‫الرئيسية‬ مقالات هل تكون ديسمبر الثورة الأخيرة أم مجرد ثالثة؟!
مقالات - 15 يناير 2021

هل تكون ديسمبر الثورة الأخيرة أم مجرد ثالثة؟!

يبدو أننا أصحاب شغف عظيم بتمجيد الذات استدعاءً واستجداءً لكل إطراءٍ ممكن، لدرجة أن نجعل من سلوك طبيعي جداً حدثاً تاريخياً كما في حكاية ذلك (الراعي) البسيط الذي ذاع صيته إثر رفضه إغراءً مالياً يسيل له اللعاب، وذلك نظير سماحه لمن صنع ووثق الحكاية ببعض الشياه والخراف التي يرعاها ما عده خيانة لأمانة (كفيله) الذي ائتمنه على (سعيته). حكاية صغيرة صنعنا منها مجداً تسير بذكره الركبان.

ومثلها كثير من حكايات تتمحور كلها حول الأمانة والنزاهة والكرامة والشجاعة وما إليها من صفات. أما استجداء الإطراء فتلخصه الأسئلة الساذجة لإعلاميي زمن الغفلة، الذين ما تركوا ضيفاً أجنبياً إلا وسألوه إلحافاً عما أعجبه في السودان والسودانيين، فيحار الضيف كيف يجيب بغير مدح طِيبة وشهامة وكرم السودانيين؟!

هل هو شغف طبيعي يغشى بقية شعوب الأرض كما يغشانا؟! أم محض خصيصة من خصائصنا؟! أم يا ترى بعض سلوك تعويضي نبذله لمعادلة إحساس بالنقص أو بالقهر أو العجز؟! أم مقابل لضعف حصيلة منتوجنا الفكري، الأدبي، وبالطبع المادي؟! إنها مجرد تساؤلات أكثر منها خلاصات، نحتاج أن نوليها بعض اهتمام، يستوى في ذلك تشريح المستوى الجمعي كما الفرداني حد السواء.

ما دعاني لابتدار هذا المقال بهذه المقدمة -التي أتمنى ألا تكون مجحفة- شغف آخر يتصل بالجانب السياسي كثيراً ما نفاخر به الآخرين. (فنحن) أولياء ثوراتٍ عديدةٍ مجيدة، لكننا ننسى أن تعدد المآثر الثورية يجب ألا يخفى فشلنا في القطع مع الشموليات ومنع تكرارها، أو فشلنا في ترسيخ قوائم النظام الديمقراطي واستدامته، وقبل ذلك كله فشلنا في تأمين العبور الآمن إلى مراحل الانتقال التي تعقب الثورات مناط فخرنا.

وما ديسمبر المجيدة إلا ثورة تسير في ذات النفق المظلم، إن لم نولِها الرعاية اللازمة التي تقيها شرور الانتكاس والارتداد الذي نرى بوادره مرأى العين، جراء الأداء البائس لذات البنية النخبوية التي تنكبت الطريق في إدارة ما سبق من ثورات. فالقريب من شوارع وأزقة غمار الناس -الذين صنعوا الثورة وسقوها من عرقهم ودمائهم- يلحظ بلا مواربة إحباطاً أقرب لليأس، وخذلاناً أقرب للكفر بالثورة ووعودها المجهضة في العدالة والحياة الكريمة، لدرجة أن استوى عند الكثيرين منهم حالهم (ما قبل) الثورة و(ما بعدها).

الحقيقة ألا شيء تغيَّر، بل ازدادوا من البؤس كيل بعير، لا يوجد منجز واحد على أرض الواقع يمكن أن يفتح أمامهم شرفات الأمل، أو يلهمهم بعضاً من صبر يبقي على جذوة الثورة متقدة في دواخلهم. فصراعهم من أجل لقمة الكفاف لا يتيح لهم وقتاً لإمعان النظر في منجزات مثل: استعادة السودان لحصانته السيادية، ولا فك أسره من قيود القائمة السوداء، ولا تحصين مدنية سلطته بقانون حماية الانتقال، وما إليها من منجزات عظيمة لكنها لم تمس بعد حياتهم التي تزداد رهقاً على رهق. وهنا تكمن المشكلة، ويتبدى اغتراب النخبة السياسية عن محيطها، حتى على مستوى التواصل والمحاورة، فقد اعتادت النخبة استخدام رصيدها الاجتماعي درقةً مرة وسيفاً مرة وجواداً مرات عديدة.

لقد ظلت النخبة السياسية والمدنية تتعامل مع مطلوبات الثورة وأهدافها بصورة توحي بالعجز التام، وهي في ذلك تعيد ذات سيناريوهات إجهاض الثورات والانتفاضات السابقة. فإذا كانت الكتلة الشعبية صانعة الثورة لا تعنى أكثر من (نقاطة انتخابية) عند الطائفية السياسية؛ فإنها لا تعني غير (أعواد ثقاب) عند القوى الحديثة، تشعلها لحرق غزل الشمولية، ثم تجلس هي على رماد المحرقة بلا رؤية أو كتاب منير. حدث هذا مرة ومرتين، وها هي نذر تكراره تلوح في الأفق، ففي الوقت الذي تراكم فيه النخبة (السياسومدنية) تجاربها البائسة ووعيها المراهق؛ تراكم في الاتجاه الآخر الشمولية خبراتها التآمرية وتُطوِر من آليات سيطرتها، وتتقدم حثيثاً صوب الإجهاز على أحلام التحول الديمقراطي.

أراق الكثيرون مداداً كثيفاً حول آفاق الإصلاح، آملاً في أن ترتفع قامة النخبة السياسية أو ما يسمى بالنادي السياسي لحدود طموحات الشعب وتطلعاته، لكنها تأبى دائماً بلوغ تلك المراقي، وتظل كما ظل آل البوربون لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً، فنظل ندور في ذات الدائرة اللعينة، دائرة التضحيات العظيمة والآمال المجهضة. إزاء هذا الواقع البئيس؛ لم يتبق للمؤمنين بحتمية التغيير وأصحاب المصلحة إلا توحيد صفوفهم، وتنظيم قدراتهم، وشحذ طاقاتهم، وابتداع الأشكال الجبهوية التنظيمية المناسبة، واجتراح الرؤى السياسية التي تخاطب الواقع والطموح معاً، ومن ثم تجاوز كل هذه المكونات التي أدمنت إنتاج الفشل. أما كيف يتم ذلك؟! فهذا متروك لأصحاب المصلحة الـ (Stakeholders) ليقرروا في شأنه ما يشاؤون.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *