‫الرئيسية‬ مقالات الرأسماليَّة الطُّفيليَّة وجدل الثروة والسُّلطة .. الأشياء تبدو ولا تكون
مقالات - 19 نوفمبر 2020

الرأسماليَّة الطُّفيليَّة وجدل الثروة والسُّلطة .. الأشياء تبدو ولا تكون

كثيراً ما يردد المُعلِّقون – بالذات أهل اليسار منهم – الحديث عن برنامج الرأسماليَّة الطُّفيليَّة وهيمنته على القرار الحكومي. في تقديري غير المعصوم؛ أنَّه لا توجد طبقةٌ رأسماليَّةٌ طفيليَّةٌ أو حتى رأسماليَّةٌ وطنيَّةٌ واعيَّةٌ بذاتها كطبقةٍ ولها برنامجٌ مُحدَّدٌ وخطةٌ منسقةٌ بين قادتها لإنفاذه عن طريق قنوات هيمنة معلومة لإنزاله.

كل شرائح الرأسماليَّة تفتقد الوعي الاستراتيجي، ولا يوجد تنسيقٌ بين ممثليها، ولا مؤسسات لها، ولا هي تُمارس نفوذاً حاسماً على القرار الاقتصادي أو السياسي. في تقديري؛ إنَّ السلطة الحقيقيَّة بعيدةٌ عن يد الرأسماليَّة لأنَّها تقبع في قبضة أهل السلاح، وفي يد بعض الأحزاب حتى في حال كونها خارج السلطة، وفي يد كبار بيروقراطية جهاز الدولة المدني.

جادل سمير أمين بأنَّ قانون الرأسماليَّة في الماركسيَّة التقليديَّة؛ يقول إنَّه في مجتمعات نمط الإنتاج الرأسمالي الناضج تكون الثروة هي مصدر السلطة السياسيَّة، أي إنَّ الشركات وأصحاب الثروات يملكون الساسة ويديرون العمليَّة السياسيَّة عن طريق ممثليهم من الأحزاب التي تأتمر بأمرهم. ولكن في مجتمعات ما قبل الرأسماليَّة الناضجة – كما هو الحال في السودان – لا ينطبق قانون الرأسماليَّة الكلاسيكي، وتنعكس المعادلة لتصير السلطة هي مصدر الثروة والمهيمن عليهـا.

أعتقد أنَّ سمير أمين أصاب في ما ذهب إليه بضرورة التمييز بين توازنات الاقتصاد السياسي لمجتمعات الرأسماليَّة المتقدمة، وأحوال ما قبل الرأسماليَّة أو الرأسماليَّة البُدائيَّة. وحالة الاقتصاد السياسي السوداني تدعم ما ذهب إليه سمير أمين، فمثلاً في فترة الإخوان أتى قومٌ من الشرائح الدنيا من البرجوازية الصغيرة و(ناس قريعتي راحت)، واستغلوا الدين حتى اعتلوا السلطة وأثروا ثراءً فاحشاً، وهمَّشوا الرأسماليين التقليديين وأذلوهم اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وسكنوا في قصورهم بعد انتزاعها منهم. أي إنَّ السلطة كانت هي مصدر الثروة، وليس العكس.

وقبل الإخوان؛ توزعت السلطة بين الجيش وحزبي الأمة والختمية، ولم تكن أبداً مع الرأسماليَّة كطبقة واعية بذاتها. ورغم أنَّ أقساماً من الرأسماليَّة تحالفت دائماً مع هذا الحزب أو ذاك؛ إلا أنَّ تحالفها كان شريكاً تابعاً هدفه حماية ماله والحصول على التسهيلات مقابل إتاوات يدفعها للأحزاب أو لأفراد، ولكن ظلَّت السلطة كاملةً في يد الأحزاب أو الجيش، وبعيدةً عن يد الرأسمالي.

أيضاً في عهد ما بعد البشير؛ نجد أنَّ السلطة تتوزع بين: أهل السلاح، الأجهزة الأمنية، وحلفائهم من بعض الأحزاب، وبعض وكلاء الخارج، ولا نصيب للرأسماليَّة السودانيَّة في القرار الوطني.

في مثل هذه الأوضاع؛ فإنَّ كائناً مثل الأستاذ سلك أو التعايشي يتمتع بتأثير على المصير الوطني في مستوياته السياسيَّة والاقتصاديَّة، لا يحلم به أسامة داؤود، ولا أنيس حجار، ولا النفيدي. وأيضاً؛ فإنَّ موظفاً ما (واصلاً) يملك التأثير على اقتصاد الدواء الترليوني لا يتوفر ربعه لرأسمالي عتيد ساهم هو وأسرته في توطين صناعة الدواء منذ أيام صبا الإمام عبد الرحمن. يترتب على هذا الحكي أنَّه على مستوى ما، فإنَّ الرأسماليَّة الوطنيَّة ليست هي الشيطان، وإنَّما هي ضحيَّةٌ من ضحايا فساد السلطة وغشامتها.

ولكن هذا التوازن لا يعني أنَّ الرأسماليَّة بريئة، فهي دائماً موجودةٌ حول مصنع القرار، وتحاول التأثير عليه بما يخدم مصالحها الطبقيَّة المشروعة أو الفاسدة أو يرجح أهدافها الوطنيَّة النبيلة، ولكن أبداً ليس كسيد مهيمن يملك العمليَّة السياسيَّة و(يصرف بركاوي) للقادة حين يشاء كما هو الحال في فرنسا وأمريكا وبريطانيا، وإنَّما كثري مذعور يحاول حماية ماله بالمنطق السليم والوطنية أحياناً وبالرشاوى والعلاقات العامة أحياناً أخرى.

إذن، فالقرار السياسي والاقتصادي في يد أهل السلطة لا في يد الرأسماليَّة. في مثل هذا الوضع؛ تستجيب الرأسماليَّة للإطار السياساتي الذي يضعه أهل السلطة بحساباتهم الخاصة عن علم أو جهل أو مصلحة. فلو كان هذا الإطار رشيداً سيسعى الرأسمال لتحقيق الأرباح من خلال أنشطة إنتاجية تفيده وتفيد المجتمع بتطوير قوى الإنتاج، وزيادة الدخل، وتوفير فرص العمل الكريم، وتعزيز العائد الضريبي.

أمَّا لو كان الإطار الذي يرسمه أهل السلطة مصاباً بالجرب الفكري والسياسي، فإنَّ أهل الرأسمال أيضاً يسعون لمراكمة الأرباح حتى لو كان ذلك عن طريق أنشطة طفيلية ضارة وغير منتجة، أو فساديَّة. ولكن في كل الأحوال؛ من المهم ملاحظة أنَّ الطبقة الرأسمالية لا تصنع الإطار السياساتي وإنَّما تستجيب له كتابع.

إذا كان أعلاه صحيحاً، يترتب عليه أنَّ المشكلة ليست في الرأسماليَّة الطُّفيليَّة أو المنتجة، وإنَّما في السلطة السياسيَّة وصناع القرار من البيروقراطيَّة العسكريَّة والمدنيَّة لجهاز الدولة وقادة الأحزاب الذين لفوا لفهم.

وهذا يعني أنَّ شيل حال الرأسماليَّة حتى لو كانت طفيليَّة فيه إعفاءٌ صريحٌ لصانعي الأزمات الحقيقيين من أهل البيروقراطيَّة المدنيَّة والعسكريَّة والحزبيَّة. وبما أنَّهم وجدوا في مجتمعات ما قبل الرأسماليَّة؛ فقد أدرك السادة المتصوفة الذين كشفت لهم الحجب أنَّ شهوة الرئاسة أعظم من شهوة المال وأشد خطراً. وقال أهل السودان: “سلطة للركب خير من مال للكتف”.

فا شنو؛ ما تقول لي الزول ده ضحى وتفرغ للسياسة!!

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *