‫الرئيسية‬ مقالات حول مفهوم الفراغ الاجتماعي .. القراي نموذجاً ونحو هاشم الحسن
مقالات - 9 يناير 2021

حول مفهوم الفراغ الاجتماعي .. القراي نموذجاً ونحو هاشم الحسن

محمد حيدر المشرف

وهاشم ممن يستضاء بهم، وكان أن أثار في نقاش معي مسألة الفراغ الاجتماعي في فضاء الصراع المفتوح والمركزي مع جماعات الهوس الديني والإسلام السياسي في معرض نقاشنا المفتوح حول مسألة القراي. ومسألة القراي هنا تتجاوز بداهة شخص القراي وتتداعى صوب العديد من قضايا الثورة السودانية. يقول هاشم: “إنَّ الانقلاب وسيلة الحداثة التقليدية (حداثيو مايو وحداثيو الترابي). أو هي الثورة المسلحة المنتصرة والتي تفرض تصوراتها (أكتوبر 1917 والصين وكاسترو). كل التجارب في العالم الثالث اتسمت بحضور الديكتاتور المستبد المستنير الطليعي”.

ويضيف هاشم: “إنَّ خطر عودة الشمولية في السودان أكثر تعقيداً من فكر الإخوان المسلمين. (من عندي أضيف أنَّ هاشم الحسن يقرر هنا أنَّ الوظيفة الأساسية للصراع الحقيقي في السودان هي قفل الطريق أمام عودة الشمولية، وبالتالي يكون ذلك هو الصراع الأكثر جذرية من صراعنا المفتوح مع جماعات الهوس الديني والإسلام السياسي, ثم يخلص إلى أنَّ هذا المستوى من الصراع لا يمكن أن ننتصر فيه ونحن نديره في فراغ اجتماعي)”.

اتمنى أن أكون قد نجحت في وضع إطار صحيح لمقولة هاشم الحسن في شأن الفراغ الاجتماعي الذي ندير من خلاله صراعنا مع قوى الظلام. وكإسقاط مباشر لذلك؛ يقف هاشم مشدوهاً من كم الهدايا المجانية لخصوم الثورة السودانية، والتي نقدمها نحن دونما وعي بحقيقة أنَّنا إنَّما نوفر لهم – أي هؤلاء الخصوم – حالة امتلاء اجتماعي ميكانيكي بالضرورة نتيجة للقصور في الأداء السياسي والإداري وحتى المهني الذي ندير به الفترة الانتقالية، وكذلك من خلال نوعية القضايا التي نثيرها ونتبناها مدفوعين بغبينة تاريخية مستحقة ضد جماعات الهوس الديني والإسلام السياسي. وفي المحصلة؛ نفتقد نحن ونفرغ أنفسنا طواعية من العمق الجماهيري شيئاً فشيئاً، مما يحتم خسارة الصراع المركزي هنا وعودة الشمولية، والتي لا تكون بالضرورة منتمية لتيارات الإسلام السياسي في نهاية المطاف.

لا أجد إلا أن اتفق مع هذه الرؤية مع التحفظات الدقيقة التالية:

1- الحداثيون السودانيون صنعوا أكتوبر وأبريل، وساهموا بصورة كبيرة في ديسمبر, والمراقب لهذه الثورات يستطيع وببساطة ملاحظة التراكم المعرفي النوعي بالثورة السلمية وأدواتها ومكامن قصورها وكيفيات تفادي الخطأ وحماية مكتسبات الثورة. يضاف لذلك اتساع وتمدد الفضاء الاجتماعي للثورة بمثلما شهدناه في اعتصامات الجماهير في كل ربوع السودان، ومواكب 30 يونيو خير شاهد. هذا التراكم الكمي والنوعي موجود الآن في فضاء الواقع الاجتماعي للثورة السودانية وهو بمثابة رصيد ضخم لا يمكن تجاوزه بسهولة. ربما يكون التشخيص الدقيق هنا عدم قدرة النخبة السياسية على استثمار ذلك بصورة فاعلة كنتيجة منطقية لضعف وهشاشة هذه النخبة لاعتبارات موضوعية (طول الأمد الشمولي)، وأخرى ذاتية تتصل بتطور شخصية الكائن السياسي والكيان السياسي في السودان، وسهولة وقوعه في شراك الدوغمائية وديماجوجية الخطاب السياسي، وفقدان الحكمة والرشاد والبصيرة الثاقبة.

وكلنا شهدنا حالة الفشل الظاهرة في إنتاج رؤية أو مشروع رؤيوي واجتماعي وسياسي متماسك ومتفق عليه، والرؤية عموماً لا تتعلق بالتفاصيل, ونجدها لا تتجاوز جملة أو جملتين، أو ما يكفي لصناعة الإجماع وتكريس كل الموارد الفكرية والبشرية لخدمة هذه الرؤية. فشلنا في ذلك ودخلنا منطقة رمال متحركة ما بعد 11 أبريل 2019 وغابت الحكمة تماماً عن هذه النخبة السياسية في التعامل مع وضعية الرمال المتحركة التي موضعت فيها نفسها بكل غباء سياسي, والمأزق الذي ما زال مستمراً حتى الآن هنا يتمثل في حالة الاستغراق التام في الصراعات البينية وهيستيريا الصراخ وطلقات التخوين المتبادل، والتي من شأنها وبصورة حتمية أن تنتج حركة عشوائية متفلتة غير منضبطة الاتجاه لا تفعل شيئاً سوى زيادة الطين بلة، والغوص في أرضية الرمال المتحركة أكثر وأكثر وتكريس هذا المشهد (مشهد الرمال المتحركة تحت أقدام المكون المدني للثورة السوداني) كمشهد أساسي (نازل على شبكية الزول المشاهد).

2- على مستوى الدافع الأساسي والمحرك لنا جميعا كتيارات تنتمي لثورة الجماهير، أجد في نفسي كارهاً لتعريف الثورة بالنفي أو علاقات الضد. نحن نريد بناء وطن وفقاً لمعادلات واقع شديدة الصعوبة. لذلك لا أتصور أنَّ الصراع المركزي هنا قطع الطريق أمام عودة الشمولية، وإنَّما يجب تحديد وجهة واحدة متفق عليها بصورة بناءة وإيجابية. ونحن لن نعيد اكتشاف العجلة، فالهدف واضح جداً، وهو استرداد وتكريس الديمقراطية، ذلك في المقام الأول.

3- إذا امتلكنا مشروعاً رؤيوياً واضحاً يتجوهر حول مبدأ استرداد وتكريس الديمقراطية في وطن يسع الجميع كمآل ثوري غاية في الإحكام؛ لا بد لنا من العمل على توفير بيئة سياسية واجتماعية صالحة لهذه الديمقراطية. هنا تنهض في وجوهنا مسألة إمكانات الواقع الوطني الراهن والمسلوبة تماماً لمصلحة التيارات الدينية كنتيجة مباشرة للقهر السلطوي الذي فرضوه بالانقلاب وتكريس كل الدولة السودانية لمصلحتهم طوال (3) عقود من حكمهم للسودان. لذلك يتحتم علينا تصويب هذا الخلل الكبير المنافي لمبدأ وجوهر الديمقراطية التي لن تستقيم أبداً كصراع بين الذين يملكون كل شيء والذين لا يملكون شيئاً. امتلكوا الدولة طوال (3) عقود، امتلكوا السلطة والثروة، وامتلكوا قدرة تغيير الواقع الاجتماعي والثقافي والفكري لمصلحتهم بالقهر، وبعمليات نهب مؤسسي سلطوي وتخريبي مستمر. تصويب هذا الخلل الكبير وظيفة أساسية للثورة السودانية وأدواتها وآلياتها ولفاعليها وقادتها السياسيين.

4- وفقاً لهذا الإطار تأتي العديد من القضايا ومنها عمليات الإصلاح الكلي في الدولة السودانية على مستوى المؤسسات الخدمية والاقتصادية والقانونية. ليس لهذا الإصلاح الكلي أبعاد أيديولوجية، لا هو إصلاح يساري أو يميني أو ما بين بين، وإنَّما إصلاح علمي، ووفقاً لأطر متعلقة وبالتجربة العملية، وما توصلت إليه البشرية مع استجابة مشروطة للواقع السوداني، وفي سبيل تطويعه التدريجي خلال سنوات الانتقال للوصول لواقع معافى تماماً من الدرن الشمولي في جذره الحركي الإسلاموي وجذره الأمني والعسكري على حد السواء. هذه المسيرة يجب ألا تتوقف أو تنقطع أو تخضع للابتزاز الديني أو الأمني (الفشقة والقراي نموذجاً). وسبيلنا لذلك هو المقاربة العلمية والعملية والوطنية للقضايا. هنا تكمن قوة الثورة في فرض رؤيتها لما يجب أن يكون في سبيل تصويب التشوهات والخلل الشمولي (شمولية إسلاموية ذات بعد أمني/عسكري بحكم الواقع) داخل الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في السودان.

5- ميزان دقيق يحكم هذه العمليات لمفاعيل الثورة المرجوة على الأرض. قد يزيد البعض من أهمية الشأن الاقتصادي لارتباطه الوثيق بمعيشة الناس وهو محق في ذلك. إلا أنَّ قضية السلام وجملة الإصلاحات القانونية والإصلاح الإداري على مستوى مؤسسات الدولة وقضايا التنمية البشرية والتعليم والصحة وحقوق الانسان والحريات العامة، هي ما ستصنع التغيير في نهاية المطاف.

6- أهداف الثورة الحقيقية خرجت من رحم الجماهير ومن عمق الواقع الاجتماعي السوداني، ومسألة المناهج هذه في فلسفتها الحقيقية ليست منبتة جماهيرياً واجتماعياً، المنبت ثورياً واجتماعياً هو طريقة إدارتها على المستوى السياسي، سواء من السيد رئيس الوزراء أو جميع المكونات المدنية المنتمية للثورة إذ تركت القراي وحيداً. وكان من المأمول منها أن تنزل للجماهير بصورة عضوية وإعلامية مسؤولة وواعية لشرح أبعاد المسألة الحقيقية، مع توفير كل الدعم الفكري والأكاديمي والنقدي الصحيح لهذه المناهج دونما تدخلات فجة ومباشرة في الأبعاد المهنية وفرض الرؤى، وإنَّما تخليق مناخ مؤاتي للإصلاح والتصويب والتنقيح وعمليات التطوير المستمر.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *