‫الرئيسية‬ ثقافة هل ندير المواهب أم نطلق العنان للإبداع؟: (من إدارة القدرات إلى صناعة البيئة التي تُخرج أفضل ما في الإنسان) (2)
ثقافة - مقالات - 2 سبتمبر 2026, 18:25

هل ندير المواهب أم نطلق العنان للإبداع؟: (من إدارة القدرات إلى صناعة البيئة التي تُخرج أفضل ما في الإنسان) (2)

أ.د. عاصم التجاني شمعون
ربما تكون النقلة الأهم في التفكير الإداري هي ألا تسأل المنظمة فقط: كيف ندير الموهبة؟. بل أن تسأل: ما البيئة التي تجعل الموهبة تزدهر؟ وهذه البيئة تحتاج إلى عدة عناصر بسيطة لكنها عميقة:
– قيادة تسمع قبل أن تحكم.
– مدير لا يخاف من موظف أكثر معرفة منه.
– مساحة حقيقية لتقديم الأفكار.
– تجريب صغير قبل اتخاذ قرارات كبيرة.
– قبول للفشل المسؤول والتعلم منه.
– تعاون بين التخصصات بدلاً من الجزر التنظيمية.
– مكافأة على المبادرة، لا على الالتزام الأعمى فقط.
– فرص مستمرة للتعلم وإعادة التعلم.
– عدالة في الوصول إلى فرص التطوير والترقي.
ربط الإبداع بمشكلة حقيقية، لا بتحويله إلى شعار مؤسسي.
هذه العناصر لا تلغي إدارة المواهب، بل تجعلها أكثر إنسانية وأكثر فاعلية.
ويلعب القادة دوراً محورياً في خلق هذه البيئة. فالقادة الذين يمارسون القيادة الخادمة، ويستمعون قبل أن يحكموا، ويشجعون المخاطرة الإيجابية، ويكافئون المبادرين، هم من يستطيعون تحويل ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة. والقادة الذين يعترفون بأخطائهم، ويتعلمون منها، ويشجعون الآخرين على فعل ذلك، هم من يبنون السلامة النفسية في فرقهم. والقادة الذين يمنحون الموظفين مساحة للتجريب، ويحمونهم من عواقب الفشل المسؤول، هم من يطلقون العنان للإبداع. فالقيادة، في النهاية، ليست مجرد توجيه وتعليمات، بل هي نمذجة للسلوك، وخلق لبيئة يشعر فيها الجميع بالأمان للمبادرة والتجريب.
وهنا نصل إلى التحول الأكبر الذي يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتسارعة. لم تعد قيمة الموظف مرتبطة فقط بما يعرفه اليوم، بل بقدرته على تعلم ما يحتاجه غداً. يشير تقرير مستقبل الوظائف 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل يُتوقع أن تتغير بحلول عام 2030، كما يضع التفكير التحليلي والتفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التكيف والفضول والتعلم مدى الحياة ضمن المهارات المهمة للمستقبل.
وهذا يعني أن المنظمة التي تبني خطتها للمواهب على مهارات اليوم فقط قد تجد نفسها بعد سنوات تدير مواهب ممتازة في عالم لم يعد موجوداً. لذلك أصبحت قابلية التعلم وإعادة التعلم جزءاً أساسياً من قيمة الموهبة. وقد أظهر التقرير نفسه أن 85% من أصحاب العمل الذين شملهم المسح يخططون لإعطاء الأولوية لرفع مهارات العاملين وإعادة تأهيلهم، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
المنظمة التي تطلق الإبداع لا تتخلى عن الإدارة، لكن يجب ألا نقع في الطرف الآخر. ليس المطلوب أن نتخلى عن إدارة المواهب ونترك الجميع يفعل ما يشاء باسم الإبداع. المنظمة تحتاج إلى استراتيجية، وتحتاج إلى أهداف، وتحتاج إلى موارد، وتحتاج إلى تقييم ومساءلة. لكن الفرق يكمن في طريقة استخدام هذه الأدوات. يمكن أن تكون الأهداف بوصلة، لا قفصاً. ويمكن أن تكون مؤشرات الأداء وسيلة للتعلم، لا أداة لخنق المبادرة. ويمكن أن يكون المسار الوظيفي نقطة انطلاق، لا نهاية مغلقة. ويمكن أن تكون القيادة حارسة للاتجاه، لا مراقباً لكل خطوة. السؤال الحقيقي لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل ندير المواهب أم نطلق العنان للإبداع؟ بل: كيف ندير المواهب بطريقة تطلق العنان للإبداع؟ هذه هي المعادلة التي تحتاجها المنظمة الحديثة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نقيس الإبداع؟ فالإبداع، بطبيعته، يصعب قياسه بالأدوات التقليدية. لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن قياسه. فالمنظمات التي تنجح في قياس الإبداع تستخدم مؤشرات متعددة، مثل: عدد الأفكار الجديدة المقدمة، ونسبة الأفكار التي تم تنفيذها، وتأثير الابتكارات على الأداء المالي والخدمي، وتقييم الأقران للإبداع، ورضا العملاء عن المنتجات والخدمات الجديدة. والهدف ليس قياس الإبداع بشكل دقيق، بل توجيه الانتباه إليه، وجعله جزءاً من ثقافة المنظمة، وتحفيز الموظفين على التفكير الإبداعي، مع الحفاظ على التوازن بين قياس الكم والحفاظ على جودة الإبداع.
فإدارة المواهب تحدد أين يمكن أن توجد الطاقة البشرية وكيف يمكن تطويرها، بينما الثقافة التنظيمية تحدد ما إذا كانت هذه الطاقة ستبقى محبوسة أم ستتحول إلى قيمة. والمنظمة الأكثر ذكاءً ليست التي تعرف كل مواهبها، بل التي تخلق الظروف لاكتشاف مواهب جديدة باستمرار. وليست التي تمنع الأخطاء، بل التي تمنع الأخطاء القابلة للتجنب، وتتعلم بسرعة من أخطاء التجربة. وليست التي تحتفظ بموظفيها الموهوبين فقط، بل التي تجعلهم يريدون البقاء لأنهم يشعرون أن لديهم مساحة للنمو والتأثير وصناعة شيء جديد.
الموهبة ليست موظفاً نضع اسمه في قائمة المتميزين، ثم نرسله إلى دورة تدريبية وننتظر منه أن يبتكر. الموهبة طاقة. والطاقة تحتاج إلى اتجاه، لكنها تحتاج أيضاً إلى مساحة. ولهذا فإن مستقبل إدارة الموارد البشرية لن يكون في الاختيار بين إدارة المواهب والإبداع، وإنما في بناء جسر بينهما: نكتشف الموهبة، نطورها، نحميها، ثم نمنحها مساحة لتتجاوز ما نعرفه.
في زمن تتغير فيه التكنولوجيا والوظائف والمهارات بسرعة، لن تكون المنظمة الأقوى هي التي تعرف كل الإجابات، بل التي تملك القدرة على طرح أسئلة جديدة، وتجربة حلول جديدة، والتعلم بسرعة، وإعادة التعلم قبل أن يفرض عليها الواقع ذلك. فالهدف النهائي لإدارة المواهب ليس أن تجعل الموظف الموهوب يؤدي أفضل ما تستطيع المنظمة أن تتخيله، بل أن تساعده على اكتشاف ما لم تتخيله المنظمة بعد. وهنا تحديداً يبدأ الإبداع.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *