‫الرئيسية‬ مقالات الإمام الصادق المهدي ودوره في الصحة العامة ومُحاربة الوصمة
مقالات - 1 ديسمبر 2020

الإمام الصادق المهدي ودوره في الصحة العامة ومُحاربة الوصمة

د. عيسى حمودة*

في العام 2004؛ في صالة حديقة الأسكلا (القديمة الحديثة)؛ اجتمع نفرٌ من الخُبراء في مجال الصحة والاجتماع والبرامج يعلمون في القطاع العام والمُنظمات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة وعلماء الدين وقيادات نسوية وشبابية، مع ممثلين للجمعية السودانية لرعاية المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز). كان ضمن ذلك النفر، الإمام الصادق المهدي، وابنته د. مريم الصادق المهدي. كانت الدعوة مقدمة من مدير وحدة الإيدز والدعم العالمي للصحة بصندوق الأمم المتحدة الإنمائي، السيد ريناتو بنتو، البرازيلي الأصل. كانت هذه الوحدة وقتها صغيرة، تتكون من ثلاثة أفراد: السيد ريناتو نفسه، والسيدة رحاب عبدالله (رحاب القطينة)، وشخصي نائباً لمدير الوحدة. قبل تلك الدعوة بأسابيع قال لي ريناتو: “أود دعوة شخصية مهمة تساعدنا في موضوع الإيدز، خاصة مُحاربة الوصمة التي يعاني منها المتعايشون مع الفيروس ومرضى الإيدز”. فجاء اسم الإمام الصادق المهدي، تمت الدعوة، وكانت لقاءات الأسكلا.

جلس الإمام مستمعاً لكل الأوراق والمُداخلات، وكانت أكثر المُداخلات تأثيراً وألماً من رئيس جمعية رعاية المتعايشين مع الفيروس، والمكونة من المتعايشين مع الفيروس أنفسهم وآخرين. تحدث ممثل الجمعية الوليدة – ونظره مركزٌ على الإمام – عن التمييز والوصمة التي يعانون منها مستشهداً بحاله كشخص تقدم وبادر بإعلان إصابته بالفيروس (الإيدز). ذكر معاناتهم كمنظمة مجتمع مدني في إيجاد مقر للإيجار بسبب رفض أصحاب العقارات أحياناً، وخوف أصحاب العقارات من سكان الحي. وذكر أنَّ اسم الجمعية نفسه تم اختياره بعناية خوفاً من الوصم والتميز، تمت إضافة كلمة (رعاية) قبل المتعايشين مع، وليس شبكة المصابين، لأنَّ الهدف هو تشبيك وتلاقي المتعايشين من أجل الإرشاد والمدافعة، وتقديم نموذج إيجابي حول المصابين. هذا (الإخفاء) ساعد في إيجاد مقر لهم في أحد أحياء الخرطوم. تحدث عن تجارب شخصية في التمييز والوصمة، وختم حديثه قائلاً: “صرنا مثل الكلاب الضالة”. وطلب من الإمام تبني ورعاية المنظمة.

عندما جاء دور الإمام الصادق؛ تحدث عن المرض واعتلال الجسم في الدين والعادات، مذكراً بأنَّ “وليس على المريض حرج”، ومشدداً على دور المجتمع في رفع الضرر “لا ضرر ولا ضرار”، وعن الرحمة والتكافل، وعن المساواة والعدالة. لا أستحضر كلمات الإمام بدقة (وهو حديثٌ موثقٌ في أضابير المنظمة الدولية)، وربَّما استحضر جزءاً من حديثه مديري وصديقي وقتها والآن، ريناتو، والذي “تاقيته” هنا. ووافق الإمام على تبني الجمعية قائلاً: “ستقوم د. مريم الصادق بترتيب اللازم معكم”.

تناولت الأحاديث الجانبية بين الحضور والإمام الصادق المهدي رأي علماء الدين في السودان حول استخدام العازل كأحد أهم طرق الوقاية من الإصابة من الفيروس، خاصة أنَّ الدراسات والمسوحات الصحية والاجتماعية أكَّدت أنَّ الإصابات بالفيروس في السودان تحدث عبر الاتصال الجنسي بين المرأة والرجل، وأنَّ الحديث عن العوازل الذكرية يتحول من حديث عن الصحة إلى جدل حول الحديث عن الجنس في مجتمع مُحافظ، وجدل قانوني حول جريمة الزنا، وحول التعقيدات، وحتى الخوف من تناول الموضوع من على منابر المساجد والكنائس، (كان هناك ممثل للمسيحيين في ذلك اللقاء).

لكنَّ حديث الإمام الصادق المهدي والشيخ الشاب محمد هاشم الحكيم، الذي كان أحد المدعوين، وقد تلقى تدريباً دولياً من قبل حول الإيدز ودور رجال الدين، جعل من تناول أمر الصحة العامة وتدخلاتها في الوقاية من الأمراض والأوبئة بواسطة علماء الدين وقادة المجتمع أمراً يبدو سهلاً. وحقيقة أبهرنا موقف السيد الإمام، لأنَّ ريناتو وشخصي لم نكن على ثقة بما سيكون الناتج من الاجتماع المصغر، خاصة أنَّه اجتماعٌ أولي، ولكن كنا نعشم في موقف تقدمي وإيجابي من الإمام الصادق، وربَّما لاحقا يتطور ذلك إلى شيء عملي ملموس. وخططنا لذلك من قبل اللقاء باختيار وإشراك د. مريم المهدي في ورشتين تدريبيتين: إحداهما عن تنمية القيادات في برامج الإيدز، والأخرى عن دور الحوارات المجتمعية في التنمية. والورشة الاخيرة تمت في الأسكلا نفسها، وفِي اليوم التالي لانتهائها؛ كان اجتماع الأسكلا المصغر مع الإمام وبقية القيادات التي أشرت إليها في بداية هذا المقال.

أذكر من حديث الأمام في ذلك المقام؛ وفِي أحوال أخرى، إشارته إلى تقديس الدين لحياة الإنسان وبدنه، وحول دعوة الدين لحفظ لكرامة الإنسان. هذه من الأساسيات ومن المبادئ المؤسسة في علم وآداب الصحة العامة**. وتدخلات الصحة العامة public health interventions  وخدماتها ونشر المعلومة الصحيحة services and information  تأتي عبر باب الحقوق right-based approach  ويعني ذلك أنَّ الحصول على هذه الخدمات حقٌّ أصيلٌ من حقوق الإنسان، مثلها مثل الحريات السياسية وبقية الحقوق المدنية والاجتماعية.

بدا رئيس جمعية المصابين بالإيدز بالسودان يومها سعيداً، ووجهه منطلق مع ما يبدو عليه من إرهاق ونحافة في البدن. كان، هو الآخر، متحدثاً لبقاً وعالي الصوت، ميسور الحال نسيباً، يقود عربة خاصة. وعرفت أنَّه عاد من الاغتراب من دولة خليجية، وربَّما أُبعد بسبب إعلانه حالته بوجود الفيروس في دمه. بعدها بأيَّام دخل علينا ريناتو في مكتبنا وهو ينتحب، وأخبرنا بأنَّ رئيس الجمعية توفاه الله. أحسست يومها مع مرارة الفراق؛ أنَّه رحل وقلبه مطمئنٌ على مصير الجمعية وإخوته المتعايشين مع الفيروس – الإيدز.

في تلك السنوات الباكرة من عمر برامج الإيدز؛ ومع توفر الفحوصات والأدوية وخدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي، التي وفرت مجاناً عبر برامج الصندوق العالمي، والتي تساعد في القضاء على شراسة الفيروس، ومن ثم تقلل العدوي الطفيلية والوفيات، وتعمل على إطالة عمر المريض والمتعايش، كانت الوصمة والتمييز المرتبطة بالإيدز منتشرة وكبيرة.

قاد هذا الكثيرين من الشباب والمواطنين للخوف من التقدم للفحص وتلقي الإرشاد والدعم والعلاج، مفضلاً بعضهم العيش في نكران حالته حتى تتمكن العدوى من جسمه وقواه، ويأتي للعلاج متأخراً، وتحدث الوفاة. وهنا كان دور القيادات المجتمعية والدينية مهماً في مُحاربة تلك الوصمة والتمييز، وفي حث الناس على الفحص لمعرفة حالتهم الصحية والاستفادة من خدمات الصحة والطب في مُحاربة المرض. وهذا – تلقي العلاج – يساعد في الوقاية من العدوى بالفيروس من خلال القضاء عليه وتقليل فرص انتقاله للآخرين. وقديماً قال الناس: “الوقاية خير من العلاج”. وجاء العلم ليثبت أنَّ العلاج والوقاية حلقتان من حلقات الرعاية الصحية مرتبطتان ويكمل أحدهما الآخر “العلاج يعمل على الوقاية من الأمراض المعدية” treatment is prevention.

أختم هذا المقال حول دور الإمام الصادق المهدي في الصحة العامة؛ بالإشارة إلى ما كتبه الصديق د. معتصم الأقرع حول الإمام الصادق كنصير للنساء، ويعلم الكثيرون دور الإمام في مُحاربة العادات الضارة، وختان الإناث خاصة. كان مدخل الإمام للموضوع شمولياً، ومن باب حقوق المرأة، وأشير هنا إلى أنَّ مُحاربة ختان الإناث أيضاً عملٌ من أعمال الصحة العامة، لما لهذه العادة الضارة البائدة من أضرار صحية بالغة، خاصة وفيات البنات والأمهات بسبب الختان نفسه، وبمضاعفاته عند الحمل والولادة. أيضاً أشارت د. مريم المهدي في حديثها وتعزيتها لجمهور الأحباب والمواطنين، لدور الإمام واهتمامه بالبيئة وقضاياها، وارتباط التدهور البيئي بانتشار الأمراض والأوبئة: ملاريا، حمى الضنك، والسرطان، موثق بالأبحاث.

بفقد الإمام الصادق المهدي يكون العاملون والمهتمون بالصحة العامة قد فقدوا نصيراً وصديقاً مهماً. نأمل أن يولي القائمون على أمر توثيق حياة الإمام إحياء إرثه واستمرارية مساهماته في شتى ضروب الحياة. دور الإمام الصادق في الصحة العامة أيضاً، وهو اهتمامٌ ذو أهمية خاصة هذه الأيام وبلادنا ودول أخرى تمر بأوضاع عصيبة بسبب تفشي وتسارع انتشار جائحة (كوفيد-19)، ومهددات الأوبئة الأخرى.

ـــــــــــــــــــــ

*طبيب متخصص في الوبائيات والصحة العامة
**الصحة العامة: هي ذلك الفرع من العلوم والفنون التي تهتم بتعزير الصحة، وصد الأمراض وإطالة الحياة، من خلال تضافر جهود المجتمع والمنظمات (الحكومية والخاصة) والأفراد في تبني خيارات مدروسة (فيما يخص صحتهم وحياتهم).

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *