‫الرئيسية‬ ثقافة بابٌ مواربٌ في زقاق مظلم (3)
ثقافة - 9 يناير 2021

بابٌ مواربٌ في زقاق مظلم (3)

جلال الأحمدي

3
هبوط اضطراري

اسمي جلال الأحمدي, أنا من بلد بعيد يقع أقصى جنوب غرب آسيا، يحده من الجنوب والغرب المحيط والبحر، وهذا يجعلنا نشعر بالوحدة، ومن الشمال السعودية وهذا مرعب أكثر ــ على الأقل بالنسبة لي ــ ومن الشرق عمان، ولكننا في الغالب لا نشعر بذلك، يعرفنا التاريخ بـ (اليمن السعيد)، وهذه ليست نكتة للأسف, ربَّما لعنة الاسم هي التي جعلتنا نصل إلى ما وصلنا إليه الآن، فالتاريخ قاسٍ ولا يتساهل، إنَّه دائماً ما ينتقم من كل أولئك الذين يسخرون من عظمته أو يأمنون مكره.

لقد كنَّا أبداً هدفاً لقوى أخرى خارجية وداخلية تحاول السيطرة علينا، حتَّى أنَّنا منذ ما يقارب الثلاثمائة سنة لم نغمض جفوننا لننام، قتلنا وقُتلنا ولم ننتصر يوماً، لم نجد صيغة نهائية ولم نفهم ما نريد. ومع ذلك؛ عليَّ دائماً حين أصافح أحداً أن أخبره: أنا جلال الأحمدي، من بلاد اليمن السعيدة، وكأنَّها لازمة، أو محاولة مني لاستدراج فضوله إلى مكان ما غامض، بعيداً عني وعن شخصي، محاولاً أن أنقل الحوار إلى مكان آخر خارج دائرتي الشخصية، بعيداً عن أفكاري ورغباتي الخاصة، دون وعي مني، ربما هي لعنة النسر الذهبي الفارد جناحيه فوق أوراق سفري، الضارب بمخالبه في سحنتي. المضحك أنَّ لا أحد يهتم، لا أحد يود سماع شيء عن بلاد ما في مكان ما لم تقدم شيئاً لنفسها، لذا التزمتُ بنفسي، وحديثي عن نفسي لا يتجاوز اسمي دون ذكر اسم والدي، أو والده. علاقة معقدة لا يمكن شرحها دون مشرط أو سكين، ولا أحد يرغب بالمزيد من رائحة الدم، لذا اكتفي بالابتسام غالباً دون كلمات، لأنَّ الغرض الحقيقي من الكلمات هو الخداع، الحقائق والأفعال الواضحة لا تحتاج لتعبير.

شاهدتُ المطار لأول مرة في عام 2003 المرة نفسها التي شاهدت فيها الطائرة، وشهدت بها أول تجربة طيران, على متن الخطوط الجوية السعودية، برفقة زميل في الهوية ــ وابن حارتي ــ والذي صادف أنَّها المرة الأولى له، بصحبة مرشد من وزارة التعليم، متجهين إلى مدينة عرعر عبر العاصمة الرياض، حيث سيقام هناك نشاط صيفي للطلاب المبدعين أدبياً، بعد فوزنا في مسابقة الشعر والخاطرة على مستوى طلاب مدارس تبوك، كانت تجربة مثيرة إلى أن بدأ أحد محركات الطائرة الأيسر بالتخبط، وعلى الفور لمحته من النافذة وهو يصدر دخاناً قبل أن يتعطل ويعلن كابتن الطائرة أنَّه لا حاجة للخوف، وأنَّ المحرك الاحتياطي يعمل بالفعل بشكل جيد. كمراهق ــ متدين جداً ــ بدأت بالتفكير في كل الأخطاء التي اقترفتها في حياتي، الكتب التي سرقتها، والجيران الذين أزعجتهم بضجيج الطابة، وخطوط الكهرباء الحكومية التي مع أولاد الحارة كنا نسرق منها خطاً لكشَّاف ملعبنا، والمرات القليلة التي لم أنصت فيها لكلمات والدي، شبكتُ بين أصابعي، وصليت بكل ما أعرف من أدعية وأذكار، إلى أن هبطنا أخيراً في مطار مدينة عرعر، واستقبلونا هناك كأبطال.

لكن ما لم يكن في حسبانهم أنني وابن حارتي نحمل الجنسية اليمينة، قبل الرحلة بأيَّام طلب منا المرشد التكتم على حقيقة كوننا من خارج السعودية، وأقنعنا بطريقته أنَّنا أبناء هذا البلد بغض النظر عن المكان الذي قدم منه آباؤنا. في النهاية نحن (مولَّدين)، والدماء التي تجري بعروقنا ستجد طريقها لتثبت هويتنا مع الوقت، لم يكن بحاجة لخطاب في الأصل، لأنَّ كل ما كان يهمنا في الحقيقة هو أنَّنا أخيراً سنجرب التحليق، وكذلك سنشارك في معسكر ثقافي يجتمع فيه كل المبدعين من السعودية، كانت تلك تجاربنا الأولى مع الكتابة، وكنا متعطشين ومندفعين لأي فرصة لنثبت إمكانياتنا، على أمل أن يتم الاعتراف بنا كمبدعين قبل أي حسابات أخرى. ما كان يخفيه المشرف هو أنَّه خجل أن تظهر (تبوك) المدينة التي نمثلها بمظهر غير ملائم، إذ لا وجود لمبدعين من أهل المدينة بين الآخرين الذين يمثلون مختلف مناطق السعودية.

كان هذا هبوطي الاضطراري الأول، دون اضطرار في الحقيقة، لذا قبل أن أنزل من الطائرة أخرجت العقال ووضعته على رأسي، تجربة أخرى أولى، المرة الأولى التي أضع بها هذا الشيء الأسود الملتوي على رأسي، ولأنَّه لم تكن لدي تجربة سابقة لم أعرف أنَّه كان يجب علي اختيار مقاس مناسب لحجم رأسي، فقط ذهبتُ إلى السوق واخترت واحداً دفعتُ ثمنه بما جمعته من مصروف المدرسة المتقطع وضعته في كيس إلى وقت استعماله، وبالطبع لم أسأل عن كيفية وضعه على الرأس، لأنَّني لم أكن أدرك أنَّ هناك وضعية حتَّى. في صالة الحقائب؛ اكتشفتُ أنَّ حقيبتي مفقودة، الحقيبة التي أحمل فيها كل ملابسي ودفتري الذي كتبتُ عليه كل قصائدي، ولم أكن أحمل أي مال، لأنَّني لم أحمل مالاً من قبل، يعني كنَّا فقراء ولم أخجل من هذا أبداً، لكنَّني الآن في الموقف الذي يجب أن أشعر فيه بالخجل، ولأنَّها مرتي الأولى في أمور كثيرة كان علي أن أجرب الخجل من هذا أيضاً. خلال فترة المعسكر؛ كان هناك الكثير من الأحداث التي جربتها للمرة الأولى، شاهدت الطلاب القادمين من الدواسر وهم يؤدون (الزار)، وبالطبع لم أرقص أو حتَّى أهتز لأنَّ معتقداتي التي أخذتها عن المدرسة وشيخ الجامع تتعارض مع كثير من الأمور التي يمكنها أن تجلب فرحاً عابراً إلى قلب عابرٍ مثلي، أضف إلى ذلك أنَّ وجودي لم يكن ذا قيمة لأنَّ القصائد التي كتبتها بحب وسعادة والتي من المفترض أن أقرأها ذهبت مع حقيبتي إلى مكان غير معلوم. بينما بقي جوازي بنسره المخطوط بالذهبي الفارد جناحيه، يلمع من خلف جيب ثوبي الأبيض، الوحيد الذي بقي شاهداً على أيامي الغامضة هناك.

الجواز نفسه الذي تبعني من بلاد إلى بلاد والذي كان منتهي الصلاحية خلال تواجدي في لبنان، نسري الذي لا أشعر تجاهه ببغض أو حب منتهي هو الآخر، مع ذلك بقي يعمل بشكل سلبي لإعاقة أي محاولة لمغادرة لبنان، لم يكن الأمر باختياري لكن في تلك الفترة تمَّ إصدار قرار من إحدى حكومات اليمن المتنازع عليه يقضي بمنع تجديد جوازات السفر في السفارة اليمنية ببيروت، رغم أنَّني استطعت أن أحصل على المنحة، إلا أنَّ ذلك لم يكن كافياً، ورغم ابتعادي عن الجميع إلا أنَّه دائماً ما كانت تربطني علاقات بالجميع من اختلاف الطوائف والأفكار والأيدولوجيات، ولطالما شعرتُ بالخجل من هذا لا بسبب انتمائهم أو اعتقادهم، لكن لأنَّني باستمرار استطعت المواصلة بينما يسقط الآخرون من حولي، وحولي لا يعني بالتحديد المساحة الضيقة جغرافيا، حولي لا نهاية له ولا حدود، وحدودي التي تتسع بلا توقف لتضم داخلها كل ما يتعلق بالإنسان والإنساني هي في الحقيقة شكل من أشكال تعبي ومعاناتي، لذا دائماً عند نقطة معينة من شدة التعب والعتمة كنت بطريق أو آخر أستطيع أن أرى ولو من بعيد إشارة مضيئة أو علامة تدفعني للمواصلة، لذا كان علي في مرحلة كهذه أن أترجل قليلاً، وأن أهبط بطائرتي المتخيلة إلى الواقع، أن أتنازل عن خفتي وخفافتي وأطلب يد المساعدة، وعن طريق أحدهم استطعتُ تمديد الجواز من السفارة، لكنَّني لم أستطع أن أجدد علاقتي بالنسر ولا أن أتصالح مع ظلاله التي تتعارض مع أفكاري الجديدة حول الانتماء والهوية.

هبوطي الاضطراري المؤقت استمر أكثر مما أتوقع، إذ إنَّه لا مواعيد متاحة في السفارة الألمانية في لبنان، وأقرب موعد سيكون بعد عشرة أشهر، وهذا غير قابل للنقاش بالنسبة لي، من ناحية مادية بحتة، لقد نجوت حتى ذاك الوقت بشق الأنفس، وأعني شقها حرفياً، بكل ما يمكنك تخيله من أدوات حادة وجارحة، لذا مسألة استمراري على هذا المنوال لعشرة أشهر يحتاج إلى مغارة علي بابا، جربت وطرقتُ أبواب عدة لكن يبدو أنَّ أحدهم غير كلمة السر، وعوض أن يحملني النسر حملته على أكتافي من باب لآخر دون جدوى، ومع ذلك بينما حصلت على موعد مبكر من السفارة، ولا أتباهى بالأمر، إذ لا يمكنني أبداً أن أفعل بينما أتذكَّر بوضوح وجوه وملامح المئات الواقفين على أبواب السفارة لأيام بانتظار تصريح السفر أو موافقة على لم الشمل مع عوائلهم هناك، لكنَّني عبرت السياج الشائك والبوابة، كشخص واقعي، تركتُ طائرتي في مخيلتي وترجلت.

ورغم أنَّ أوراقي لم تكن كاملة لكنَّني حصلت على تصريح السفر بعد أيام قليلة، ربما كنتُ أفتش عن المغارة بينما ليد الفانوس السحري ولم أعلم، أشبه بمعجزة، لا أتحدث عن حصولي على إذن السفر، لكن عن تسارع وتيرة الأحداث، إذ كان على الآخرين أن ينتظروا على الأقل لأشهر ليتمكنوا من الحصول عليه بالإضافة إلى الأشهر السابقة لأجل موعد، بالنسبة للآخرين كالعادة أنا محظوظ هذه المرة. أما بالنسبة لي فإنَّ الأمر كان منطقياً لا مسألة حظ أو دعاء والدين، لم أتصور مع التأشيرة ولم أنشر الصورة في فيس بوك ولم أخبر أحداً بذلك، ذهبت للشقة وأخيراً بدأت أشعر بأنَّ الأمور على طبيعتها، أقصد على طبيعتي المعتادة على العبور، بوصفي عابر مجدداً أو احتمال عابر على الأقل.

هناك أماكن تشعر كما لو أنَّ الجاذبية فيها عشرات الأضعاف، لبنان أحدها، لذا لم أكن متفائلاً وفي الحقيقة لستُ متشائماً، لكنني كنتُ أتخيل العتبة القادمة، بعد أيام أرسلوا لي تذاكر السفر من ألمانيا، ودون تردد أرسلت لصاحب الشقة رسالة بخصوص تسليم الشقة، ولم أنتظر ردة فعله، أعددنا حقائبنا نور وأنا، وسلَّمنا المفتاح لصاحب الدكان أسفل العمارة، لأنَّ آخر ما أرغب به هو رؤية صاحب الشقة، المتملق المادي، العجوز المحتال المستغل، صاحب رائحة الفم الكريهة، خلال هذه الفترة كنتُ بلا أصدقاء تقريباً باستثناء سليمان (سوغا) والذي أصفه كأخ، والإخوة ليسوا أصدقاء، سليمان هو الثابت الوحيد في ــ عالية ــ أول من قدم إليها من عشرات الذين عرفناهم ومن بقي بعدنا لسنوات هناك، خلال طوال تلك الفترة من الإجراءات والركض، لم يكن في بالي غير سليمان، كانت الأمور شبه واضحة وبدت فكرت المغادرة مؤكدة، سليمان الحساس والمندفع والمليء بالحياة والبهجة، ماذا يقول الواحد لسليمان؟!

من تجاربي السابقة أعرف أنَّني ما أن أتجاوز جمارك المطار فإن التفاتي نحو ما تجاوزته سيدخل دائرة غامضة، ولا يمكن لأحد أن يتعامل مع سليمان كحجر منسي على الضفة أو كتاب يمكن إرساله عبر البريد، أنا بالتحديد غير قادر مسبقاً على إطلاق وعود بتواصل مستمر، هذه المرة أنا غير قادر على الإطلاق أن أهبط اضطرارياً وأعيد على مسامعه كلمات وجمل من باب التصبير سمعناها أنا وهو عشرات المرات من عابرين قبلنا في نفس المكان، مع ذلك دون دموع أو وعود احتضنته، تاركاً خلفي ما لا يمكنني فهمه، وما لا يمكنني فهمه لا يمكنني تجاوزه إلى نسيانه، ومن المرات القليلة التي أتوقف فيها عن لعب دور بطولة نفسي، وأسمح لبعض الدموع أن تمر دون أن يلاحظ أحد ذلك، بالخفة التي أعرفها، وسريعاً دون إحماء عدتُ لدوري كشبح مستوفي الشروط، بانتظار تجاوز رجال الجمارك في مطار بيروت التعيس.

ولأنَّه لبنان لم يكن الأمر بهذه السهولة وبعيداً عن الإطالة والتعقيد، في تفاصيل جارحة، تم رفض مغادرتنا أراضي لبنان، لبنان الذي يصنفك منذ وصولك كسائح أو نازح أو رجل أعمال خليجي. حسب كمية ونوع العملة التي تحملها في جيبك، والتي يجب عليك إبرازها لحظة وصولك لرجال الجمارك، وبعد معاناة طويلة وبعد تفويت الرحلة، وخروجنا من المطار محملين بحقائبنا دون نقود أو روح جائعين وملوثين برائحة تحقيقات رجال الأمن بالمطار، على كتفي نسر ضخم عملاق يثقل حركتي فارداً جناحيه ببلاهة، بينما على كتفي نور نسر مكبل أشد بلاهة وثقلاً، إحدى المرات النادرة التي لا أعرف ما هي النقلة المنتظرة وإحدى المرات الكثيرة التي تصدق بها توقعاتي، لكن كما هو الحال دائماً يظهر الفانوس السحري، لقد ولدتُ بطريقة ما لأكون ما أنا عليه دون أن أقصد، في اليوم التالي حجزنا على أوَّل رحلة وغادرنا، دون مشرف دون (عقال) في الكيس ودون أسف.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *