‫الرئيسية‬ ثقافة الروائي والقاص الهادي راضي: لم يعد الكذب على الجماهير ممكناً
ثقافة - حوارات - 4 يناير 2021

الروائي والقاص الهادي راضي: لم يعد الكذب على الجماهير ممكناً

 

نحاول  أن نقرأ بعين الروائي والقاص الهادي علي راضي ما الذي حدث، نقرأ الحياة السودانية بعين السارد.. فـ”المفكر يكبح سرد الروائي” كما يقول محمود درويش.

أجراه: حاتم الكناني

*السودان لم يكتب روائيا كما ينبغي، أتوافقني؟ أم هي أزمة التاريخ السوداني المُتقطّع كتابياً، أم أزمة الروائي؟

نعم أوافقك، السودان لم يكتب روائياً. والأزمتان اللتان ذكرتهما هما جزء من أزمة كبرى، تتمثل في عقلية النخب السياسية على مر الحقب، بعدم استصحاب البعد الثقافي في نمط تفكيرهم السلطوي. أحيانا لعدم إدراكهم بمدى أهمية البعد الثقافي في الحياة، وأحيانا عن قصد لمن يدركها، ولكن يتعامل معها كعمل خطرٍ على سلطته كما فعل الإسلاميون بمحاربة للثقافة والمثقفين.

*بعين الكاتب، كيف تنظر للتحولات الاجتماعية التي تمخضت عنها ثورة ديسمبر؟

بعين المراقِب أولاً: من شدة قهرنا نسميها تحولات، ولكن حقيقة الأمر هي رجوع السودان والسودانيين لمكوناتهم الطبيعية وفطرتهم التي جبلوا عليها، فـ”النظام المقلوع” – حسب تعبير أستاذنا عبد الله رزق – عمل على تفكيك النظام الاجتماعي الكلي والنظام الاقتصادي، واستهدف النظام التعليمي بشكل سافر؛ كل ذلك من اجل خلق مجتمع خانع. ولكن استعصى عليه تفكيك أصغر وأهم وحدة في الهرم الاجتماعي وهي الأسرة، أو البيت السوداني حيث القيم والأصالة. (استدعي سِفْر المواكب وساحة الاعتصام) ليستقيم القول: إن النظام المقلوع أسقطه البيت السوداني كي يُعيد البيت السوداني بناء السودان من جديد.

بعين الكاتب: يفر الماضون إلى حيوات جديدة. المدونون على (نحن المجانين)، المحتفون بشهدائهم إلى الأبد. (الأعظميون) الذين ما فتئوا يذكرون (عظمة) ولوركا، الراسمون على جدر الصمت لاستنطاقها. البائدون مهيضو الأجنحة، الظلاميون وغباؤهم.

*كيف ترى أشكال التعبير الثقافي بوصفها أدوات مقاومة للموات والطغيان والتكلس؟

أشكال التعبير الثقافي وُجدت كي يقاوم بها الإنسان قبح الحياة – مطلق القبح – وهو في حد ذاته – التعبير الثقافي- سلوك فطري، عفوي، ينبع من وجدان الفرد، وليس حكراً على مجموعة بشرية محددة، ويستند بشكل أساسي على الإرث الثقافي للمجموعة السكانية في الرقعة الجغرافية المحددة. إرثنا الثقافي كوشي، وما أدراك ما كوش، استدعاء الملاحم والبطولات، تحوير الكرنفالات لأفعال ثورية مناهضة للطغيان، وأيقنة النساء في الفعل الثوري، هو إشارة لرمزية حضارية باذخة في تاريخنا على وجه الخصوص، والتاريخ الإنساني على وجه العموم. ومن جانب آخر، فإن أيقنة المرأة في ثورة ديسمبر العظيمة، ما هو إلا استدعاء للنظام الأمومي في دولة كوش. ثورة استندت معرفيا على قراءة التاريخ النضالي والثوري على مر الحقب، ابتكرت أساليب مقاومتها، رسخت مفاهيمها الأساسية ثم انطلقت.

أبدا سوف نقاوم الموت والطغيان والتكلس، سنظل نقاوم القبح بكل أشكال التعبير الثقافي.

*ماذا ترى في الأفق السياسي والاجتماعي؟ ما الذي ينبئ عنه كغاوٍ للسرد؟

سأبدأ من الشق الثاني للمحور، لو فهمت سؤالك بشكل صحيح.. بلا شك فإن شبحية القيادة في الحراك الجماهيري الذي حدث منذ موكب 25 ديسمبر بالخرطوم، وما قبل ذلك إبان ثورة ديسمبر العظيمة، شبحية القيادة هذه في سياقها المعرفي تُعَد ملمحاً سردياً بامتياز. أضف إليها الأسطرة الناتجة عن المواقف البطولية للثوار. أن تكون شاهدا على تحول فرد من إنسان إلى اسطورة، هذا أمر مذهل للغاية.

وعلى الصعيد السياسي، فإن نسف مفهوم القائد التقليدي (من شحم ولحم ودم) في تثوير الجماهير أو قيادتها، هذه المسألة في بعدها الأنطولوجي، ما هي سوى إرهاص لخلخلة مسلمات ظلت راسخة منذ أمد. لم يعد الرهان على الرمزية أو الكاريزما لخطب ود الجماهير أو استمالتها مجدياً، ستنشأ كيانات مطلبية تلبي حاجات الجماهير، سينتظم الناس خلف الذي يخاطب قضاياهم الحيوية بصدق.

كل يوم يرتفع الوعي الجماهيري بالقضايا التي تلامس حياتهم، لذلك لم يعد الكذب على الجماهير ممكناً، وكل من يتسنم ظهر التقليدية، لا محالة ساقط.

الجماهير قزّمت الساسة، الآن الكلمة للشعب، على الساسة أن يكونوا على قدر من الحصافة لقراءة الواقع السياسي الراهن، الثورة ماضية ولم تتوقف بعد، وهي ثورة الأحلام الكبيرة، ثورة للحياة وضد التكلس.

*كيف شكلت المقاومة الثقافية وعي الثورة برأيك؟

بتطويع أدوات النضال بما يتوافق مع المزاج السوداني، بالبعد عن الزيف، باتخاذ المسار المغاير الذي يجعل من الفرد المواطن/ة مشاركاً/ة في الفعل الثوري وليس تابعاً/ة، بالحفر عميقاً في الفرد السوداني، باستلهام تاريخنا وإرثنا النضالي وبالإيمان المطلق بحتمية التغيير. المقاومة الثقافية أبداً تتجلى في جنوحها صوب ما يلامس فطرة الإنسان، حريته في المقام الأول ثم روحانياته، أحلامه، أحزانه وأفراحه، غناءه، موسيقاه ..الخ، ما يجعل حياته كريمة وجميلة. وما تبدى من أثر للمقاومة الثقافية في تشكيل الوعي الجمعي لثورة ديسمبر، هو نتاج عمل عظيم وجهد خارق لكيان استطاع أن يحدد من أين يبدأ التثوير، ثم يقود الشارع ويحافظ على المد الثوري حتى وصل أقصى مداه.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.7 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال