‫الرئيسية‬ ثقافة عبد العزيز سيد أحمد.. شاعر الجمال وفيلسوفه المجهول
ثقافة - 5 ديسمبر 2020

عبد العزيز سيد أحمد.. شاعر الجمال وفيلسوفه المجهول

بروفايل – حاتم الكناني

ربما سيعثر أحدهم على الديوان مُلقىً على مفارش الورَّاقين الأرضيين في شوارع الخرطوم.. ولو كان قارئاً للشعر فمن المؤكد سيقدح عنوان من مثل (اتكاءات على التأويل) حساسيته؛ ولربما برقت في عينيه صورة الغلاف ذي الألواح. وحينما يفتح الصفحة الأولى قد تأسره اللغة الدرية التي قدم بها صاحب الديوان شعره.

صدفةٌ ما قد تُفضي بالقارئ لمعرفة الشاعر الكبير عبد العزيز سيد أحمد، الذي ضنَّت علينا به الجهالةُ المقصودة – ربما – أو التجاهل، في بلد يحتفي بتخريب الذاكرة والنسيان الأليم لمُبدعيه.

قصائدُ مكتوبة مُنذُ نهاية الخمسينيات وحتى مطلع الثمانينيات، وبمقياس زمنها وأزمنة أخرى، تدلُّ على فصاحة شعرية خالدة، لا أقلَّ – بأي حالٍ – من الشعرياتِ التي ربَّتْ مخيلات الكتابة والقراءة الشعرية، من لدن محمد عبد الحي والنور عثمان أبكر وعبد الله شابو وعلي عبد القيوم إلى آخر الشعراء.

يُفسِّر الشاعر بابكر الوسيلة غياب عبد العزيز سيد أحمد، وأسماء أخرى جديرة بالقراءة والاحتفاء، من الذاكرة الشعرية لكُتَّاب وقُرَّاء الشعر اليوم، بأنَّ الشعر يصنع أقداره الغريبة أحياناً، بأن تنتظر تجربة أمثالهم من الشعراء مَن يتنكب عناء معرفتها الحقَّة؛ لكن صديق سيد أحمد، الشاعر خالد الماحي، يعزو غياب الشاعر عن الذاكرة إلى أنه كان يسارياً خارجاً عن الأنساق الاجتماعية المتعارف عليها على الرغم من تفرد شعره وجمالياته.

ويقول عنه الشاعر والصحافي محمد نجيب محمد علي، إنه كان موسوعة من شتى ضروب المعرفة؛ نهل من التراث والفلسفة والتصوف وعلم الفلك بجانب أنه مهندس معماري. ويضيف: “معروف عن عبد العزيز أنه من شعراء قصيدة التفعيلة ومجموعته (اتكاءة على التأويل)، تميزت بالعمق والثقافة والاستفادة من التراث والتاريخ”.  ويعزو نجيب جهل كثير من قراء الشعر السوداني بسيد أحمد إلى فترة اغترابه الطويلة عن البلاد هي التي أبعدته عن الأضواء.

وُلِدَ الشاعر عام 1933م في جزيرة أرقو شمال السودان، وتلقَّى تعليمه في مدارس السودان وجامعاته، وأكمل ذلك في كلية الهندسة في جامعة صوفيا؛ كما هو مذكورٌ في ديوانه، وتوفي في العام 2007م، بعد معاناة طويلة مع المرض.

بجانب الديوان الوحيد المنشور، فلسيد أحمد مسرحيتان منشورتان “محاكمة ابن رشد” و”الرسالة”، وله أغنية مشهورة تغنى بها الفنان محمد حسنين “سايق البوباي”؛ ومقالات عن التيجاني يوسف بشير منشورة في مجلات الخرطوم والثقافة السودانية والأيام والشارع السياسي.

عمل المهندس المعماري عبد العزيز سيد أحمد مدرساً لتاريخ الفنون بمعهد الموسيقى والمسرح في السبعينيات وتقاعد في بداية الثمانينيات متفرغاً للعمل الخاص.

يقول خالد الماحي عنه، إنه كان نسيج وحده، وعلى الرغم من تميز مبدعي زمنه أمثال صلاح أحمد إبراهيم وعبد الله شابو وجيلي عبد الرحمن وغيرهم من القامات، إلا أنه كان فريداً ومتفرداً في شعره ومسرحه وغنائه، ومدهشاً في الصوفية العالية والعربية المحكمة في (اتكاءات على التأويل) ديوانه المُحكم، والعامية السهلة والسلسة في (سايق البوباي).

ويضيف الماحي: “تعرفت به لأول مرة في العام 1996 وسرعان ما نشأت صداقة بيني وبينه. كان ينتقي أصدقاءه ويطور علاقات الصداقة إلى علاقات مفاهيمية وثقافية”.

كان سيد أحمد صديقاً شخصياً لكل من جيلي عبد الرحمن وشابو وصلاح أحمد إبراهيم، وذا طابع يساري ومثقفاً موسوعياً؛ لكن خروجه عن الأنساق الاجتماعية ووجوده بخانة (يسار اليسار) – كما يصفه الماحي -، بالإضافة إلى عدم رغبته في اعتلاء المنابر، جعل كثيراً من النقاد والمهتمين بالأدب يتجاهلون واحداً من أميز الشخصيات الشعرية والثقافية التي مرت على السودان منذ الستينيات؛ فضلاً عن أنه كتب دراسات وافية عن مواضيع لم يكتب عنها الآخرون لكنها غير منشورة ولم يطلع عليها إلا القلائل.

يقول محمد نجيب مستدعياً ذكرياته مع الراحل: “أذكر أننا كنا نجتمع أيضا في منزله بالطائف في جلسات مؤانسة شعرية قراءات وحوارات وعرفت في تلك الجلسات عمق الصداقة التي كانت تجمعه بالشاعر الراحل محمد المهدي مجذوب والشاعر عبد الله شابو والذي كتب عنه إحدى قصائده”. ويضيف نجيب متداعياً: جمعتنا أيام جليلة كنا لا نتفارق فيها  بدار نقابة الصحافيين بشارع المك نمر في ١٩٨٧، أيام  اضرابنا عن العمل بصحيفة الجريدة في أول عهدها حين سعى صاحبها لفرض سياسة تحرير معينة.. جلساتنا كانت زاخرة بالشعر وأحاديث عن الفلسفة”.

ويضيف نجيب: عبد العزيز رحمه الله كان ذكيا لماحاً وشاعراً عاشقاً بطبعه. وكانت معنا زميلة صحفية تجالسنا.. طرب قلبه بحضورها وحسنها فألهمته بكلمات غنائية  أذكر  مما يقوله فيها:

أنا عاشق الجمال من تال جزاير أرقو

شغال ساقي لي كهنة معابد دلقو

مشغول بي جمالك شال وشالع برقو

والضاق التمودة يكونلو واضح فرقو.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال