‫الرئيسية‬ ثقافة فنون دوحة الفرجوني.. أشعار بين البطانة وأمريكا
فنون - مقالات - 12 يناير 2021

دوحة الفرجوني.. أشعار بين البطانة وأمريكا

 

قُدم هذا بتصرف احتفالاً بكتاب أحمد الفرجوني الجديد: (دوحة الفرجوني.. أشعار بين البطانة وأمريكا) في برنامج أدب المجالس بالمركز السوداني الأمريكي بأريزونا.
ــــــ
نحن هنا اليوم لنتحدث عن الشعر والشاعر. ولأن ما يقبطنا كثيراً هو أنَّ الشاعر بيننا وهو منا، وذلك يقول الكثير عن جماعتنا هنا في المكان والزمان وعن الجماعة السودانية في المهجر. والشعر هو كتاب التجربة الإنسانية السودانية في تعظيمها. وما يجعل الأمر أكثر إثارة هو أنَّ ما بين أيدينا (كتاب دوحة الفرجوني.. أشعار بين البطانة وأمريكا) تجربة تأخذ أهميتها في مجال الأدب السوداني الشاعر والأدب السوداني باللغة السودانية، ولها فيه ما يميز هذه التجربة روحاً وشكلاً ومضموناً. وفي ذلك ما يضاف إلى مستجدات التجربة السودانية وما طرأ عليها من تحولات جديرة بالاهتمام من واقع مستجدات حياتنا وتجربتنا الإنسانية في المهجر وفي الحياة عموماً. فنحن الآن كتطور جديد في المهجر نقع في نطاق أوسع من تلك الأُطر الضيقة التي تصنفنا بالقبائل والمناطق. لتضيف إلى وجودنا ليس فصيلاً واحداً إنما فصائل متعددة من السودانيين الأمريكيين والسودانيين الكنديين وغيرهم، وما يضاف إليهم من السودانيين الأستراليين وحتى السودانيين الإنجليز دون تضارب بين كون الإنجليزي البريطاني كان مستعمراً ذات يوم وأصبح الإنجليزي السوداني مواطناً بريطانياً اليوم. وعلى ذلك قِس على توسع واتساع فضاء وإنسان سودان المهجر. لذلك فإنَّ ما نحن فيه الآن من تحولات كبيرة في توسع الكينونة السودانية وتنوع الشخصية السودانية من الأمور الجديرة بالاهتمام. وهنا ولذلك تأتي الأهمية الإضافية لهذا العمل الأدبي في إطار الزمان والمكان. إذ أنَّ كل ذلك يقع في إطار الإضافات النوعية الكبيرة والصغيرة التي يقدمها أفراد هذا الفصيل السوداني من الرجال والنساء والشباب في الخارج. وقد يطول الحديث وتتنوع مداخله ولكني أحصر حديثي الآن في ثلاثة مداخل.
أول هذه المداخل تبدأ بقول محمد عبدالحي في قصيدته العظمى (العودة إلى سنار): “أنا منكم تائه عاد يغني بلسان ويصلي بلسان”. ولعل إشارة عبدالحي إلى ثنائية اللسان السوداني لها أهميتها علي الرغم أنّها لا تحصر ألسنتنا. إلا أنها دلالة في الأساس إشارة مهمة ودليل مهم على تواصل إنساني لا دليل انفصام بين ما تقوم عليه حالتنا الوجودية وابتكاراتها وتراكم ما أتت به عبر العصور. فالصلاة هي تواصل ذلك الوحي السماوي في مراقيه الإنسانية المبتدئة بالتكبير والمنتهية بالتسليم لتشمل المنسك والمسلك والحياة في قيمتها الأساسية، إذ كل ما في الحياة صلاة والحياة ذاتها صلاة. ومن هنا يأتي المعنى الأكبر لأحد وجوه لتلك اللغة التي نملك باعتبارها لسان عربي مبين. بذلك يصبح لفظ العربية المرافق لتلك اللغة هو تطور إنساني لجهد واجتهاد إنساني مفتوح في إطار تلك التجربة الإنسانية.
أما لسان الغناء فهو الآخر اتصال تجربتنا الإنسانية نحن السودانيين في حال وتاريخ أننا ولا نزال ذلك الحوار المتصل في تكامل تلك التجربة اللا نظامية وتعبيراتها المتعددة  الدرجات والألوان. ومن هنا أنتجت خصوصية تلك التجربة الإمسانية في تداخلها مع عبقرية المكان وتواصل تعقيدات الزمان وتلك التجربة، وأنتج كل ذلك  لك اللسان ما هو لغة سودانية ليست هي لهجة كما يذهب عون الشريف أو عامية كما يصفها البعض.  وإنها لغة واسعة القاموس وعميقة التعبير وطويلة التاريخ. وفي عمق العربية السودانية ذلك هي كتاب المخيلة والتجربة السودانية في البطانة الشرقية والبطانة الغربية والشرق والغرب والشمال والوسط والجنوب. وما عربي جوبا وعربي تلك المناطق الا هو من بعض وجوه تلك اللغة. ولقد نبهنا إبراهيم إسحق من قبل بأن تلك اللغة يمكن أن تقدم الرواية الحديثة مثل حدث في قرية. وقد ترد الإشارة إلى إبراهيم اسحق ذلك في مجال المثال الهام جدا لا الحصر.
وهنا والآن يقدم هذا الديوان نموذجاً آخر لكل ذلك. فنحن نصنع ونواصل في ابتكار لغة سودانية من قديم الزمان وإن كنّا أبطأ في أن نجعل منها التعبير الشامل لنا في تنوعنا وعمق تجربتنا الإنسانية دون الهيمنة أو تقليل من قيمة الألسن الأخرى. فاللغات مفاتيح لتجارب إنسانية هي نحن. ولذلك فإن هذاك كتاب دوحة الفرجوني يقدم أيضاً أمراً آخر قد طال عليه الأمد. وهو كيف نحترم هذه اللغة بأن نكتبها ونعنى بتطورها ونحفر عميق آثارها. لقد أشار الفرجوني إلى ذلك بوضوح في محاولته لتطويع الحرف العربي وفق ابتكاراته الشخصية والخاصة ليساعد القارئ في نطق المفردات. الذين ينظرون لتلك اللغة باعتبار أنها لهجة أو عامية لا يهمهم كثيراً مثل ذلك الأمر لأنهم يعتقدون أن اللهجة هي في الأساس غير مكتوبة وهم بذلك ينظرون إلى السودان كتجربة إنسانية في تقزيمه. غير أننا نرى ولا نرى بأن اللغات التي ولدت من تجارب إنسانية قد تكون مقاربة أو مشابهة لتجاربنا قد أضافت للحرف العربي أو غير العربي ما جعل منه كياناً متواصل التطور.
المدخل الثاني يأتي من بعض صفات هذا اللسان الغنائي وروافد الوحي الذي هو من بعض منابع هذه اللغة السودانية، إذ أن روافدها تلك هي التي تعطي هذه اللغة بعض سوق ثرائها المفتوح. يتواتر وحي الشعر الصوفي من تجليات الخلوة المقفولة كما يتفاعل ووجدان شعر البطانة الذي يمثله هذا الديوان والشاعر من انفعاله بالخلوة المفتوحة. في تلك الخلوة المقفولة تنير اللالوبة الليل ليفوح شعراً أو كما كتب منفستو ذلك المكاوي باقتدار وفصاحة عالية عندما قال:
لالوبة  يا خداما الليل بجيب كلاما النوم بقالي ملامة
لألوية فاح نساما
لاح البرق لسهاما
فرسانا جات تترامى
محمود قايد زمامها.
او قول حاج الماحي :
جالسين رباعا وجارين سبحنا.
اما خلوة البطانة المفتوحة فمفتاحها قول الحردلو
الخبر الأكيد قالو البطانة اترشت
سارية تبقبق للصباح ما انفشت
هاج فحل ام صرير والمحافل بشت
وبت ام ساق على طرف الفريق اتعشت
وياخذ منه الوجد مأخذه حين يقول:
الخبر الأكيد الليلة أحمد جابو
قال الوادي سال واتفرقن تبابو
أكان سالونا نحن قعادنا شن اسبابه
لا مصروفن ولا زولن بنسلابو

هذه الحالة الوجدانية المنفعلة بالوجود في الحل والترحال جعلت من شعر البطانة الشرقية شكلاً متناغماً مع شعر البطانة الغربية. هذا الديوان والشاعر هم الوارث لتلك لذلك الإرث من جهة وهو أيضاً يحمل أحد أدلة ذلك التناغم. خاصة عندما نقرأ مثل ذلك التجاوب الودود بين الشاعر والمر زعيم الكبابيش. وعندما نقرأ أيضاً من أشعار البطانة الغربية تتجلى الروح الاتصالية في تسميتهم للدوبيت بالحاردلو. كما نجد ذلك التناغم مع تلك الخلوة المفتوحة خاصة في التعامل مع إلبل. يقول شاعرهم لجمله:
قارض الشوك بي سنك
والكرباج واجنك
كدي سو دي وعافي منك
يا حلات عربا راجنك
ويقول الحاردلو في تجربة مشابهة:
اخوي شيخ العرب جاب لي الكبير الكاوة
وَيَا ست النفور بطل بي عن ودراوة
عليك ست النفور اعمل شوية سخاوة
وكتين توصلا إن شاء الله ما تداوا
في هذا الديوان نجد أنَّ الفرجوني لم يقف في حدود أنه الوريث الشرعي لهذا النهج من الشعر في أشكاله المتعددة، وإنَّما أضاف لذلك إضافة جديدة بأن طوره ليستوعب التجربة السودانية في المهجر أو المهاجر. فهو يقف على سقف سياتل وجبل فينكس وفيافي مصر والسعودية ودبي لينادي ويناجي خيران البطانة ولياليها المطيرة وإلبل (الإبل) والقنيص. هنا تتجلى حالة وجودية مختلفة جداً، إذ تكتسب اللغة إيقاعاً خاصاً ويظل اللهث خلف الكلمات والخيال من أجل التعبير عن المعاني الكامنة وراء ما يمثل ذلك الفضاء الفسيح والبعيد في تلك الخلوة المتنقلة في المكان والكامنة في الوجدان تلك هي الدوحة. إذ هنا تتجلى دوحة الفرجوني لتحافظ على ظلها الظليل في الوجدان. لكل شاعر دوحته وتنمو لتصبح شدير الوادي عند الفرجوني أو تصبح حديقة الورد الأخيرة عند محمد عبدالحي وقد تكون مثل حديقة حافظ بمدامها ونداماها. وقد تكون أم قلة عند حاج الماحي أو أم صيني كما جاء عند أحمد ود سليمان. في كل من تلك سياحة مثل من قال في وصف شيخه:
الصايم القائم ركاب أمات تلايم تلت الليل في مكة حايم

فالحياة هي الرحلة وعلى كل اختيار الزاملة التي لا تتعطل به عند ودراوة عليك بأمات تلايم.

كل ذلك يَصْب في مجال صناعة الكلمات والتعابير لتعين على استلهام العبارة الكامنة في مجاهل تلك الخلوات المفتوحة.
المدخل الثالث يتجلى في ما أعطته روح أكتوبر ١٩٦٤. لقد فتحت أكتوبر الباب لنهج الحداثة في معانيه المتعددة أبواب مهمة. وجاءت من ذلك اجتهادات جديدة في البحث والاسهام الفني والأدبي في ذات الوقت الذي تتوسع فيه التكوينات الاجتماعية والسياسية لما هو أوسع من القبيلة في إطار الطريقة والنقابة والحزب والسوق والمدينة كوحدات معبرة عن حركة التطور السوداني وكل له دوره في الإضافة لتلك اللغة وتوسيع قاموسها ودورها في التعبير عن مستجدات الحياة اليومية. ولقد راينا كيف كان يتعالى صوت اللغة السودانية في إخراج طبقات وصيف الله وسعادة المستهدي وديوان الحردلو وود نفيسة وود الفراش والطيب محمد الطيب وقرشي محمد حسن وظهور شعراء جدد في مجال اللغة السودانية أمثال إسماعيل حسن وفضل الله محمد وعثمان خالد وهاشم صديق وكامل عبد الماجد وإسحق الحلنقي ورواية إبراهيم اسحق ومن بعد دراسة عشاري أحمد محمود ومن بعد بول دينق شول. كل ذلك عن طريق المثال لا الحصر. في ذات الوقت كشرت الثورة المضادة أنيابها في غرفة الامتحانات في جامعة الخرطوم لتحول الحوار بالسيخ محل الحوار بالأدب والاحترام مع أجمل ما أعطت اللغة السودانية في مجال التعبير الفني. ورأينا كيف تكأكأت الثورة المضادة على حرية التعبير والممارسة في محكمة الردة الأولى وطرد نواب الحزب الشيوعي ومن بعد أتت بانقلاب مايو. في ذلك الوقت ظهر الفرجوني كشاعر له اتجاه مختلف. جاء كامل الإعداد والاستعداد وظل يبشر بكل ما أوتي من ذلك من واقع ما عنده في مجالات مهمة، ولكنها ضيقة مثل أساتذة الدراسات الأفريقية والآسيوية أمثال عبدالله علي إبراهيم وسيد حريز وأحمد عبدالرحيم. وبعض الذواقة أمثال هاشم حبيب الله ومحمد عبدالله الريح والطيب محمد الطيب وعبدالله محمد زين وبادي محمد الطيب وغيرهم من من ظلوا يمثلون حلقات ثقافية او مجموعات الأنس الثقافي الذي كان أحد تقاليد الحية الاجتماعية في المدن السودانية.
غير أن تيار الكتابة باللغة العربية السودانية لم يقف إذ ظل يتواصل عن طريق محجوب شريف وحميد وعاطف خيري وآخرين وآخرين من أجيال المبدعين الرجال والنساء وبالطبع لن يقف الأمر مهما كان الأمر. ولعل من الملاحظ ان العربية السودانية قد أصبحت واحدة من أهم أدوات الخطاب الشعري والسخرية السياسية المعارضين لنظام الإنقاذ الذي يمثل أعلى درجات الثورة المضادة.
وكما تمنى عمر الخيام زجاجة خمر ونصف رغيف وما حوى دواوين شعر ظريف أحب لي إنْ كنت مؤنساً في بلقع من كل ملك منيف،.
لقد تمنى الفرجوني غرفة جالوص أمامها شجرة سنط وعنقريب ومصحف وكتب وشريكته.
ولكن ما نتمنى نحن أنْ يكون في همة الفصيل السوداني في المهجر ان يتبع الخطوة التي بدأها الفرجوني بجمع كل ما أتت به خلوته المفتوحة في ضفتي كتاب واحد بخطوة اكبر ذلك عن طريق الاعتناء بهذا الجهد، وذلك لا عن طريق الإكتفاء باقتناء بنسخ من الكتاب وإنما أيضاً عن طريق وضعه كبداية لدراسات متعددة في فقه وتاريخ وجغرافية اللغة السودانية وعلاقة كل ذلك بالسودان التجربة الإنسانية.

 

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *