‫الرئيسية‬ ثقافة ما بين (بهنس) و(فان جوخ) .. ربما يُثمر الصمت
ثقافة - 13 يناير 2021

ما بين (بهنس) و(فان جوخ) .. ربما يُثمر الصمت

مصطفى سعيد

“ربَّما يُثمر الصّمت”، بقلم حبرٍ أزرق، وبخطٍ أقرب لخطِ الرقعة، كتب محمد حسين (بهنس) هذه الجملة في الصفحة الأولى لأحد دفاتره، أعتقد أنّه كتب هذه الجملة وكان حينها تحت تأثيرٍ نفسي دعاه لاعتزال الكَلِم وحثّه على الانزواء في محراب الروح.
ذلك الصمت الذي لازم هذا الفنان لفترةٍ طويلة كان صمتاً من نوع آخر، صمتاً صاخباً وممتلئاً بضجّة وانفعالات داخلية لم يستوعبها إلا هو.

أعتقد أن الأقدار خدمتني خدمة جليلة عندما منحني الأستاذ (علي حسين) مظروفاً به قصاصات كانت ملكاً لشقيقه الأصغر (بهنس)، أعطاني تلك الأوراق ثم قال لي: ”حتطلع منها بشيء“، وعثرت في المظروف على مجموعة من الصور الفوتوغرافية لأعمال كان قد أنجزها (بهنس) قبل وفاته، وعكفت على دراسة هذه الأعمال عن كثب لعلّي أستطيع أن (أطلع منها بحاجة).

▪︎عوامل التكوين:

الأطفال في مراحلهم الأولى دائماً ما يكونونا مرنين، ولديهم قابلية التعلّم السريع واكتساب المهارات والمواهب، فكل إنسان في مرحلة طفولته يُشكّل عوالمه الخاصة عن طريق لغة الفن، ويبقى الفرق بين الطفل الذي كبُرت معه تلك المواهب والمهارات، والذي تركها حتى اضمحلّت وماتت.

تأثر بهنس في مراحله الأولى بوالدته التي كانت أستاذةً للغة الإنجليزية والفنون الجميلة، ووالده معلّم اللغة العربية، هذا التأثّر تمثل في مجالي الرسم والشعر، فوالدته كانت مرشده الأول في الرسم، أما والده فقد كان فصيح اللسان مُفوهاً، يكتب الشعر الفصيح والدارجي بمهارة.

ووفقاً لحديث ابنه الأكبر (علي)، فإن والدهم كان يداوم على زيارة مسقط رأسه في منطقة (أبو دليق – البطاحين)، ودائماً ما يصطحب معه في هذه الزيارات صغيره (بهنس)، فتعلم حينها أشعار البطانة، وكتابة المربّعات والمسادير. هنالك عامل آخر ساهم في تكوين شخصية ذلك الفنان على المستوى المعرفي، فقد كان هناك حوار فكري ينشأ دائماً بين أخويه: علي الذي كان يطرح نفسه كشخصية تقدمية معتدلة، وأحمد  الليبرالي الذي لا يحد انفتاحه حدوداً، في هذا العصف الذهني المستمر بين هذين التيارين المتحاورين، كانت هنالك رؤى وأفكار تتشكل في رأس الصغير بهنس.

وقد قرأ في فترة التسعينيات أشعار محمود درويش ومظفر النواب، كما داوم على قراءة الأعداد الدورية لمجلة الناقد. وقد سجل شريطاً في ذلك الوقت به العديد من النصوص التي كتبها، ومن ضمنها قصيدته المعروفة (بهديك الفوضى).

منهج التجريبي: الفنان بطبعه مجرّب وباحث عن أجوبة لاستفساراته، وكلما أوصله الإدراك إلى مكان ما، تتأجج عنده شهوة الفضول، وتنفتح شهيته المعرفية، فيكون نهمه للاستزادة لا متناهي.

الرسم التشكيلي، بل جميع الفنون، تقوم في الأساس على التجريب، ويفتح التجريب للفنان كل أبواب الاحتمالات، وهذا ما يُوحي بالحالة التي كان عليها (بهنس)، فمعظم أعماله كانت نتاجاً لأبحاثه الدؤوبة في مختلف المواضيع والتجريب المستمر للخامات اللونية.

يقول (بيكاسو): ”اتقن القواعد مبتدئ لتكسرها كمحترف“، وقد قام (بهنس) بتطبيق هذه المقولة على أكمل وجه. حاول بهنس أكثر من مرة دخول كلية الفنون الجميلة، ولكن دائماً كان يتم استبعاده في مرحلة امتحان القدرات، بالرغم من أن قدراته كانت عالية، والتحق بقصر الشباب والأطفال لصقل مهاراته، وتعلم في ذلك الوقت التشكيل، والنوتة الموسيقية، بجانب العزف على الجيتار، وقد وصل بسرعة للاحترافية عبر التعلّم الذاتي.

أعتقد أنه لو كان درس الفنون بقواعدها الأكاديمية الصارمة لحدَّ ذلك من قدراته، وجعله يستكين في القالب الأكاديمي النمطي، فالقواعد تختصر الطريق، وتجعل المتعلّم يسير في خطوات السابقين الذين خاضوا كل مراحل التجريب ليصلوا لصياغة القواعد.
مضى (بهنس) في رحلة التجريب غير مبالٍ بالنتائج، وقد رسم بالرصاص والفحم، ولوّن بالزيت والاكليريك والألوان المائية، حتى (القهوة) كانت حضوراً في رحلته التجريبية عبر استخدامه لها في التلوين.

▪︎تدوين:

“في العام 2006 قادتني تجاربي في الرسم والتلوين والتصوير والموسيقى والأدب إلى تجربة الرسم بالضوء، وذلك يتم تحت الظلام التام، ويعتمد على أن يتم فتح الـ.shutter أو مصراعي اللقطة، وخلال خمس ثوان يجب أن أتحرك وفي يدي ضوء يدوي متحرك أو أكثر.. أرسم في غضون الخمس ثوان، أحاول أن أرسم جيداً، والكاميرا تلتقط كل حركة حساسة للضوء في خلال تلك الخمس ثواني”.
محمد حسين بهنس
فرنسا 25/2/2006

الظل والضوء هما طرفا معادلة الرسم، والاثنان يعكسان بعضيهما، فبوجود الظِل يتراجع الضوء والعكس، أما في الرسم بالضوء فإن الظل -المتمثل في الظلام- يُحاصر الضوء من كل الجوانب جاعلاً إياه يبرز بخطوطه المتوهجة، كأنه سيلٌ مشعٌ ينساب في صفحة الظلام.

يعود تاريخ تقنية الرسم بالضوء إلى عام 1889م، عندما قام كل من (إتيان جول) و(جورج ديمني) بتوصيل مصابيح متوهجة بمفاصل أحد الأشخاص وتتبع حركته، والتقطت الصورة الفوتوغرافية الأولى عن طريق الرسم بالضوء.

جرّب بهنس هذه التقنية، وأحدث فيها ما يشبه الإحياء بعد إقامته لمعرض ضوئي بفرنسا. الأعمال الضوئية التي نفذها غَلب عليها أسلوب السهل الممتنع، فكانت جميلة بسيطة، غير غارقة في التعقيد، مما يجعل المتلقي يستوعبها بسهولة.

رسم بالضوء وجوهاً لشخصيات متعددة، ولكنه ركّز على التشكيل الحُر المنتمي لمدرسة الخرطوم التشكيلية ورمزياتها المختلفة كـ (الثور) الذي كان حضوراً في الكثير من اللوحات.

▪︎الإنسان محور المواضيع:

مرَّ الفنان الراحل محمد حسين بهنس بهزات نفسية عنيفة انعكست على أعماله الفنية، فقد خطّ عبر الريشة والقلم هواجسه ومخاوفه وآلامه وآماله، كما أنّه مرّ بمرحلة صراع وجودي ظهرت تداعياته في كتاباته بشكلٍ واضح.

بدراسة بعض من أعماله، فإن المحور الأساسي لمواضيعه كان هو (الإنسان)، الإنسان الذي حاول تجسيد حركته وسكونه وملامحه، وقد ركّز على رسم البسطاء من البشر.

طريقة تلوينه للبورتريه فيها تمرّد جَلِي، حيث إنه كان يلون بتحرر تام من كل أشكال التقييد والمراعاة في استخدام الألوان، ويميل إلى استخدام الألوان الصارخة مثل الأحمر والأصفر والأخضر، كما رسم الجسد الأنثوي في كثير من اللوحات، فقد رسم الأنثى في مواضع متحركة ومتحررة، وفي مواضع أخرى ساكنة وجامدة.

▪︎وحشة ليلة البرد الأخيرة:

في ذلك الوقت، في ذروة الصراع الداخلي، وقبل أن يتدثّر (بهنس) بالكفن الثلجي، قرر أن يودّع الدنيا بعشرِ لوحاتٍ تجريدية، جرّدهن من كل الملامح المألوفة، تجريداً أُحادياً لم يستخدم فيه إلا اللون الأسود، أسماها صديقه وليد إسماعيل حسن بـ (وحشة ليلة البرد الأخيرة)، وأقيم لها معرض خاص في العام 2017م في الخرطوم – بابا كوستا، كما أنها عُرضت أيضاً بجامعة النيلين.

ووفقاً لعدد من التجارب التشكيلية، فإن كثيراً من الفنانين يبدأون مسيرتهم الفنية متأثرين بالواقعية، ثم يتراجع هذا التأثر تدريجياً إلى أن يصل مرحلة التجريد، وفي هذه المرحلة يكون الفنان قد بلغ مبلغاً من الإدراك يمنعه من أن يُعبِّر عن المواضيع وينقل الأشكال بواقعية ساذجة، كما أسلفنا، فإن بهنس قد مرّ بهزات نفسية وصدمات متتالية، هذه الصدمات كان لها أثر بالغ في مسيرته الفنية.

▪︎مابين (بهنس) و(فان جوخ):

من أعظم رسامي العالم وأشهرهم الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ، الذي عاش حياةً متقلبةً مليئة بالمواقف والأحداث وقد عانى كثيراً من صراعاته الداخلية، وأنهى حياته بعد أن توصل إلى قناعة عدمية لخَّصها في رسالة لشقيقة (ثيو)، حيث كتب له (لن ينتهي البؤس أبداً).

في التسعينيات كتب بهنس قصيدته الشهيرة (بهديك الفوضى):

بهديك الفوضى.. شجار طفلين في ساحة روضة
بهديك الغربة.. هتاف الموتى وصمت التربة
بهديك حزنك.. ستات الفول ”أثناء الخمشة“ بعد إذنك
بهديك إحباطي.. حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي
بهديك الليل البين جبلين.. فقدك لقى دين
بهديك طلة.. لبيوت الخيش وخيم تفتيش
وأسواق أرخص ما فيها حليفة الله
بهديك متمرد.. والنيل في الجركانات باعوه برّد برّد
بهديك ولاشي.. واقطع وديان السهو مشي!

ذات المنظور الذي نظر به فينست إلى العالم، وقف بهنس على حافته ثم ألقى نظرةً سريعة.. أهاله ما وجده من عبث وفوضى، فالموتى كانوا يهتفون، والتربة صامتة، وعلى قارعة الطريق استئذان غير مُجدٍ يلقى على مسامع ستات الفول مئات المرات في اليوم، كما أن الأسواق الممتلئة بالبضاعة الباهظة، كان الحلف باسم الله أرخص ما فيها. وحينما امتلأت عيناه بالمشاهدات قرر أن يغمضهما ويهدينا اللاشيء (العدم).

في جانب آخر نجد أن فينست قام برسم أكثر من (800) لوحة زيتية خلال أعوامه الأخيرة، ولم يكن يرسم من أجل المكسب المادي، بل إنه كان يرسم من أجل تلبية نداءات تلك الرغبة الملحّة التي تدعوه للتعبير عن العالم والأشياء، والغريب أن تعبيره كان حيوياً، وألوانه متفائلة.

ونجد أن بهنس كذلك قد قاده التجريب إلى رسم مئات اللوحات، وكان باعثه الأول في ذلك التعبير عن رؤاه، وفي كل مرحلة، سواء أكانت عاطفية أو فكرية، أو مراحل التقلبات السياسية التي مرت بها البلاد، كان يسخّر فنه للتعبير عن هذه المواضيع.

أما في جانب آخر فإننا نلاحظ أن فينست قد نشأ في كنف عائلة متدينة، وكما يقول المؤرخون إنه في العام 1876م قام بتكريس حياته لخدمة الكنيسة والتبحّر في الكتاب المقدّس، وهذا نمى فيه حس الزُهد واعتزال الدنيا، كذلك فإن بهنس نشأ في بيئة بها شيء من التصوف السوداني الفطري، وتشير الكتابات والتدوينات التي خطها في دفاتره إلى النزعة الصوفية العميقة التي كانت تعتريه.

▪︎القاهرة، ديسمبر 2012م:

في تلك الفترة، يبدو أن الفجائع قد تمكنت من (بهنس)، فبعد عودته من فرنسا إلى السودان في العام 2008م، قرر أن يُيَمم وجهه قِبَل الجنوب الشرقي (أستراليا)، وسافر إلى مصر في العام 2010م، ومكث فيها لعامين كاملين، إلا أن الظروف لم تساعده لإكمال الرحلة.

يبدو أنهما كانا عامين ممتلئين بكل أشكال المعاناة، ورغم ذلك لم يتوقف عن ممارسة فنّه، حيث أقام معرضاً على الرصيف في شوارع القاهرة.

في تلك الليلة الديسمبرية الباردة، يبدو أن روح الفنان المتمردة قد عزمت أمرها بالانعتاق من سلطة الجسد، وقررت أن تتخّذ من ثلج الشتاء معبراً يوصلها إلى الربيع، بعد أن ضاقت بها الدنيا وعجزت الجغرافيا عن احتوائها.

وصل خبر الوفاة إلى السودان بعد سبعة أيام، ووُريَ الجثمان الطاهر الثرى بأم درمان في العشرين من ديسمبر من العالم 2012م.

*نُشر هذا المقال ورقياً بصحيفة الديمقراطي

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *