مقالات - 13 يونيو 2020

حديث العين

عادل القصاص

خلال الشهور الأخيرة لشبه ديموقراطيتنا الثالثة، عبَّرتُ أكثر من مرَّة، لنفسي، وغالباً لبضعة أصدقاء حميمين، عن امتعاضي، غضبي واكتئابي السياسي بسبب ما كان يغلب على واقعنا السياسي عبر تلك الحقبة، قائلاً لي، ولذلك النفر من الأصدقاء، بأنَّ الحلَّ ربَّما يكمن في مجيء البرابرة.
كان تعبير “مجيء البرابرة” استعارةً لإحدى تأويلات قصيدة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي، “في انتظار البرابرة”؛ فحينما يعمُّ استفحال أزمة عامة في الواقع، يشرئب الأمل نحو حلٍّ ما، مهما كان خارجياً وقاسياً. لذلك، لم أكن بالغ التوتر في صبيحة الجمعة، ٣٠ يونيو ١٩٨٩، الصبيحة التي كانت أول أيام انقلاب الجبهة الإسلامية القومية.
بالطبع لم يكن ذلك احتفاءً بالانقلاب، كنظام حكم. فأنا لم أكن – ولن أكون – انقلابياً. إنَّما كان وليدَ يأسٍ من لسان حاله يقول: “بلوة تخمهم جميعاً (حكومة ومعارضة المركز السياسي-الثقافي-الاقتصادي-الاجتماعي)!”. كان أملاً في أن يساهم ذلك الانقلاب في تمايز الصفوف السياسية على نحو يُسَهِّل استئصال الأمراض البنيوية، المركزية، المزمنة، المتوارثة، يميناً ويساراً.
وفي الواقع، كانت أنظاري اليافعة، شأنها شأن أنظارٍ أخرى قليلة، يافعة وغير يافعة، لا سيما في المركز الخرطومي وأمثاله في الأقاليم، تضع أملاً كبيراً في الحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد كنت، وقلَّة غيري، نرى إلى الحركة كفاعلٍ رئيسٍ – وربَّما وحيدٍ – من شأنه خلخلة، وإعادة ترتيب الخريطة التنظيمية-السياسية، بما يضمن دحرجة التنظيمات الآسنة إلى القبر القمينة به.
كانت تلك نظرة رومانسية، إلى حدٍّ ما، والأهم أنَّها كانت ميكانيكية. بل ربَّما كانت مشرَّبة، بدرجة من الدرجات، بـ”آيديولوجية انقلابية” (فالانقلاب، أيُّ انقلاب سياسي، إنما هو إستراتيجية ميكانيكية رعناء للتغيير). ذلك طبعاً يتناقض مع الموقف من الانقلاب الذي صدر عني في الفقرة الثالثة من هذا المقال. لست أشعر بارتباك أو حرج هنا. فعلاوة على عداوتي، غير الخفية منذ البداية، لانقلاب الجبهة الإسلامية القومية، ساهمت تفاعلات وتطورات متباينة في أن يتأسَّس، في وجداني وذهني، موقف أكثر وضوحاً ونضجاً من الآيديولوجية الانقلابية، يمينيةً كانت أم يسارية.
من هذه التفاعلات والتطورات ما أبان لي أنَّ الحركة الشعبية – في الوقت الذي خرجت فيه، على نحو متميز ورائد – على بعض المُقعِدات الإستراتيجية للتنظيمات السياسية، اليسارية حصراً عندنا، إلا أنَّها لم تتمكَّن، مع ذلك، من التحرُّر من أبرز العيوب البنيوية، الموروثة، التي أقعدت بتلك (وما تزال تُقعِد بهذه) التنظيمات عن النمو النوعي. من ذلك – علاوةً على ضيق الأفق السياسي، الأنانية التنظيمية/الشخصية، الهُزال الثقافي وعلامات أخرى، وبقدر أعظم:
المركزية القابضة، سواء تجلَّت في القائد الواحد أو في بؤرة قيادية أو في الاثنتين معاً، مع غلبة نفوذ القائد الواحد. وهذه الخصيصة، البنيوية، تجمع تنظيماتنا اليمينية مع اليسارية في سلَّةٍ واحدة.
طبعاً هذا لا ينفي وجود فروق نوعية بين التنظيمات اليمينية واليسارية. ففي نظري، أنَّ الأخيرة أكثر تقدماً من الأولى، بالذات فيما يتعلق بتمثُّلات وتمثيلات الحداثة. والقسم الماركسي من الأخيرة أكثر تقدماً من القسم القومي العربي في أوجه عديدة، أبرزها أنَّ ارتباطه بالواقع أبعد غوراً وقراءته له أكثر نفاذاً.
ومع ذلك فإنَّني أزعم:
أنَّ جميع هذه التنظيمات إنَّما هي ابنة بنية التخلف لدينا؛ حيث الأطُر الاجتماعية-الإدارية، التي ظلَّت فاعليتها سائدة، تتمثَّل في القبيلة، العشيرة والطائفة (بما يشمل “الأسرة الحاكمة” في حالاتٍ سائدة للأُطٌر الثلاثة)؛ مما خلَّفَ تأثيرات وميكانزمات – في الوعي و/أو اللاوعي التنظيمي – ذات مستويات متفاوتة من تنظيم لآخر.
ولأنَّ تلك-هذه الفاعلية – القبلية-العشيرية-الطائفية – ظلَّت متوارثة، فإنَّ إدارة شؤون، حُكم “دولتنا” (التي هي القاسم شبه المشترك في حالتنا) نُفِّذتْ بأوامر ذلك (وهذا) الموروث، خلال حقبة شبه ديموقراطيتنا الثالثة، تلك التي تَسَبَّبَ لي واقعُها السياسي في ذلك الامتعاض، الغضب والاكتئاب.
هل يعني هذا تبرئة شبه ديموقراطيتينا اللتين سبقتا تلك الثالثة؟
قطعاً لا.
هل تلك الفاعلية، السحيقة، ما تزال مهيمنة في واقعنا السياسي اليومي، وستكون فاعلة في واقع الغد القريب لنا؟
أزعم أن نعم.
هل أنا أعاني – الآن – من امتعاضٍ، غضبٍ واكتئابٍ سياسيٍّ مماثل، بسبب ما أُرتُكِبَ، وما يزال يُرتَكَبُ، في حق ثورة ديسمبر ٢٠١٨؟
هذا مؤكد.
هل سأعاني – غداً – من امتعاضٍ، غضبٍ واكتئابٍ سياسيٍّ مماثل، بسبب حليمة التي من المتوقَّع أن تعود – لو جاء هذا الغد – لحالتها القديمة؟
هذا مُرجَّح.
هل سيكمن الحل – الآن أو غداً – في مجيء البرابرة؟
قطعا لا.

algassas@hotmail.com

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

11 تعليق

  1. تقول الحكمة الصوفية ( التجربة التى لا تورث حكمة تكرر نفسها) …. فهل ورث ( اولى الامر ) منا اى مقدار من مقادير الحكمة ، وهم مازالوا يمارسون ذات ( الالاعيب) الصغيرة …يستوى فى ذلك الحزبى والمهنى ……

    وليطمئن قلبنا ، هل من يؤكد لنا ان البرابرة قد انقطع نسلهم او ان طفرة وراثية قد غشت ( عقابهم ) فلم يعودوا بذات الشهوة القديمة …..

    ياصديقى سيعاودك الاكتئاب والامتعاض حتما ….وسيعاود البرابرة الحنين وستداعبهم الشهوة القديمة … وسيمنحهم ال البوربورن الفرصة تلو الفرصة …..

    ولن أضمن ان عادوا عدنا …..

    1. شكرا لك، أيها الصديق يوسف، على هذا التعليق ذي النظرة الواقعية والحكمة، التي ظل يفتقر إليها ذوو أمرنا السياسي. طبعا البرابرة لم ولن ينقطع نسلهم، طالما ظل أمرنا العام رهين قيادة ذلك-هذا النوع من أولي الأمر. وفي الواقع ان هؤلاء البرابرة يتمتعون، الآن، باعلى حضور اعتباري وفعلي في السلطة الانتقالية. ولأن نسلهم يتكون من جينتين – جينة كاكية وجينة خاطفة لونين – ولأن ثمة من أجداد، آباء، وأبناء لهم في قحت، وغيرها، فإن نسلهم لن ينقطع. ولماذا نذهب بعيدا، فأعلى المناصب، السياسبة، الاعتبارية والفعلية، في السلطة الانتقالية، يشغلها بعض هؤلاء البرابرة.
      لقد تلقيت، منذ يومين تقريبا، تعليقا وصلني عبر رسالة خاصة من صديق، يقول فيه، من بين ما يقول، بأن البرابرة ليسوا بعيدين؛ إنهم على الأبواب.
      ومع ذلك، يهمني أن أؤكد أنني لست متشائما بخصوص المستقبل. إنما حزين بسبب الأمس واليوم.

    1. الديموقراطية الرابعة في الطريق و الملامح هي زاتها..
      لمن يتغير شئ نفس الوجوه و نفس القبلية و العشائرية و الطائفية..
      و التاريخ يعيد نفسه في حلقة شبه مفرغة..
      ديموقراطية شكلية في مجتمع طائفي يغلب عليه الجهل ثم انقلاب عسكري ثم ثورة شعبية عارمة يضحي فيها الشباب بالانفس ثم فترة انتقالية هشه مليئة بصراعات نفس الاحزاب الطائفية و العقائدية و نفس الوجوه ثم ديموقراطية و هكذا…..
      و ابشرك يا عادل ستعاني – غداً – من امتعاضٍ، غضبٍ واكتئابٍ سياسيٍّ مماثل، لان حليمة حتما ستعود – لو جاء هذا الغد – لحالتها القديمة.
      كسرة :
      الصادق المهدي ده مختفي ٣٠ سنة هسي جاء طالع من ياتو مقابر

      1. العزيز الفاضل،
        مصدر التعاسة والشقاء يكمن في مثل هذه النظرة، الواقعية، لوضعنا السياسب العام.
        ومع ذلك، فثمة الأمل معقود على هم مثلك الشباب الذين ساهموا، بالنصيب الأوفر، في هذه الملحمة الفذة، رغم العراقيل الداخلية والخارجية. ربما يكون المشوار طويلا. لكننا سيبلغ المرمى، ولو بعد حين.

  2. في تلك الأمسية، أمسية الإنقلاب، كان معي في داري حضور جم من مثقفي ود مدني، جلّهم من جامعة الجزيرة حيث كنا في حفل وداع لصديقنا الفاره عادل سليمان وهو في طريقه لموسكو من أجل علاج السمنة. في مساء ذلك اليوم كانت هناك جلسة لبرلمان الحكومة, وليس الوطن, كان وزير المالية من آل المهدي/ عمر نور الدايم يتبجّح: البلد بلدنا نسوي فيها العاجبنا..! كان البعض من أعضاء البرلمان يسألونه عن الميزانيّة. في تلك اللحظات تمنيت بأن تأتي الطامة التي تخمهم جميعا.. وليت أن أمنيتي لم تتم!

  3. الصديق العريق عادل،
    يا طالما تشابهت نظراتها، مواقفنا وامنياتنا!
    ولأننا، كما تعلم، من الموسومين بالعشق، الشعر والتعب، “خمشنا الكرة الأرضية، قذفناها بعيدا، فهوت في القلب”.

  4. صديقي عادل القصاص ،البرارة دائما في حالة تربص يفتلون حبال الانتحار خلف ابواب الياس ، فلنتمسك بالامل/الصبر و لابد من الديمقراطية و ان طال الملل

  5. الإنسان العميق والصديق الأنيق عادل القصاص نحن لسنا ممن شهد إنقلابهم القمئ ولكن بعد متابعتنا له شهدنا القبح ووسخ الذمم وكذب الألسن ولكن ثورتنا ثورة ديسمبر المجيدة لن تكون كسابقاتها رغم إرهاصات مايحدث فشباب هذا الوطن رفضوا كل متخاذل ولن يسمحوا ونسمح لكل متلاعب ولص سرقت هذا الحق وإن كان الصبر ديدنهم فالصبر سيجني خيرا للوطن بإذن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *