ الحديث عن محمود هو حديث عن لحظة، بمعنى أنَّنا نتحدث عن كشهد كامل تناقضاته هي محمود وفضاء محايثته الأغنية، كمفهوم دولوزي لا يمكن فصله عن التجربة / المكان / الموسيقي / الذات، فمحمود هو التناقض الأساسي في فكرة الأغنية والمدينة، بحيث يتحول محمود من مجرد فنان إلى خراط يقوم بترسيم الحد والسقف، كمحنة في أوج الألم يحاول ترجمتها إلى عمل ما.

لا يمكن فصل الأغنية عن مسرح المشاهدة أو صوته، إنه تداخل أشبه ما يكون كمفهوم فوكوي، حيث يمكن شحنها كشبكة كاملة من الترابط والعلاقات التي لا تنفصل عن بعضها البعض، عندما تتحول الأغنية إلى شعور اجتماعي كامل وإلى حركة اجتماعية يمكن لنا أن نستشعر العمق الذي يغرسه الصوت في المخيال العام، إنَّه تحويل لمجاز وإلى حلم أو دعونا نكون أكثر عمقاً ونسميه عمل الحلم، فكما يقول فرويد إن الحلم يكشف جانب من تناقضات اللاوعي، يقوم محمود بكشف التناقضات ويجعلها مشاهدة على المسرح.

محمود لا يمكن إلا قراءته من دولوز، أي كمفهوم والمفهوم عند دولوز لا ينفصل عن المفاهيم الأخرى التي تظهر مع السطح أي أنَّه ليس هناك مفهوم كمفهوم لذاته، فالصورة النمطية التي تخلقت للمفاهيم في السياق الأكاديمي تتعاطى مع المفهوم مجرداً من كل شيء لتخلقه كمفهوم منفصل عن سياقه وعن لحظته فتجعل منه لحظة ساكنة لا متحركة ومتعالية لا واقعية، وهو ما نجده في المدراس الفلسفية على رأسها “مدرسة التحليل النفسي الفرويدية” التي خرج عليها دولوز، وكذلك “الماركسية الكلاسيكية” التي جمدت ماركس ووضعته في الدرج السفلي، إذن كما يقول: “إنَّ الكليات والمفاهيم المطلقة لا تفسِّر شيئاً بل هي في حدّ ذاتها في حاجة إلى التفسير” بمعنى أنَّ دولوز قد خلع عن المفاهيم الفلسفية الماهية ليذهب باتجاه عمق التجربة الإنسانية الحيوية، وهذا الترابط الوثيق بين إبداع المفهوم والإبداع الإنساني في التجربة يرتبط مع لحظة التي فكر فيها بعلاقة السينما والفلسفة مثلا، فالسينما عند دولوز هي إبداع للمشهد ومزج بين التجربة/ الصورة / الحركة لتشكل مشهداً كلياً، ويقابله جيل دولوز بالفلسفة كعملية إبداع/ اجتراح للمفهوم من داخل التجربة الإنسانية.

إذن هو تجربة إنسانية إلا أنَّ خصوصيتها السودانية جعلت من محمود كمجال لحل التناقضات السياسية والأكاديمية والثقافية، هو الرمز الذي عبَّر عن إشكالية ولكن أشبه ما يكون إلى تعبير عابر للشكل الذي يمكن استشعاره فيها، لم يجتمع الوجدان السوداني إلا في صوت (الحوت) وأغنيته / المفردة / الموسيقى، محمود لم يكن سيرة موسيقية أو سردية لفنان وإنَّما أفق للنقد والتحرر للذاكرة الحيوية، محمود كما يمكن أن نسميه الثقافة المضادة كمفهوم نتشوي، هو ضد السائد والمتعارف والجمود ضد العودة والتاريخ، فهو اللاتاريخ المتحرر من قيود الجميع، ناقلاً سفر شجونه إلى لحظة الغمام.

سيرة المدينة، وطعم غنائها الضائع، لافتة في وجه سيارات النظام العام، محمود كان أيقونة للتيه، نغمه الذي جسد مأساة سائقي التكتوك “الركشات” لا يفوت ولا يموت – على حد تعبيرهم – نبض ظل محمود يدور في سماء لا عماد لها، فهو ابن القاع المنسي ضد الزخارف الزائفة، والنسق العام، في يناير اكتمل لحن غيابه وعمدوه على أكتف أبكته في شوارع كان الحوت يعرفها من خلال ملصقات الإعلانات، ومحمود سردية لا إعلان لها وإنما كحصاد يعلم المزارعين لحظة قطفه، يظل محمود سؤال الثقافة التائهة وأرض خصبة للذاكرة الحيوية.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *