‫الرئيسية‬ مقالات حسناً .. لا يكلف الشعب تحالفاً إلا وسعه
مقالات - 18 نوفمبر 2020

حسناً .. لا يكلف الشعب تحالفاً إلا وسعه

كم هو مؤسفٌ حقَّاً أن يكون ثمن التضحيات الجسام، والدماء الغالية، ما نعيشه الآن من خيباتٍ وانسداد أُفق، فلننظر كم أضعنا من عمر بلادنا الحديث بحثاً عن استقرار سياسي وتوافق وطني حول ثوابت أو رؤية موجهة للتعامل مع تحديات واقعٍ شديد التعقيد؟! كم دفع الشعب من أثمانٍ باهظةٍ بحثاً عن حياةٍ أفضل؟! وفي المقابل كم أضاعت نخبنا الفرصة تلو الأخرى إلى أن وصل بنا الحال إلى تجزئة ما ورثنا من تراب، وإنسان وموارد؟! كم أضعنا من فرصٍ كانت كفيلةً بإحداث تغييرٍ جذري في منظومة القيم البالية التي حكمت تاريخنا السياسي منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا؟!

استفهاماتٌ ليس المقصود منها جلد الذات أو الافتئات وتبخيس الناس نضالاتهم المشهودة، بقدر ما المقصود منها العبرة والاعتبار. المُحزن أنَّ ما يفوق الخمسة عقود من تاريخ ما بعد الاستقلال احتكرتها أنظمةٌ شموليةٌ عاثت فساداً وقمعاً وإهداراً للموارد والكرامة معاً، فيتبقى فقط ما يزيد قليلاً عن العقد الواحد لمُعالجة تركة سنوات القهر والقمع، أي في كل خمس سنوات من عمرنا الحديث، هنالك أربع سنوات قضيناها إمَّا مقهورين أو باحثين عن وسيلة لإزالة آلية القهر وتبعاته، فلا يتبقى لنا غير سنة واحدة من كل خمس سنوات نستجمع فيها أنفاسنا لنصيغ فيها تحالفاتنا السياسية، إمَّا ائتلافاً (بائساً) لحكم قصير، أو اصطفافاً (مأزوماً) لمقاومة شمولية أكثر فتكاً من سابقاتها، فما هي إلا بضعة شهور، فإذا بالقهر وما يتبعه من رزايا يعاود الكَرَّة استحكاماً في حاضر ومستقبل بلادنا. دورةٌ جهنميةٌ من إعادة إنتاج الفشل، بلا خبرات مُنتجة أو دروسٍ مستفادة.

فهل مع ذلك يستقيم عقلاً تجاوز هوة عمقها مسيرة ستة عقود من الإخفاق، فقط بنوايا طيبات ورغبة صادقة، دون عمل جاد أو إدراك واعٍ لحجم التحديات؟! وبلا حتى استعداد كافٍ لترتيب الأولويات؟! ثم نمضى لبناء تحالفٍ جديدٍ على أنقاض آخر دون الانتباه إلى أنَّ الحاجة التي تستدعي عقد التحالفات المُختلفة هي في جوهرها اعترافٌ ضمنيٌّ بعدم قدرة أي فصيلٍ منفردٍ أو حتى عدة فصائل محدودة من القوى الوطنية بإنجاز هذا التجاوز وبلوغ الغايات التي من أجلها نشأ هذا التحالف أو ذاك.

نظرةٌ خاطفةٌ على صفحات تاريخ تحالفاتنا المُتعددة تبرز قضايا عدة لم نولها ما تستحق من مدارسة بغية تجاوز السلبيات وتعظيم الإيجابيات، فلا غرو إذن إن أعدنا ذات الأخطاء، خذ مثلاً تحالف جبهة الهيئات والجبهة القومية للأحزاب في اكتوبر 64 الذي انهار بدعوى سيطرة اليسار عموماً، والحزب الشيوعي تحديداً، على مقاليد أمور التحالف، ليعود الحزب الشيوعي نفسه بعد أكثر من خمسة عقود شاكياً سيطرة بعض مكونات التحالف القائم الآن برؤاها المُفارقة لما اتفق عليه من عهود ومواثيق – وفقاً لرؤية الحزب – ليصبح التحالف الأضخم في تاريخنا السياسي على كف عفريت التمزيق، فهل من خبرة مستفادة؟!

ذات الشيء حدث مع تحالفات أخرى في مسيرة مناهضة لطغمة الثلاثين من يونيو، فقط يتم تبادل المقاعد بين الجاني والضحية، والنتيجة واحدة: انفراط عقد التحالف دون بلوغ غاياته .آن أوان التحلي بالمسؤولية الكاملة، وبالشجاعة والشفافية اللازمتين لتقديم نقد موضوعي يسلط الضوء على نقاط الضعف، بدءاً بالعقلية التي تستنكف النقد، والمُجافية لمطلوبات الترقي والتطور، القابعة في كهوف الاعتياد، والمُكبلة بقيود الصراعات الصغيرة الموغلة في الذاتية.

نحتاج أكثر من أي وقت مضى للتوافق على رؤية مبصرة وواقعية توازن ما بين المطلوب وقدرات الفاعلين وقيود الواقع، نحتاج أن نركز أكثر على ترتيب الأولويات من حيث الأهم فالمهم، فالأقل أهمية فيما يتصل بقضايا التحول الديمقراطي: الانتقال، فالترسيخ، ثم الاستدامة، أكثر من الغرق في تفاصيل وقضايا يمكن التعامل معها مستقبلاً حينما تتهيأ الظروف وتختلف موازين القوى، واضعين في الاعتبار أنَّ الواقعية والترفع عن الصراعات الصغيرة، وترتيب الأولويات، واعتبار تعقيدات الواقع ومكوناته لا يعني بأي حالٍ من الأحوال المُساومة حول مضمون الحرية والسلام والعدالة.

نحتاج أن نعمل وفقاً لـ (لا يكلف الشعب تحالفاً إلا وسعه)، فما هو وسع التحالف القائم الآن قبل ذهابه أدراج الخلاف؟! إنَّ المُقلق حقَّاً، أنَّ التحالف بوضعه الراهن أصبح قاب قوسين أو أدنى من بوابة الخروج من مُعادلة السلطة، فإن اكتمل ذلك، فهذا يعني أنَّ السلطة القائمة الآن ستعمل وظهرها مكشوفٌ للقوى المستفيدة من استدامة الشمولية والارتباطات الخارجية، فتفقد الثورة تبعاً لذلك حتى الحد الأدنى من مطلوباتها، وربَّما تتطور كيمياء البيئة السائدة الآن لما يقود لإعادة إنتاج الدائرة الجهنمية أو الحلقة المفرغة التي حكمت تطور مسارنا السياسي طيلة العقود الستة الماضية، فهل من عبرة أو اعتبار؟!

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *