‫الرئيسية‬ مقالات آراء المفارقة ما بين سد الفجوات وعُزلة النُظراء في دَمَقْرَطَة الإعلام
آراء - مقالات - 12 يناير 2021

المفارقة ما بين سد الفجوات وعُزلة النُظراء في دَمَقْرَطَة الإعلام

علي التلوبي

بعد أحداث العنف التي استهدفت الكونغرس الأمريكي بواسطة اليمين المتطرف الأمريكي، فقد قامت شركتي آبل وقوقل بإزالة تطبيق “بارلر” من قائمة التطبيقات التي يمكن تنزيلها من متجريهما الإلكتروني. وقبل عدة ساعات أغلقت شركة أمازون استضافة منصة بارلر على سحابتها الالكترونية مما أدى لتوقف المنصة تماماً عن العمل. وبتلك الإجراءات فقد تحملت الشركات آنفة الذكر مسؤوليتها الاجتماعية إزاء انتشار الدعوات للعنف على منصة بارلر.

ومنصة بارلر هي منصة شبيهة بمنصة توتير من حيث المظهر والوسائل مع بضع اختلافات طفيفة. ومنذ إنشائها عام 2018 فقد أصبحت جاذبة لليمين المتطرف الذي وجد فيها مكاناً لبث نجاواه التي تتسم كثيراً من الأحيان بالتشبع بنظريات المؤامرة. وهي نظريات قد كانت تغذيها في الماضي بضع مواقع كانت تقبع في غور ظلام الانترنت. ومع قدوم ترامب وتبنيه لتلك الظلاميات فقد ترعرعت تلك المواقع وازدهرت وتزايدت وصارت أكثر جرأة وظهوراً، لا سيما مع تشجيعه لها وتقليله من شأن الكيانات الإعلامية المعروفة.

لا شك أننا نعيش في عهد انفتاح معلوماتي هائل ومتسارع. فنتيجة لتطور التنقية ولانخفاض التكلفة فقد أصبح من السهل إنشاء القنوات المرئية والمسموعة. كما وأن أدوات التواصل الاجتماعي قد مكنت كل فرد بشري من امتلاك منصته الخاصة ليعبر بها عن رأيه وعن أفكاره. وهي أفكار يمكن بثها في الفضاء العام عبر الحساب الفردي الشخصي، أو ببضع مجموعات مغلقة يتشارك أعضاؤها الأفكار والآلام والآمال.

تلك الدَمَقْرَطَة المعلوماتية كان لها إيقاع إيجابي في إتاحة المعلومات لجميع أفراد البشرية مما أدى لردم الهوة المعرفية الشاسعة بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة. كما وأدى ذلك إلى تحرير الإعلام من هيمنة الدولة وقبضة قوانينها التي كان من السهل تطبيقها على الإعلام التقليدي. إضافة إلى ذلك فإن تحرر الإعلام قد مكن منطقتنا من إزالة الهيمنة المنبرجية التي ظلت لقرون سحيقة ممسكة بتلابيب حرية التعبير وبإمكان التحرر من القوالب الدينية المحنطة.

وبطبيعة الحال فإن كل ظاهرة عادة ما تكون مصحوبة بمساوئها بجانب ما بها من محاسن. وبعض ما أفرزته تحرير المعلوماتية أنها قد سهلت من إمكان بث المعلومات المضللة والكاذبة. فأصبح من الصعب التفريق بين الخبر الصحيح والخبر المفترى. وليس بعيداً عنا ما قامت به روسيا بالانتخابات الأمريكية عام 2016 عبر التضليل الإعلامي للناخب الأمريكي مما كان أحد عوامل فوز ترامب على هيلاري كلينتون. كما أنه تمر علينا يومياً بمجموعات الواتس كثير من الأخبار والمعلومات التي يصعب علينا أن نفرق فيها ما بين الصحيح والمفبرك. ولقد أصبحت فبركة الأخبار إحدى هوايات الأجهزة المخابراتية الإقليمية والمحلية، وربما بدون أي هدف استراتيجي سوى ذلك الشعور الذي يحسه الأطفال، وكثير من الكبار، حينما يلهون بلعبة حرب على الانترنت.

ولكن لعل أخطر ما قد أفرزته وفرة البنيات المعلوماتية هي تلك الجزر المعزولة التي قد انقطع التواصل ما بينها. فإمكان الوجود في إحدى المجموعات بإحدى منصات التواصل الاجتماعي قد خلق أخاديد تواصلية ما بين المختلفين. إذ أدت خاصية المجموعات إلى تحدب النظراء وفرزهم كل في جزيرتهم. فقل السماع للأفكار المختلفة وأصبحت الأفكار الأحادية تزداد ترسخا ويزداد النفور ما بين الأقطاب.

ليس بهذا المقال مقترحات للحل، وإنما هو دعوة للتفكر بهدف إيقاظ العباقرة الذين عادة ما يحلون لنا المعضلات. وفقط يمكنني القول إن إيقاف منصة بارلر ليس حلاً. نعم قد يكون التوقيف حلاً ناجعاً للأسابيع القادمة التي يمثل فيها اليمين المتطرف الأمريكي خطراً على الأمن. ولكنه ليس حلاً مستداماً لأن التقنية متوفرة والمبادرة ستتوفر لإنشاء منصات مشابهة راسية على بنيات تحتية مدعومة من تلك الجماعات نفسها. وحينها فستنتقل تلك الجزز المعزولة من مرحلة العزلة ما بين المجموعات بمنصة واحدة إلى عزلة أعمق فيما بين المنصات. فينتقل النظراء من العيش في جزر معزولة إلى العيش كلٌ في كوكبه الخاص.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 6

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. أقترح منع تكوين القروبات والمجموعات المغلقة خاصة في المنصات المجانية، من لا يستطيع نشر أفكاره للعلن فليستخدم الواقع الفيزيائي…بالتالي يسهل متابعته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *