‫الرئيسية‬ مقالات جريرة دكتور القراي الكبرى
مقالات - 10 يناير 2021

جريرة دكتور القراي الكبرى

زارني بالأمس طيف نبي صلبه سفهاء قومنا وأخفوا جرمهم, أطلَّ على الذاكرة أبوذر الغفاري (شاعر اختفى قسرياً) بأمر فرق موت من توادهم اليوم حكومة الثورة المسروقة. نعم رأيت الغفاري بحيائه المعهود وقوامه النحيل، وإعاقة لم تعق شرف انتمائه لمشروع التغيير. وأحكي لمن حرم من صحبة الغفاري، كان موهبة وبراعة ساحر، أدمن رسم الحرف في لوحات تسري نحو أقاصي الوجدان وتومض الدهشة, وتحتشد أفراح لا متناهية تبشر بعودة النوارس وصدى أغنية مشتهاة. وما أقسي حمل وزر سفر مقدس في حضرة نبي ينثر أغنيات لا تموت، ومزمار حلم وألم. يا غفاري؛ افتقدتك أكثر يوم أن أدى كل عاشق فرضه، وتزينت بالطيب امرأة النبي، وعادت النوارس تحلق فوق بحر الاعتصام، إلا أنَّ (جرحنا ارتد لزمان الآهة تاني).

نزع رئيس الوزراء حمدوك بقراره تجميد المناهج ورقة التوت، معلناً قطع لبانة الثوار, وتوسد صدر فلول الثورة المضادة. فقضية المناهج لا ينبغي أن يتم اختزالها في شخص الدكتور عمر القراي، مدير إدارة المناهج المستقيل. وبالطبع نتفق وندعم تعدد الآراء في تقييم أدائه ودرجة جودة عمله، فهو في خاتمة الأمر موظف حكومي، كلف بمهمة لها وصف وظيفي مفصل في حدود التكليف، ومنه تتفرَّع أدوات ومعايير التقييم لرصد استحقاقات الإشادة أو الإعفاء، ويأتي تحفظنا على قرار حمدوك على خلفية الاختلاف النوعي في معيار التقييم.

وبتتبع حملة إقصاء القراي واستئصال مشاركته؛ تتلمس خطل مرتكزات حملة إلغاء المناهج التي لم تتعد لون تنورة تلميذة مرسومة على غلاف كتاب مدرسي, ولوحة لها قيمتها التاريخية والمعرفية من أعمال مايكل أنجلو, وهي حيثيات لا ترتقي لدرجة الحوار أو الالتفات لها. لهذا الضعف ألحقت بالحملة حيثيات إضافية، هي ربط انتماء القراي للفكر الجمهوري والغلو في ذلك بتكفير الرجل وإهدار دمه وحقوقه الدستورية وحق حرية المعتقد. أمَّا الذي يدعو للحيرة حقاً هو تجاوب وتفاعل رئيس الوزراء مع هذا الخطل، واتخاذ قرار دون تمعن في الغبار المثار الذي خلا من إشارة لخطأ مهني أو إجرائي أو أخلاقي في عمل مدير المناهج.

والمعلوم أنَّ الهجوم على الدكتور عمر القراي لم يكن سوى إعلان حرب على مشروع الثورة الثقافي للتغيير لصالح مشروع قوى الردة المسمى (المشروع الحضاري)، بهدف إعادة صياغة الإنسان السوداني, وتحويره إلى أداة عنف داعشية ظلامية الفكر. فاتحته تحطيم بنية الإرث المعرفي والأخلاقي، وإشاعة الجهل بإعسار التعليم ومحاربة مجانيته، واحتقار المعلم، وتدريس منهج مشوه يفرخ كوادر هوس وعنف ديني. ويدرك المتباكون على المنابر لاستدرار العاطفة الدينية أنَّ خطيئة القراي الكبرى هي تجفيف منابع الهوس الديني، بتطوير المناهج، المعول الذي يهدم الأعمدة الأساسية للمشروع الظلامي، وسينهار حتماً معها المعبد على رؤوس شيوخ الإفك, وتلك خطيئة في قانون الدجل تستوجب استباحة دمه، فكيف ينحاز مدير إدارة المناهج لمشروع نشر ثقافة السلام والتنوع التي تلغي مشروع صياغة الإنسان السوداني، وتشويه عقول تلاميذنا؟! جريرة القراي هي تجفيف منابع الهوس والتطرف الديني وتحصين النشء ضد ثقافة الكراهية.

قرار تجميد المناهج ذبح مصداقية رئيس الوزراء، وأبعده زمانياً عن الشارع الذي ظلَّ يتوجس منه لمواقف رمادية أضعفت ثقته ــ الشارع ــ فيه، واليوم يذكي حمدوك ناره حول التزامه بأهداف الثورة بالقرار الخاطئ على الصعيدين السياسي والإداري. وبالمنظور السياسي نجد سفينة القرار تجنح باتجاه صخور هلاك قوى الثورة المضادة, والتي لا يحللها زواج مصلحة يؤدي لشهر عسل بين حمدوك والإسلاميين الذين يعملون لإسقاطه كرهاً في رمزية أذلتهم, وضعفه يغري وراثه حمل حكومته بكامل حمله, وكيفية وتوقيت القرار سيخل بميزان قوى فرضته الثورة، شهدنا فيه تضعضع أنشطة الإسلاميين التي تكاد لا تحسب رقماً يكون ضمن أرقام حراك شارع السياسة، وأتي قرار حمدوك الكارثي برداً وسلاماً على الإسلاميين، ومنحهم دفعة معنوية يمكن أن تخل بميزان القوى الراهن، وتساعد في إطلاق الشر من قمقمه ليتمدد ويضعف موقف قوى الثورة والحكومة الانتقالية، والمؤكد انعكاسه الخطير الذي نراه الآن، ويستعيد ممارسة استدرار العاطفة الدينية لتقنيين الظلم والقتل.

وبعين الإداري الحصيف؛ لا تجد مشقة في رؤية خطأ حمدوك الكارثي بصفته يمثل سنام الهرم التنفيذي للدولة. تخطى حمدوك أعراف وتقاليد الهياكل الإدارية, وأقحم سلطاته السياسية في شن هجوم إداري دون إجراءات صحيحة, وأتى القرار فوقياً مجافياً، والإجراء الإداري السليم الذي يفترض أن يقوم به حمدوك هو مطالبة جهة الاختصاص ــ وزارة التربية ــ بتقرير حول الموضوع عبر وزيرها، عضو مجلس وزرائه، وتكوين لجنة لدراسة وتقييم التقرير، ورفع توصيات حول الموضوع ليتسنى له اتخاذ قرار بعد بمشاورة جهة الاختصاص. هذه هي سمات القرار المؤسسي العادل والمقنع, ولكنَّ رئيس الوزراء اختار ــ لشيء في نفسه ــ طريق القرار الفوقي تشوبه رعونة فتحت عليه أبواب جهنم, وأضرت بجهد وسمعة أساتذة أجلاء ساهموا في تنقيح المنهج الدراسي، فمدير إدارة المناهج لا يضع المناهج، هذا عمل لجان عمل تربوية كونت منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنجزت مهامها بالأمانة المطلوبة، وتمَّ شكرها عبر الصحف، وكان الأحرى أن يحترم الجميع، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، دورها الاحترافي.

يسعى حمدوك نحو حتفه لتنفيذه أوامر أعداء الثورة، واختياره موقعه وسط الفلول، وتمنعه من اتخاد قرار يمس مجلس فقهاء الكهنوت الذي استحل دون وازع دماء ثلث الشعب السوداني لاستمرار السفاح في السلطة, واستباح مجلس زناة نهار رمضان مال السحت، وخرست ألسنتهم عن الحق أمام الجائر. لكنَّ سيادة رئيس الوزراء المبجل لم يتوان في تصفية إشراقات الثورة بسرعة الضوء، تلك الإشراقات التي أدخلتها دعوات الصابرين في طقم وزارته، تخلص من وزير الصحة أكرم التوم، واليوم من الدكتور عمر القراي. ودع حمدوك معسكر الثورة ساعة لم نسمع له إدانة لجريمة مقتل بهاء، ولم يتكبد عناء واجب التعزية والتشييع, ولن نستطيع إحصاء الشواهد التي تدلل على ذلك، أكبرها تسويف لجنة التحقيق في مذبحة فض الاعتصام, وتعطيل إنفاذ العدالة في رموز النظام .

سلام عليك يا صديقي المرهف أباذر الغفاري في نومك الأبدي، هجرتنا النوارس مرة أخرى, وتركت بحرنا الذي سكن هديره, وتراكمت على ساحله الأزلام, فقد خان من ائتمناه, وأخلف عهده وتنكر لوعده, ولم نزل نؤمن بمزامير تحمل عبق حلمنا السحري، وحتماً ستعود النوارس أكثر قوة، وسنغني ما نشتهيه في ربوع بلادنا.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 8

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *