‫الرئيسية‬ مقالات من خليل فرح إلى جون قرنق وما بعد (بالطريق الشاقي السودان)
مقالات - 13 يناير 2021

من خليل فرح إلى جون قرنق وما بعد (بالطريق الشاقي السودان)

د. عبدالله جلاب
جامعة ولاية أريزونا

Abdullahi.gallab@asu.edu

وصف خليل فرح لبلاده نفراً من أبنائها بقوله: “يا بلادي كم فيك حاذق غير إلهك ما أما رازق”. وزاد في وصف أو ما يميز ذلك الحاذق عن من سواه بأن من “شعاره دخول المآزق”، وأنه “يتفانى وشرفك تمام”. ما كان للرجل أن يتحول من خليل أفندي فرح إلى خليل فرح لو لم يكن شعاره هو الآخر دخول المآزق. وذلك عن طريق انغماسه في حركة تغيير مناخ الحوار الوطني ليشتمل على قضية الوطن بكامله، في إطار المجال العام لا المجال الرسمي الذي كان هو أحد موظفي دولته. بمعنى آخر؛ إن خليل فرح عندما انتقل من مجال المجتمع المحلي للدولة إلى المجال العام للوطن، أصبح قيثارة الحركة الوطنية التي رأت في الاستعمار هواناً للأمة، وهو بذلك أمر لا يطاق. غير أن تغيير مناخ الحوار الوطني وقتذاك قد أعطى ما هو أكثر من ذلك. لقد حول ما بين يوم وليلة من لفظة (سوداني) التي أراد بها المستعمر تخصيص قطاع من الأمم السودانية بالدونية، إلى شارة فخار جامع تتوشح به الأمة السودانية. وبذلك تحرر الخيال السياسي والاجتماعي السودانيين بشأن مخيلة صناعة وماهية الأمة من ربقة الاستعمار. لذلك كانت تلك اللحظة التاريخية شارة العبور الكبرى من ضيق القبلية التي أراد بها المستعمر تقزيم التجربة السودانية إلى رحابة الوطن الذي تجلى في لحظتها التاريخية تعظيم التجربة السودانية.

ومن تجليات تلك اللحظة التاريخية أن اجتمع شمل الجماعة الناهضة التي كان شعارها دخول المأزق ليضم: ضباط الجيش وعلى رأسهم علي عبد اللطيف، وموظفي الدولة وعلى رأسهم عبيد حاج الأمين وخليل فرح والجلابة، أو الطبقة التجارية وعلى رأسهم سليمان كشة، والنقابيين وعلى رأسهم علي أحمد صالح والتهامي محمد عثمان، مع آخرين في أنحاء الوطن من أجل تعظيم التجربة السودانية. وعندما اختاروا علي عبد اللطيف رئيساً لجماعتهم؛ لم يكن ذلك لأنه جاء من أب دينكاوي وأم نوباوية. ولو كانوا فعلوها من أجل ذلك لكانوا قد انحطوا بالتجربة السودانية إلى مجال القبيلة التي تجاوزوها تجاوزاً كاملا بتعظيم التجربة السودانية. لذلك لم يكن علي عبد اللطيف دينكاوياً أو نوباوياً وإنما كان السوداني الأول. هو والذين معه كانوا رواد مشروع السودان الجديد بلا مجادل، وقد تجلى ذلك في مسلكهم العام والخاص، كما تجلى في برنامجهم الذي ساهم بقوة في تغيير مناخ الحوار العام، وعمل على تحويل المجال العام بفيض ذلك المناخ المتجدد بالمعاني المتعالية على المشروع الاستعماري الشمولي الرجعي إلى مساحة حبلى بالجديد من أجل قيادة حركة التغيير الاجتماعي. ولعل الذين يتحدثون عن علي عبد اللطيف الآن في غير ذلك الإطار يحطون من قدره ومن قدر التجربة السودانية بتقزيمهما في إطار القبيلة، لا بتعظيمهما في إطار الأمة.

نعم؛ لقد تمكنت الدولة الاستعمارية من قمع الحركة، لكنها لم تستطع قهر المشروع، غير أنه بين هذا وذاك برزت قضايا جديدة وأخذت تطل برأسها من أجل إجابات ناجزة. أول تلك القضايا هي قضية ما يسمى بوحدة وداي النيل، وما هو المعنى المقصود بذلك بالنسبة لمصر المجال الرسمي، أو مصر الدولة، الذي ما زال خاضعاً للنظرة الخديوية للأمور، ومصر المجال العام، أو مصر الشعبية التي بدأت تجلياتها الثورية تظهر في المفاهيم الجديدة في إطار النضال المشترك. هذا وفي ذات الوقت أخذ يتضح شيئاً فشيئاً المفهوم السوداني لذلك الشعار، والذي لم يتمعن بجلاء الفرق بين مطامح مصر الرسمية وعواطف مصر الشعبية، وما بين مرارة الشعور بالخذلان الذي شعر به الثوار السودانيون، وكل السودانيين الآخرين التواقين للتحرر من الاستعمار تجاه ما وصفوه بخذلان المصريين لهم، وذلك بعدم مساندة الجيش المصري في السودان للثورة. الأمر الذي أعطى المزيد من الشعور بالضيق الذي عبر عنه ذات يوم حسين شريف رئيس تحرير جريدة الحضارة، بأن المصريين على حد قوله: “ولا نقول عقلاءهم طالما تحدونا بهذه المدافعة، وأجبرونا على النزول إلى ميدان المقارعة، بما كانوا يتبحثون من سخطنا، وينتقصون من حقنا طوال هذه المدة التي تجرعنا في خلالها من الإساءة كؤوساً مرة، تحملنا من الإهانة ما ينوء بالعصبة أولي القوة مراعاة لعهود الجوار وذمم الإخاء”. ويفصل حسين شريف ذلك بقوله إن الصحافة المصرية صورت السودانيين “بأقبح صور وأشنع حالة، وأنزلونا إلى مقام الهمج والعبيد ومتوحشي الزنوج، وقالوا إن بلادنا منبع الجهل وقرارة التوحش ومنبت البربرية، وألبسوا كل شيء يختص بنا ثوب الاحتقار والامتهان.”

وبين هذا وذلك الاتجاه أخذ المجال العام السوداني يشهد متواتر ومنقطع الحديث المكتوب وغير المكتوب حول ما سمي بالمسألة السودانية، أو ما يمكن أن يوصف بتطور وتنوع الحوار العام السوداني حول تطورات النزاع بشأن السودان بين الشريكين مصر وبريطانيا، والمعاني المختلفة لشعار السودان للسودانيين التي تضمنها ذلك الحوار الذي وصف بأنه بين تيارين أطلا في الحياة السودانية: أحدهما مؤيد لمصر، والثاني لبريطانيا. ولعل النظرة المتأملة لذلك الحوار يمكن أن تقود إلى غير ذلك الاختزال. لذلك ومن تجليات تعظيم التجربة السودانية فقد ظهرت الأحزاب السياسية والصحافة المطبوعة في شكلها الجديد والنقابات. ظهرت الأحزاب كمنابر جماهيرية جامعة تسع كل السودانيين في صفوف أي منها. وكما ظهرت الصحافة المكتوبة كمنبر مفتوح للرأي لقطاع من المتعلمين السودانيين الذين أخذوا يشكلون نواة المثقفين الجدد أو قادة الرأي في الحياة السودانية، فقد ظهرت النقابة في ما بعد كقطاع جمع بين أفراده الذين ضمتهم أساليب ووسائل وعلاقات عمل جديدة، وأخذ يرتقي بذاته عن طريق الوعي المكون لذاته تجاوزاً لمحدودية المطلبية إلى سعة ومشروعية التجاوب مع الهم الوطني العام ليصبح جزءاً من قوى المجال العام الساعية للتغيير الاجتماعي.

لقد نمى كل ذلك في إطار المجال العام، وتحول به العديد من أعضاء مجتمع الدولة والعاملين عليها ليكونوا أعضاء قياديين وصناع مجتمع مدني جديد بتنظيمات جديدة ومتنوعة. وذلك ما تعارفنا عليه بتيارات الحركة الوطنية بداية بالجمعيات الأدبية ومؤتمر الخريجين ويوم التعليم، وما صحب ذلك من حراك سياسي وثقافي وأدبي، الأمر الذي قاد إلى تغيير المناخ العام. ومن بعد توالى ظهور الأحزاب والتي تسمت بأسماء ذات دلالات كبرى مثل: حزب الأمة، والوطني الاتحادي، وحزب الشعب، والحزب الجمهوري، والحركة السودانية للتحرر الوطني، والجبهة المعادية للاستعمار، وحركة التحرير الإسلامي، وحركة الإخوان المسلمين. وعكست الصحف بقدر المستطاع شيئاً مما وهب تغيير المناخ العام للحوار من ما حملته أسماءها وانعكس على صفحاتها، فأخذت لنفسها أسماء ذات معنى: كالفجر، والنهضة، والسودان، والسودان الجديد، والرأي العام.

غير أن تلك الحركة الوطنية السودانية في تقزيمها للتجربة السودانية اكتفت بتلقيح تجربتها التحررية السودانية بتبادل المعارف النضالية من تجارب الشعوب المجاورة، والتي كان لها دورها في منازلة الاستعمار البريطاني والأخرى العالمية المناهضة للاستعمار بأشكاله المختلفة بسطحيات الأمور. فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ اكتفت الحركة الوطنية بأن تنقل من التجربة الهندية اسم المؤتمر لا أكثر ولا أقل. كما لم يتحرر رواد الحركة الوطنية كثيراً من الآثار الثقافية والفكرية للهيمنة البريطانية، فلم يعطوا كبير اهتمام لما أتى به العالم الجديد في صناعة الأوطان والدولة القومية والوطنيات والقوميات في ما كان كتاباً مفتوحاً وقتها حوى ولا يزال يحوى على تجارب الشعوب الناهضة والأمم الجديدة وقتها مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، واتحاد الجمهوريات السوفيتية، ومن تجارب العالم الجديد في صناعة الدول والأمم. لذلك فقد انتقلوا بما ورثوا من الدولة الاستعمارية وما أبقت دون تعديل أو دراسة للدور الذي قامت عليه دولة ونجت في تكريس صناعة التهميش بأشكاله المختلفة وتوزيع المظالم والقمع للمواطنين.

هذا ومن جهة أخرى؛ فقد ظلت الأحزاب محكومة بمحدودية أفقها السياسي والفكري الذي لم يستوعب عمق مشكلات المآزق الموروثة من تعقيدات البنيان الذي شيدته الدولة الاستعمارية للسودان المنقسم إلى مراكز وهوامش مركبة. وأن شعار تحرير لا تعمير قد ظل شعاراً فارغاً من المعنى في مجالي التحرير والتعمير أيضاً. لذلك وقعت البلاد في دوامات العنف الذي ظل ينتجها النهج القائم على محاولات القبض على جهاز الدولة وتسخير قوته غير المتكافئة مع القوى الأخرى من أجل مكاسب بعينها أو تصفية خصوم أو إحباط تطلعات مشروعة أو غير مشروعة. فمن منطق القوة المطلقة نتجت الانقلابات العسكرية التي هي في الأساس أسلوب دولة ونجت المفضل في كبح جماح المجال العام. لقد كانت دائماً ضحية تلك الانقلابات الأولى هم الأحزاب السياسية والصحافة المكتوبة وقادة الرأي. ويظل هؤلاء وأولئك عرضة لنوع معين من أنواع عنف الدولة، يتجسد في الحبس والتعذيب والتطهير والحرمان من العمل ومصادرة أملاك ودور الأحزاب ومحاولة تجفيف مواردها وإجبارها على العمل، إما من تحت الأرض أو من المهاجر. وتقدم الانقلابات العسكرية والنظم النابعة منها الحلول القائمة على العنف والمزيد من التهميش في الرد على القضايا المعقدة والبسيطة الناتجة عن الصدح أو التعبير عن شكوى الهامش. أما النوع الثاني من العنف فهو ذلك النوع من العنف الخاص الموجه صوب الدولة المركزية لإجبارها باستحقاقات للمواطنة بعينها. وعلى الرغم من أن رد المجال العام المتكرر ظل دائماً هو إزاله تلك النظم القمعية عن طريق العصيان المدني؛ إلا أن الحركات المتمردة ظلت هي الأميل إلى الحل الثنائي الذي يطيل من عمر تلك النظم، ويزيد من تعقيد القضية الأساسية أي قضية الوطن. الأمر الذي زاد من تعقيد المأزق التاريخي الذي نعيش الآن.

ولعل مربط فرس مشروع قرنق للسودان الجديد هو أن صاحبه قد أدخله في إطار الدولة التي يقوم على أمرها فصيل له مشروعه للسودان الآخر كان قد أسماه التوجه الحضاري. وهو مشروع مناقض جملة وتفصيلاً لكل مشاريع السودان الجديد الأخرى. لكونه في الأساس مشروعاً شمولياً إقصائياً يقوم على البطش الذي وصل إلى إعلان الجهاد ضد مواطنين لم تشفع لهم شيئاً مواطنتهم من تسخير جهاز الدولة الباطش وأدواته المختلفة ضد قطاعاتهم المختلفة. وعلى الرغم من أن النظام لم يعد يتحدث عن ذلك المشروع منذ أمد طويل إلا أنه لم يتراجع أو يتقدم بما يمكن أن يعتبر مراجعة فكرية أصيلة أو سلوكية ناقدة لذلك النهج. كما أنه وحتى الآن لم يقدم الإسلامويون في السودان في جماعاتهم المختلفة دون استثناء في داخل الحكم أو خارجه ما يشير إلى أن هنالك أي مراجعة أو تغيير في نظرتهم للدولة. لذا أصبحت كل محاولات الحوار مع النظام أقرب إلى حوار الطرشان، كما ظلت شراكة الشريكين أشبه بالجمع بين الماء والزيت. لقد كان من الممكن تجاوز ذلك المأزق التاريخي بمشاركة كل القوى السياسية السودانية وأهل المعارف العلمية في مناقشات السلام، الأمر الذي كان من الممكن أن تحول نيفاشا إلى مؤتمر مائدة مستديرة من أجل معالجة ناجزة لصناعة سودان جديد لا كحل جزئي لقضية كلية. رغماً عن ذلك فقد مات المشروع في مهده أربع مرات.

أولاً: لقد ساهم الرحيل المبكر لجون قرنق في إحباط الحراك الفياض في مجال المجال العام، والذي أعطاه حضور جون قرنق إلى الخرطوم، والاستقبال غير المسبوق الذي استقبل به كتفويض للشخص والمشروع معاً حيوية واضحة، أمل البعض بأنها يمكن أن تعطي المجال العام قوة إضافية تتواصل مع القوى الأخرى من أجل إحداث حركة تغيير يمكن أن يركن إليها.

ثانياً: مات ما اتفق عليه من المشروع نتيجة انقلاب دولة الإسلامويين الشمولي والتي اقتصت لنفسها أول ما اقتصت من الفريق الداخلي الذي شارك في الوصول إلى اتفاق نيفاشا. وذلك هو الانقلاب الثاني في إطار حروبات الإسلامويين الداخلية بعد انقلاب فصيل منهم في نهاية القرن على الدكتور حسن الترابي الذي تباروا بتسميته بالشيخ حسن تمهيداً لمشروع ولاية فقيه سنية ذات يوم. هذا وقضى الانقلاب الثاني ضد علي عثمان وفريقه بإخراجهم من دائرة الفعل السياسي والإداري في الدولة. ليبقي الحال الشيخ علي في حالة موت سريري في غرفة إنعاش القصر. ومن هنا لحقت بذلك الانقلاب الصامت هزيمة بالشيخ الثاني للجماعة علي عثمان، القائد الطموح لقطاع من الجماعة، والمتطلع دوماً للسيطرة المطلقة على المركز الأعلى في الدولة والحزب.

لقد أودى الانقلاب الثاني والأسلوب الذي أخرج به إلى هزيمة ظلت بلا دوي لتذهب بعلي ومن معه من فريق مناقشات نيفاشا إلى مجالات التهميش. وبهذا وذاك الانقلاب انتقل المشروع الإسلاموي بغضه وغضيضه من التآكل إلى دائرة النسيان. ولم يبق من خطابه الفكري والجماهيري شيء ذو بال إلا لغة لحس الكوع وخطرفات بيريا الإنقاذ نافع.

ثالثاً: انكفأت الحركة الشعبية في تكوينها العسكري لتقفل كل الطرق المؤدية إلى برنامج التغيير الشامل الذي دعا إليه قائدها ذات يوم، فلم تعد المتحدث باسم الهامش أو أحد الهوامش حتى، واكتفت بما أعطى الوضع الجديد من وظائف وأزمات انتظاراً لمائدة في السماء قد يأتي بها الاستفتاء.

رابعاً: لقد أضاف استمرار تفجر الموقف في دارفور وتداعياته المحلية والإقليمية والدولية، ما يشير إلى تفاقم أزمات الإسلامويين والإسلامية السودانية والنظام ككل، لذا أصبح كل ما يأتي الآن من جانب المجال الرسمي أو النظام ما هو أشبه بغناء البجع.

هذا ويظل المجال الرسمي مأزوماً في ظل غناء البجع ذلك، فإذا عطس الترابي أصاب الزكام والرشح النظام، وتداعى له بالسهر والحمى سائر أهل النظام. وما دام تلاميذ الأمس يحاولون بكل السبل إقصاء شيخهم؛ فإن الشيخ سيظل يعطس حتى يقضي الله أمراً كان مقضياً. والحال كذلك؛ فنحن أمام حالة وجودية لا انفكاك لها على الأقل في المستقبل القريب. أو أن يقضي أحد الطرفين على الآخر بالضربة القاضية. ولكل من الفريقين تاريخه الذي لا يبارى في هذا المجال، وإن خرج سيلفاكير عن صمته الدائم ارتعدت فرائص جهاز الحكم . ومادام كير يشعر بأن شريك اليوم قد سدد ضربة موجعة لزعامته منذ اليوم الأول؛ فسيظل النائب الأول يواصل هباته تلك مادام هناك من يهمز قناته من بني حزبه، مذكراً له بجرحه الأليم ذلك.

إذن؛ فنحن هنا أمام حالة سياسية غاية في الخطر يتصاعد غبارها طالما كان هنالك طامح أو منافس. وإن غابت صور وأخبار علي عثمان عن الصفحات الأولى للصحف، طفحت الأقاويل عن من سيدحرج رأس من في الأيام القادمة. وقبل أن تنتقل الصحف والمجالس إلى موضوع جديد يطل أحد أعمدة النظام وبعد شجب وشتم للمرجفين وغيرهم، ليؤكد بأن كل ما هنالك هو مجرد تباين في وجهات النظر، وأن الأمر سوف يحسم قريباً. بالطبع لا أحد يدري والليالي حبلى كيف ومتى سيعلن نهاية ذلك الموت السريري للشيخ علي. غير أن الذي يهم أكثر هو أنه مادامت مدرسة الحكم لاتزال هي تلك المدرسة، وأساليب إدارة الصراع هي تلك التي ظلت تمارسهما الإنقاذ بمللها ونحلها منذ يومها الأول، فستظل المؤامرات تتناسل وتفرخ في أقبية الحكم المعتمة. وما دام هناك من يهب بمجرد اسم محكمة العدل أو أوكامبو سنظل نرى من الرقص الرئاسي أشكالاً ومن لغة لحس الكوع أنواعاً. وفي تطورات هذا الظرف، وما دام غناء البجع مستمراً، فلن يفيد الشجب والشتم أو الرقابة القبلية على الصحف لا القبض والبسط. إذ إن كل ذلك يمكن أن يندرج تحت قائمة أمراض النظام المتوطنة والمودية بأهلها إلى الهلاك.

لا شك أن هناك مآزق تمسك برقاب بعضها البعض، وأن تلك المآزق في عمقها لا تحتمل الحلول الجزئية. إذ إن التحديات الماثلة هي أكثر شراسة من أي تحد سابق. فالأمور قد تتجه صوب كارثة أو كوارث كبرى. غير أنه وفي ذات الوقت هنالك لحظة تاريخية مواتية. وأن تلك اللحظة التاريخية تشير إلى أن الخروج من هذا الوضع الذي نحن فيه يتطلب ابتكاراً سودانياً جديداً، يبدأ بتغيير المناخ العام للحوار الوطني ليتضمن التحرير الكامل من ربقة استعباد دولة السودان القديم التي وضع أسسها ونجت. ويتطلب أيضاً تطوير أدوات تجاربنا الكبرى التي بنى وخاض بها الشعب السوداني خارج إطار الدولة المركزية في إطار المجال العام المزالق الكبرى، وترك إرثاً يعتد به يمكن أن يدرس ويمكن أن يلهم. وتظل أكتوبر أحد ابتكارات هذا الشعب في إطار المجال العام ذات الأثر.

ولو أن الأمر كذلك؛ فإن التقويم الجاد لأكتوبر يمكن أن يعطي ذلك الأنموذج وزناً وقيمة أخلاقية وأسلوب عمل له من القوة والفاعلية التي يمكن أن تلهم أسلوباً جديداً من أجل الوصول إلى ميثاق داخلي جديد، يقوم على تصور مدروس ومتكامل لإعادة صناعة الدولة الوطنية، ومن ثم السودان الجديد. لقد استطاع علي عبد اللطيف ورفاقه تحرير الخيال القومي من ربقة الاستعمار، وأكدوا على حق مخيلة الجماعية لأهل السودان في تصوير ماهية واختيار رؤاها لقيام أمة تقوم على أساس أن تكون المواطنة هي حجر الزاوية في بنائها. هذا ومن جهة أخرى؛ فقد أعطت أكتوبر المجال العام السلطة في قيادة حركة التغيير، ووضعت الإطار العام الذي يمكن أن يرسم خريطة طريق مبتكرة يتبناها ويحافظ عليها المجال العام، ويدخل عن طريقها الناس أفواجاً، وينتقلون عبرها إلى رحاب تلك الأمة التي اختاروها بالتراضي لا عن طريق القوة أو القمع.

هذا وفي الوقت الذي تتنادى فيه القوى السياسية الآن بالدعوة إلى مؤتمر جامع فقد يكون من الأجدى أن يقوم هذا المؤتمر الجامع على أساس أن هناك لحظة تاريخية تدعونا جميعاً، وتفتح لنا الباب واسعاً لبناء سودان جديد، وبناء دولة وطنية جديدة. بداية ومن باب التطوير للإطار الأكتوبري؛ قد تستدعي الضرورة وضع أساس فكري مجمع عليه، تقوم عليه قواعد بنيان صناعة الوطن وصناعة الدولة وفق ميثاق جديد. يضع مثل ذلك الجهد الفكري تحت المجهر والبحث والدرس كل تجاربنا السابقة والوثائق المتعلقة بالتجربة السودانية بما في ذلك مقررات المؤتمرات السودانية المتعددة والاتفاقيات وأي وثائق أخرى من اتفاقية الحكم الثنائي حتى وثيقة هايدلبيرج، يضاف إلى ذلك كل جهد فكرى واجتهاد يمكن أن تبنى عليها صياغة مسودة ذلك الميثاق كجهد متكامل من أجل تصور واتفاق على رؤية جديدة، تجعلنا ننظر لواقعنا كما هو حتى نتمكن من التعرف على سبل ووسائل تجاوزه. من هنا يمكن أن نتمكن في ذات الوقت من السيطرة على اللحظة من أجل تغييرها والمستقبل من أجل بنائه. وفي إطار خارطة الطريق تلك يمكن أن تقدم مسودة ذلك الميثاق لأهل التمثيل والمعارف السياسية وقادة الرأي للاتفاق حولها واعتمادها في مؤتمر للمائدة المستديرة، أو مؤتمر جامع، حتى يكون ذلك الاتفاق هو الميثاق الداخلي للسودان الجديد. ومن ثم يقدم لكافة جماهير الشعب السوداني من أجل أن يكون الميثاق الخارجي لبناء الأمة الجديدة.

مرة أخرى هنا تكمن اللحظة التاريخية التي يمكن عن طريقها تعظيم التجربة السودانية، وتخطيط منهج متميز يمكن أن يضيء لنا ولغيرنا الطريق إلى الوطن الممكن. وفق ذلك المنهج يمكن أن تصبح صناعة الوطن والدولة عملية ثورية نتحرر بها جميعاً من ربقة عبودية السودان القديم، الذي تقوم دولته على تأكيد وتوطيد هياكل السيطرة والعنف والتهميش. وننتقل بفيض ذلك التحرر إلى رحابة الدولة القائمة على قيم المواطنة، وتأكيد قيم العدل والمساوة والكرامة، واحترام إنسانية وحقوق الإنسان. وفي ومن ذلك أيضاً يمكن أن نعيد العافية للمجال العام السوداني وللمجتمع المدني ليكون هو مجال المبادرة ونماء الجهد الخلاق في صناعة الوطن والشعب والدولة. ومن ذلك نستطيع بناء الدولة، ومن ثم الثورة المستدامة. مرة أخرى لقد صنع السودان وتخلق في رحم التحديات، والذي أمامنا الآن هو تحدي العصر. إذ من هنا يمكن أن يكون السودان أكبر أو أصغر أو في ذات حجمه العام القادم أو في المستقبل. مرة ثالثة يا صناع السودان الجديد اتحدوا.

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *