‫الرئيسية‬ ثقافة الرواية السودانية في حقبة الدكتاتورية الإسلاموية .. كيف صُنعت وما موضوعها؟
ثقافة - 29 نوفمبر 2020

الرواية السودانية في حقبة الدكتاتورية الإسلاموية .. كيف صُنعت وما موضوعها؟

مغيرة حربيَّة

امتدت دكتاتورية الإسلامويين القاصمة، لثلاثة عقودٍ من الكبت والمصادرة والحرمان؛ ومع ذلك فقد تطوَّرت الرواية السودانية واستقبلت كُتَّاباً للمرة الأولى وعناوين حاولت أن تروي تاريخاً لما حدث: الحرب على تأسيس ديني وعرقي مُنتن، الإقصاء الاجتماعي واللَّوني، مصادرة التاريخاني واليومي معاً، مشروعات الانحطاط المُمنهجة، وليس أخيراً، تسطيح كل شيء.

ومع ذلك؛ انفجرت الكتابة الجمالية، شعرياً وروائياً، في وجه الطغاة المدججين بكل القبح، بما لم يحدث له مشابهاً في ديكتاتوريات سابقة.

ويبدو أنَّ وعياً جديداً مُقاوماً تزامن مع صعود ديكتاتورية الإسلامويين البائدة، انفجر إبداعياً من لحظة انقلاب الدولة الأولى على المجتمعات السودانية، لرفض مشروعها الحضاري الزائف؛ فما هي الموضوعات التي تناولتها الرواية السودانية في حقبة ديكتاتورية الإسلامويين المُجيَّشة، وماذا عالجت؟

 

يجيبني الروائي منصور الصويم: “أكاد أجزم أنَّ (فعل المقاومة) هو أحد الأسباب الرئيسية للانفجار الروائي الذي شهدته الكتابة السردية في السودان خلال حقبة التسعينيات وما يليها، كيف ذلك”؟ ويجيب موضحاً بناءً على تجربته في الكتابة الروائية والقصصية وتجربة أصدقاء مجايلين له: “أستطيع الادعاء بمعرفتي لدوافعهم، أو اختيارهم (السرد) منصة للابانة وتحديد المواقف”.

ويتداخل الناقد ناصر السيد النور ويرى أنَّه عادة ما تتصور النظم الاستبدادية امتلاكها المطلق للحقيقة، خاصة تلك التي ترتبط بأيديولوجيا ميتافزيقية تحاول تفسير الحقائق وفق ما تتصوره من صياغات غايتها التحكم بحرية الإنسان. يقول لـ (مداميك): “هذا ما حاولت ديكتاتورية الإسلاميين فرضه عبر مشروعها العدائي لإعادة صياغة الإنسان السوداني، وهذه الجرأة الفاشية في التفكير كشفت عن قصور واعتلال في أصل أيديولوجيتهم العمياء، وبالتالي عمن يفكرون نيابة عن الإنسان، أصحاب المشروع”. ويتابع: “ثمة ثوابت حاولوا تفكيكها وصبغها برؤية تعبر عن خطاب أحادي ترافق مع ما أحدثوه من شروخ تمثلَّت وتجلت في النسيج الاجتماعي ومكوناته الثقافية، بقدر ارتباطه بالفضاء الثقافي والجمالي والفني”.

ويواصل ناصر عن تحدي الرواية للمنهج التدميري للسلطة: “في خضم هذا المناخ الخانق؛ كانت الاستجابة السردية لتحدي منهج التدمير السلطوي بالتوغل عميقاً في محاولة فهم ما يجري تفسيراً على السرد الإبداعي، فخرجت الأعمال الروائية ضمن عوامل أخرى تجاوزت كل ما أنتجه تاريخ الكتاب في السودان منذ أيام السلطنة الزرقاء، محملاً برؤى ترصد تحولات الواقع ومن ثمَّ تستميت في مقاومة إبداعية ضد القهر الديني والتخلف والتعصب والإقصاء والرؤية الأحادية”.

ويعود الصويم صاحب (أشباح فرنساوي) عن مقاومة الكُتَّاب في التسعينيات القابضة: “في تلك الفترة المظلمة من عمر الدولة السودانية، لم يكن أمامنا كشباب من مناص سوى مقاومة النظام الفاشيستي الظلامي بكل جبروته وقدرته على السحل والترهيب، الخيارات كانت ضيقة، والفعل المعارض بشكله الحزبي التقليدي لم يكن خياراً مناسباً لنا، فكان لابد من ابتكار (طريق آخر) للمقاومة وإيصال صوتنا الرافض”.

ويرى ناصر السيد أنَّ السرد الروائي لا يكون ردَّ فعل مباشرٍاً تلزمه واقعية متكلسة في مواجهة خطاب الآخر، فإنَّه يظل محتفظاً بأدواته ومطوراً لتجربته في سياق إبداعي له شروطه والتي عادة ما تغفلها نظم الاستبداد الأيديولوجي. يقول: “منذ أن تساءل الروائي السوداني الأشهر الطيب صالح: من أين جاء هؤلاء؟ كان هذا السؤال أول إدانة صريحة من قبل روائي في حجمه على أفعال طغمة النظام ولازمه طوال فترته المتطاولة ووضعه في حرج بليغ”. ويري ناصر أنَّ الرواية السودانية صنعت سؤالاً كبيراً مثلما تصنع مشاهدها السردية، واتجهت إلى مسائلة الواقع والتاريخ والمجتمع بحثاً عن إجابة وليس تبريراً لما حدث”. يواصل: “استهدف النظام الإسلاموي بحروبه الدينية والعنصرية التكوين المتنوع لهوية سكانه وقيمه في التسامح والاعتدال، وسعيه نحو التحديث”.

ويكشف عن قدرة الرواية على الاختراق بكشفها الأعمق عن طبيعة الصراع في جذوره، إلا أنَّها اتخذت من خلال ثيماتها المتعددة موضوعات شكلت ملامح المشروع السردي السوداني الروائي وأضافت إليه في تضاد خطاب النظم الاستبدادي. ويتابع: “جاءت أعمال الروائيين السودانيين في عقد التسعينيات وبداية الألفية الثالثة – مرحلة صعود الرواية – متجلية في أعمال منصور الصويم في رواية (تخوم الرماد) التي قرأت الواقع المكاني قراءة استباقية تنبأت عبر حركة الشخوص الروائيَّة ومسار الأحداث بأحداث دارفور الدامية بُعيد سنوات قلائل من نشرها، فكانت أن استحقت أن تُوصف بالرواية النبوئية لرسمها لحدث لم يكن موجوداً وإن أشارت إليه علامات يصعب تفسيرها خارج بنية الخطاب الروائي، إضافة الى روايتيه اللتين رصدتا التحول المجتمعي المتمزق في رواية (ذاكرة شرير) ورواية (اشباح فرنساوي) وغيرها. وكذلك أعمال الروائي بركة ساكن، والتي واجهها النظام البائد بالحظر والمنع عبر أدوات الرقابة القمعية، مثل (الجنقو مسامير الأرض) و(مسيح دارفور)”.

ويخلص منصور الصويم إلى أنَّ الرواية في انفجارها العظيم هذا كانت وجهاً من وجوه المقاومة المستنيرة للقبح العام الذي ظلَّ يشكله حكم الإسلاميين البغيض. ويختم بالقول: “روايات مثل أعمال أحمد حمد الملك المبكرة (الفرقة الموسيقية) و(عصافير آخر أيام الخريف)، وأعمال عبدالعزيز بركة ساكن (الطواحين) و(رماد الماء)، وروايات بهنس وعبدالماجد عليش والحسن بكري ورانيا مأمون وغيرهم من روائيي تلك المرحلة، لا يمكنني قراءتها خارج هذا الإطار (المقاومة) وبلا شك أضيف إليها أعمالي (تخوم الرماد) و(ذاكرة شرير) و(أشباح فرنساوي)”.

ويرى ناصر أن المد السردي مستمر في التصاعد بما يتوافق والتعريف النقدي للرواية باعتبارها تاريخ المقموعين وهو ما مثَّلْ حيزاً مقدراً من الإنتاج السردي في هذه المرحلة نازعاً نحو فضاءات جديدة، ووثقت الروائية أميمة عبد الله في روايتها (ذاكرة مشلولة) لمذبحة أحداث معسكر العيلفون. يضيف مختتماً: “استقصاءً لجملة ما صدر من روايات خلال هذه المرحلة المظلمة يبين حجم المنجز الإبداعي الروائي وقدرته على الاستمرار، وكانت أعمال روائية لمحمد بدوي في رواية (باب الحياة)، ورواية (سبعة غرباء في المدنية) لمحمد عبد الملك ورواية (الرحيل الى المدن المستحيلة) لأبكر آدم إسماعيل وغيرها لم تكن أعمالاً تكتفي بالتحليل السردي نقلاً لواقع مأزوم، بل حاولت تحويله إلى واقع متسع في محيطه السردي والدلالي والإنساني”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *