‫الرئيسية‬ مقالات آراء حمدوك حينما يخلع ثوب الدبلوماسية
آراء - مقالات - 30 نوفمبر 2020

حمدوك حينما يخلع ثوب الدبلوماسية

لم يأت حوار د. حمدوك مع الفضائية السودانية، بالأمس 29 نوفمبر، المُسجل قبل ذلك بأربعة أيَّام، بجديد سوى بعض رسائل شديدة الإيحاء يمكن أن تشكل نسخةً جديدةً للسيد رئيس الوزراء، تعينه على الإمساك بصورة أفضل على صلاحيات منصبه الثوري الذي أراد له أن يكون براغماتياً صرفاً من خلال أدائه السابق، الشيء الذي باعد بينه والقاعدة الثورية حينما رافق بؤس الأداء انعقاد اللسان حتى صار بيت المتنبي:

لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ

فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

عنواناً لأداء الوزارة عموماً، وأداء رئيسها خصوصاً.

أقول، لم يأت اللقاء بجديد لأنَّه نُسِج على ذات منوال التفاؤل المجنح والسعي الذي لا يسنده واقعٌ يغير حياة الناس بعد ثورة عظيمة كما قال. أكثر من ذلك راعني تحدث السلطة التنفيذية بلسانين في أكثر قضايا الناس إلحاحاً وتأزيماً، وأعني هنا حديثه عن أزمة الوقود، ففي إفادته؛ أنَّ المشكلة تكمن فقط في التنظيم والإدارة، بمعنى أنَّ المتوفر من الوقود بشقيه أكثر من كاف، غير أنَّ وزير الطاقة والتعدين صرَّح من خلال حوار صحفي لصحيفة (الديمقراطي)، في ذات يوم الحوار، بحاجة الوزارة لزيادة معدل الكمية المنتجة والمستوردة لسد النقص، معترفاً بأنَّ تقديراتهم تستند على إحصاءات استهلاك تعود للعام 2013، هذا التناقض بين المسؤولين يرسل رسالةً شديدة الأهمية، ويمكن أن يفسر بصورة أو بأخرى أحد أهم جذور ما نعانيه من أزمات، وأعني هنا تحديداً ضعف التنسيق التنفيذي والاستناد على بيانات غير محدثة وغير دقيقة تبنى عليها تقديراتٌ وقراراتٌ تمس حياة الناس مساً غليظاً.

غير أنَّ الحوار – ولنكن مُنصفين – حوى خمسة رسائل في غاية الأهمية، يمكن قراءتها من بين ثنايا بعض إجاباته، فمثلاً حينما سُئل عن تقييمه لمستوى أداء الشراكة (العسكرمدنية) أقرَّ الرجل باستحالة أن يحكم العسكر دون المدنيين أو العكس وفقاً للظروف الماثلة، بمعنى أنَّ هذه الشراكة قدرٌ محتوم، كأنَّه يقول: “مجبرٌ أخاك لا بطل”، عكس محاولات تمجيده السابقة لهذه العلاقة لدرجة رفعها لمصاف (النموذج السوداني)، فمن خلال إجابته يرسل د. حمدوك رسالتين: الأولى للمكون العسكري مفادها “أنَّكم لن تحكموا السودان وفق التجارب الشمولية السابقة محلياً أو إقليمياً بعد التغيير الجذري الذي أحدثته الثورة”. أمَّا الرسالة الثانية فقد كانت رسالةً مبطنةً للناقمين على هذه الشراكة من المدنيين، وكأنَّه يقول لهم: “قدموا رؤيتكم العملية قليلة التكلفة لكيفية عزل العسكر عن مفاصل سلطة الانتقال، عوضاً عن الرفض الراديكالي”.

ثالثة الرسائل أرسلها الرجل إلى بريد الجبهة الثورية، مفادها “أنَّ أي تحالف جانبي مع المكون العسكري لن يمضي بسلاسة في ظل تنامي الوعي الثوري، والإيمان العميق بغايات وقيم الثورة المجيدة” .أمَّا الرسالة الرابعة فقد غازل من خلالها الرجل لجان المقاومة، حصن الثورة المنيع، الذي تكسرت على تخومه نصال الارتداد، مباركاً وجودهم في قلب السلطة التشريعية حماية لمُكتسبات الثورة.

أمَّا الرسالة الخامسة فقد كانت حاسمة، ويراودني اعتقادٌ أنَّ الحوار ما قام أصلاً إلا من أجل إرسالها، فقد كانت رداً على مقولة عضو مجلس السيادة، الفريق شمس الدين الكباشى، صاحب المقولات الشهيرة، فبعد (حدث ما حدث) راجت في فضاء الميديا والإعلام مقولةٌ شديدة الاستفزاز، موغلةٌ في الحدة، بعيدةٌ عن الكياسة، متهماً من خلالها السيد رئيس الوزراء – وإن لم يكن تصريحاً – بالخروج عن المؤسسية. بل أكثر من ذلك؛ وصفه لمضمون لقاء حمدوك – الحلو بـ “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق”.

هنا خلع السيد حمدوك رداء الدبلوماسية، وتخلى – ولو مؤقتاً – عن قيود (النموذج السوداني)، حينما علق بـ: “فكرة إنو يكون في شخص يوزع الاستحقاقات لمن يستحق ومن لا يستحق، هذا تصور قاصر، نحن في هذا المجال مُستعدين نناقش ونتحاور مع الرفاق حول كل القضايا وبدون خطوط حمراء، ماف زول بيملي على شخص ماذا يعتنق أو ماذا يفعل، وهذه المسألة بتخلينا قايمين على أساس عدم الإقصاء والاستماع لكل الآراء ونقاشها برحابة صدر، وبيدفعنا فيها شيء أساسي، وهو مصلحة شعبنا”. مذكراً صاحب النقد الجارح أنَّه كرئيس للوزراء يملك وفق الشرعية الثورية والوثيقة الدستورية حق العطاء، وأنَّ الآخرين أبناء هذا الشعب يستحقون ما يقدم من عطاء.

عموماً، أعتقد أنَّ الرسائل المشار إليها أعلاه حوت إشارات خفية لتغيير ما حدث أو يحدث الآن في منهج أداء السيد رئيس الوزراء، مرده الأساسي حالة الإحباط التي تسربت إلى عقول وقلوب القوى التي نادت أو على الأقل باركت اعتلاءه مقعد الرجل التنفيذي الأول في سودان ما بعد ثورة ديسمبر المجيدة نتيجة الأداء الباهت للسلطة المدنية، يضاف لحالة الإحباط هذه تقاصر أداء الشريك وعجز الحاضنة ونوايا القادمين الجدد إلى كابينة القيادة، فهل تتبلور هذه الإشارات لعلامة فارقة في مسيرة أداء الرجل، أم تظل مجرد وسادة تخفف اصطدام الأحلام بصلابة أرض الواقع؟! هذا ما ستجيب عنه قادمات الأيام.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *