‫الرئيسية‬ مقالات العلمانية بين الإسلام والأديان الأفريقية والنموذج السوداني
مقالات - 15 يناير 2021

العلمانية بين الإسلام والأديان الأفريقية والنموذج السوداني

محي الدين جمعة

في تسعينيات القرن الماضي؛ كان جدي الفكي حسين سعيد -كما ينادونه في منطقة أرلي شرق محلية كاس بولاية جنوب دارفور- وبعد التمدن الذي حصل لمحلية كاس ما بعد الخمسينيات؛ قد انتقل إلى محلية كاس واستقر هناك، كنتُ وقتها أرافقه من المسجد ثم عوداً إلى البيت، وأنا ابن سبع سنوات، حفظت عنده بعضاً من الآيات والسور القرآنية، وكنتُ دائماً أرافقه إلى الخارج. كنا ذات مرة نجلس بزاوية البيت، وهي عادة مجتمعية، فسأله أحد المارة بالشارع، أن الذين أتوا إلى الحكم جاءوا من أجل الدين، وقد تزامن هذا الكلام مع بدايات إعلان الجهاد في الجنوب، فرد عليه قائلاً: “نحنا الشيوخ ما عندنا شغلة بالسياسة، والسياسة عمل الشيطان”. مع أنني لم أفهم ذلك الحديث الرفيع، إلا أن تلك العبارة رسخت في ذهني إلى يومنا هذا.

يمر السودان اليوم بمرحلة جديدة بعد ثورة ديسمبر 2018م، مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة، البناء الذي لم ينزل من السماء وإنما بجهود من قاموا بهذه الثورة، ولكل بناء تحدياته، ومن تحديات هذا البناء تحقيق السلام الشامل في البلاد مع محاورة جميع أطراف النزاع، وطي صفحة الحرب. ومن أجل ذلك وقعت حكومة الفترة الانتقالية المفاوضات مع قوى الكفاح المسلح اتفاقية جوبا، إلا أن هذه الاتفاقية لم تشمل جميع الأطراف المسلحة: (حركة جيش تحرير السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال).

لم تشمل الاتفاقية تلك الأطراف بسبب تباين المواقف الفكرية بين الحركتين والوفد المفاوض من طرف الحكومة، وواضح أن أحد المواقف التباينية هو مطلب العلمانية، والذي قدمته الحركة الشعبية كبند تفاوضي من خلال منبر جوبا ولقاءات أديس أبابا، الأمر الذي أدى إلى تأجيل الجلسات مع وفدي الحركة الشعبية ووفد الحكومي المفاوض. ولايزال هذه المطلب عائقاً في الوصول إلى تحقيق السلام الشامل، وبرز من خلال هذه المواقف المتباينة بعض الأصوات ترفض إقرار العلمانية كمطلب تفاوضي، وتمثل هذه الأصوات تيارات مختلفة، منها إسلامية أصولية، ومنها فكرية متواطئة معها.

ويُلاحظ أن المتمسكين بتطبيق الشريعة الإسلامية ليسوا من الإسلاميين أو جماعات الهوس الديني أو المتشددين أو المتعصبين فقط، وإنما شمل بعض المفكرين أيضاً، وهذا إن دل فيدل على أن هذا الرفض للعلمانية والتمسك بالشريعة الإسلامية ليس على أساس التمسك بالإسلام كقيمة في ذاته، وإنما من أجل توظيف الدين كذريعة وحصان طروادة. بمعنى آخر للوصول إلى السلطة والهيمنة عبر الدين وسيطرة الخطاب الأحادي، ولأن الإسلام نفسه يحمل محمولات ثقافية وعرقية تاريخياً، ورمزية لاستمرار السيطرة على المؤسسات السياسية. والإشكال الآخر هو من أي منطلق يُنظر إلى مسألة علاقة الدين بالدولة في السودان؟! هل من منطلق مركزية الإسلاموعربية، المركزية الشرق أوسطية؟! أو من منطلق الجزيرة العربية، أو المركزية الأفريقية، الأفروعربية؟! ومن خلال هذه التصورات (براديغم) المتعددة أُدخلت العلمانية في شبكة من التعقيدات.

في المقابل؛ والأمر الذي لا يوجد مثل هذه النزاعات عند معتنقي الأديان الأفريقية والذين ينظرون إلى هؤلاء بنظرة غريبة، وهؤلاء أصحاب الكوجور، والذين يعيشون مع الناس دون فرض اعتقاداتهم وممارساتهم الدينية على الآخرين. بما أن تاريخياً في السودان، في حقبة ما قبل الإسلام؛ كان السودانيون يمارسون معتقداتهم الدينية دون التدخل في شؤون السلاطين والمكوك والملوك؛ مع أن التنصيب كان يتم في أماكن العبادة والكهوف، ولم يكن للكهنة التدخل المباشر في الممارسات السياسية، والدليل على ذلك وجود القوانين العرفية المستمدة من تجاربهم الحياتية اليومية، مثل قانون دالي في سلطنة دارفور، وتوجد هذه القوانين الوضعية الإنسانية في جبال النوبة والنيل الأزرق وكثير من مناطق السكان الأصليين ما قبل السلام. فلم نشهد معارك جهادية بين الأديان الأفريقية، بل تعايشوا في سلام تام، وتسامحوا بين جميع المكونات، فكانت المعارك فقط بسبب الأرض أو تعدي الحدود الجغرافية.

أعتقد أن النموذج البنائي السليم الذي يمكن أن يُعمم على جميع المؤسسات السياسية للدولة هو نموذج جبال النوبة، حيث إن في هذه المنطقة يعيش الناس المؤمنون بالأديان المختلفة، حيث يُوجد المسلمون بمختلف المذاهب والطوائف، الصوفية والسنية، ويوجد الكوجوري (الأديان الأفريقية)، والمسيحي. وجميعهم يعيشون في مجتمع واحد، وبعضهم ينتمون إلى عائلة واحدة، فلا يُوجد إكراه في ذلك، يعيشون حياتهم الطبيعية دون الهجوم على البعض أو النقد أو الإدانة أو التكفير … إلخ.

ينبغي في هذه المرحلة التأسيسية تجاوز تأويلات التجربة الغربية العلمانية وتعقيداتها الفلسفية والفكرية، فنموذج جبال هو النموذج السوداني الخالص للممارسة العلمانية اجتماعياً وسياسياً. وقد تناسى الدكتور حيدر إبراهيم علي الحديث عن هذه التجربة، مع أنه هو نفسه -ولا أدري إن كان ذلك تعالياً- لم يلاحظ هذا التعايش كونه من مُنظري المنهج السوسيولجي في تحليل الصراع في السودان، بل ذهب ينتقد مطلب الحركة الشعبية بالعلمانية كأنما يعلن انضمامه إلى تلك التيارات الأصولية الرافضة.

وأقول إن الحركة الشعبية تطالب بالعلمانية من حيث التجربة التي عاشتها وتعيشها الآن بين مكونات جبال النوبة من متعددي الديانات والثقافات، فهي مسألة طبيعية أن تطالب الحركة الشعبية بالعلمانية. إضافة إلى ذلك؛ فإن سؤال الأب فيليب غبوش لايزال قائماً، والذي واجه به الدكتور الترابي في مداولات دستور 1968م. سأل الأب غبوش الترابي: “هل يحق لغير المسلم أن يكون رئيساً للدولة السودانية؟”. فأجابه الترابي بـ (لا). ومنذ ذلك الوقت؛ أُضيف جذر جديد إلى جذور الأزمة السودانية. لتحقيق السلام اليوم. ينبغي تجاوز هذه الجذور والتي تشكل عائقاً كبيراً في الوصول إلى سلام عادل وشامل لرفاهية الشعوب، والانصراف إلى الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والبشرية.

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *