‫الرئيسية‬ ثقافة في ذكرى رحيل شحرور .. إضاءةٌ أولى في مشروع إسلامي جديد
ثقافة - مقالات - 19 نوفمبر 2020

في ذكرى رحيل شحرور .. إضاءةٌ أولى في مشروع إسلامي جديد

الأصمعي باشري

تعد معركة التجديد في الفكر الإسلامي من أشرس معارك الفكر والدراسات في الوطن العربي, لحساسية السلطة الدينية بكافة أشكالها، وللمساس بامتيازاتها التاريخيِّة والسُّلطويَّة، وخوفها من ولوج التجديد من باب الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان, والارتقاء بالذات الإنسانيَّة، والعمل على وصولها لأهدافها المدنيَّة بالمعرفة، بالإضافة إلى الوصول لجذور تراثه الحضاري وتطويره وتحريكه من حالة الجمود والغفوة التي طال أمدها، وتلاقحها مع الفكر الإنساني ونظرياته المادية.

ربَّما يجهل الكثير من السودانيين – خاصة المشتغلون على مفهوم تجديد الفكر الديني – الدكتور محمد ديب شحرور،  الباحث السوري والمفكر في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أكبر المهمومين بنقد الفكر الأصولي وفقاً للمنهج العلمي والقراءات اللسانيَّة المتعددة. ولعل هناك العديد من قرائه هنا في السودان، دائماً ما يعقدون المقارنة بينه وبين الباحث في ذات المجال، الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، عرَّاب الفكر الجمهوري في السودان, بيد أنَّني لا أرى ثمة تشابه بين أبحاثهما أو منهجهما من خلاله قضايا الفكر الإسلامي المعاصر.

فإن كان ثمة تشابه ففي دراستهما الأكاديمية, إذ درس كلاهما مجال الهندسة المدنية، وإخلاصهما معاً لمشروعهما الفكري والبحثي, وأنا هنا لست بصدد إجراء المقارنة بينهما, ولكنني وددت التعريف بالدكتور شحرور ودراساته المهمة في التاريخ الاسلامي المعاصر، ومنهجه العلمي الذي اشتغل عليه .

ولد الدكتور محمد شحرور في العام 1938 بالعاصمة دمشق، تلقى تعليمه الأولي والثانوي بها، ثم التحق بجامعة موسكو لدراسة الهندسة المدنية، وعاد للعمل بالتدريس بجامعة دمشق قبل الالتحاق في بعثة دراسية لجامعة دبلن لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه, ولديه عدد من المؤلفات في مجال اختصاصه بالهندسة المدنية تؤخذ كمراجع مهمة في العديد من كليات الهندسة المدنية في العالم العربي، توفي قبل أيام بالعاصمة الإماراتية أبوظبي عن عمر ناهز الـ (82) عاماً، وآخر مواقفه الشجاعة، وقوفه جانب الحياد الصريح من مسألة الثورة السورية بوصمه لكلا الجانبين بأحادية التفكير في السلطة ممثلة في الفكر القومي البعثي والمعارضة الإسلامية المتشددة.

وكحال الكُتَّاب والباحثين العرب عقب هزيمة يونيو 1967، أو ما سمي في أدبيات السياسة العربية بالهزيمة والنكبة، أو النكسة، وتداعيتها على القضية الفلسطينية والأنظمة العربية المختلفة، وموقفها من دولة الكيان الصهيوني، تحولت اهتمامات وقراءات الدكتور محمد شحرور إلى حقل فكري مهم، هو دراسة القرآن الكريم وعلومه من زوايا مختلفة، ساعده في ذلك إلمامه بالمنطق الرياضي كأحد حقول المعرفة في الدراسات والبحوث. حيث أصدر أول كتاب، سلسلة له في العام 1990، بعنوان (دراسات إسلامية معاصرة)، وفي نفس العام أصدر كتابه الثاني (الكتاب والقرآن .. قراءة معاصرة)، امتلك من خلاله خيوط مشروعه الفكري النقدي, ثم تلاه في العام 1994 كتاب (الدولة والمجتمع).

وفي عام 1996 أصدر كتاب (الإسلام والإيمان .. منظومة القيم), وفي العام 2000 أصدر كتاب (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي), وفي العام 2006 أصدر أهم كتبه الذي قدمه منافحاً عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان في الإسلام بكتابه الموسوم بـ (تجفيف منابع الإرهاب), ثم صدر له تباعاً من العام 2011 وحتى 2016 كتب القصص القرآني (مجلدين)، ثم كتاب (الكتاب والقرآن .. رؤية جديدة)، ثم (الإسلام والسلطة)، وتلاها كتاب (السنة الرسولية والسنة النبوية .. قراءة معاصرة)، وكتاب (فقه المرأة .. نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي), ثم (أم الكتاب وتفصيلها .. قراءة معاصرة في الحاكمية الإنسانية), ذلك غير الدراسات والمقابلات الصحفية والإعلامية عالمياً وعربياً، والدعوات الجامعية والندوات .

اعتمد الدكتور شحرور في مشروعه الفكري على منهج اللسانيات الحديثة وأرضيته الصلبة من المعارف الإنسانية المعاصرة، مخترقاً بهما الأصول والثوابت في منظومة التراث الإسلامي، ناشداً التجديد الفعلي لتراث الأمة من أجل المواكبة والمسايرة مع قضايا العصر المتجددة والمعقدة, وهو منهج تناوله الكثير من المفكرين والباحثين, لكن قليلاً من نجح فيهم في تقديم مادة فكرية محترمة.

قسم الدكتور شحرور في معرض تناوله لقضايا فكرية مهمة التاريخ الإنساني إلى فترتين: ما قبل الرسالات، وما بعدما، واصلاً للحقيقة التاريخية العظمى بانتهاء التشريع الإلهي وبداية التشريع الإنساني بختام الرسالة المحمدية، حيث إنَّ الرسول مارس كلا التشريعين في زمانه بتوصيل الرسالة أولاً، ثم شرح مقتضيات التشريع الإلهي لأصحابه وأتباعه، مبيناً من خلال مجمل مشروعه الفكري عدم التباكي على عصر الرسالات الذي لا طائل منه سوى تعقيد اللحظة الراهنة وتأزيمها, متناولاً الأوليات والإيمانيات واللسانيات والمناهج الفكرية المتعددة، وأسس التشريع المعاصر، وإيجابية التفاعل الإنساني مع النصوص المنزلة .

كما تناول الدكتور شحرور ضمن دراساته المتعددة أسس التشريع المعاصر من وحي آيات النبوة التي تشرح قوانين الكون ونواميسه وأحداثه التاريخية وقصصه وأسئلتها النقدية والفلسفية, وتناول أيضاً آيات الناسخ والمنسوخ ومضمار الاجتهادات المتعددة حولها، بالإضافة لدور السلطة في تفسيرها لآيات التحليل والتحريم ونقده لمفهوم الحكامية، والإشارة إلى اجتهادات النبي نفسه بأنَّها مجرد اجتهادات بشرية بعيداً عن حساسية القداسة، والتي تحجب الكثير من المفاهيم والرؤى المراد وصولها والتعامل معها وفقاً للحاجة.

وفي اعتقادي؛ أنَّ مشروع شحرور يحتاج للمزيد من الإضاءات والقراءات لكونه مشروعاً مهماً في زماننا هذا، وينبغي إفراد المساحات لتناوله وتفكيكه, بقدر إضاءته هو وتفكيكه لمنظومة التراث الديني وتجديده وفقاً لمفهوميات معاصرة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *