‫الرئيسية‬ مقالات ضربة (إسرائيلوأمريكية) مزدوجة أربكت المشهد
مقالات - 29 أكتوبر 2020

ضربة (إسرائيلوأمريكية) مزدوجة أربكت المشهد

حاتم الكناني

لا يمكن قراءة قرار الإدارة الأمريكية برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقروناً مع قرار التطبيع مع إسرائيل؛ بمعزلٍ عن طبيعة الصراع الأيديولوجي العالمي، رغم اختفاء الثنائية القطبية بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية ظاهرياً. فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالطبع، يعدُّ القرار انتصاراً باتجاه إزاحة الأحزاب اليسارية وذات التوجهات القومية، التي يمثلها في السودان قوى الإجماع الوطني بصورته الحالية (الشيوعي – البعث).

إضافة إلى هذه الضربة المزدوجة، فإن الحيثيات التي تلت القرار وحالة الارتباك التي اعترت المكون المدني لحكومة الفترة الانتقالية بالسودان وحاضنته (قوى الحرية والتغيير)، تُظهِرُ بجلاء أن القرار وضع سياسة السودان الداخلية والخارجية في مسار يصعب الفكاك منه، ويتناقض أيضاً مع توجهات الحكومة المدنية المُعلَنة بالحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع المحاور، بما يضمن مصلحة البلاد.

تبدو نهاية المسار على المدى البعيد واضحة: دولة في أوضح صورة لها، رأسمالية، متوحشة، ديكتاتورية، تتدثر بتحول ديمقراطي غير شفاف، وعرضة لأن تكون مركزاً استخبارياً؛ أما على المدى القريب فستتواصل سياسة الابتزاز الإمبريالي الناجعة!

جاء تبرير وزير العدل أقرب للبيان السياسي أكثر من أن يكون فتوى دستورية، وهو مؤشر إلى انحياز الجانب المدني نفسه لذلك المسار، انحيازاً موارباً يشوبه الخجل أحياناً، وأحياناً أخرى بالتعبير السوداني تشوبه (قوة العين)!

توقيت القرار نفسه لم يكن مصادفةً. وليس سراً الاختناق المعيشي الذي يعانيه المواطن السوداني، الذي يأمل منذ سقوط النظام المباد في حياة كريمة، تزيح عنه رهق الثلاثين العجاف التي قضت على أحلام وتطلعات أجيال من السودانيين.

ثلاثة مليارات دولار منحة سعودية إماراتية، أُعلن عنها بعد سقوط النظام مباشرة، وصل خزانة البنك المركزي السوداني منها 500 مليون دولار؛ يقال – بحسب ما رشح عن ملتقى أصدقاء السودان الأول الذي اكتسب صفة رسمية بعد سقوط نظام الثلاثين من يونيو – إن الولايات المتحدة الأمريكية، أرسلت رسالة شديدة اللهجة للدولتين العربيتين لإعلانهما دعم السودان الذي يبدو أنها اعتبرته طائلاً.

وبإعادة البصر كرة أخرى إلى تسريبات الملتقى تنجلي سياسة الخنق الاقتصادية التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان، وهي سياسة لا تختلف كثيراً عن سياستها مع نظام البشير.

بعد القرار المزدوج، ستمخر بواخر القمح والمحروقات باتجاه ميناء بورتسودان، وسيتحقق استقرار معيشي مرهون باتباع سياسة اقتصادية ودولية منحازة إلى محور أمريكا، إسرائيل، السعودية، الإمارات.

حقق القرار “حاضنة دولية” لعسكريي السيادي بطبيعة الحال، طال سعيهم إليها بعد فقدان الأمل في الحاضنة الشعبية.

لن يستطيع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تطبيق سياسته الاقتصادية حين أعلن أنها ستكون خليطاً من سياسات اقتصادية مقتبسة من أنظمة مختلفة، فالطريق الآن معبدٌ لدولة (عسكرومدنية) غير متسقة مع مسار التحول الديمقراطي، ولن يستطيع أيضاً الوصول إلى رأسمالية مرشدة، فهي وهْمٌ تضرب جذورُه النظريّةُ في عدم الوعي بحتميّة الأزمة على الأسس الرأسماليّة – بحسب تعبير المفكر الاقتصادي سمير أمين.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال