‫الرئيسية‬ أخبار بوابات العبور في دارفور.. رسوم وابتزاز ومخاطر تلاحق المسافرين
أخبار - تقارير - 1 سبتمبر 2026, 8:09

بوابات العبور في دارفور.. رسوم وابتزاز ومخاطر تلاحق المسافرين

تقرير: عيسى دفع الله
تحرك صلاح الدين مصطفى، 46 عاماً، برفقة زوجته رقية إبراهيم، 35 عاماً، وأطفالهما الأربعة عامر، 10 أعوام، وسلمى، 8 أعوام، وسهى، 6 أعوام، وعصام، عامان، من مدينة زالنجي، بعد أن ضاقت بهم الأحوال منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.

قرر صلاح الدين مغادرة مدينة زالنجي، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، حيث كان يعمل في التجارة، إذ كان يجلب البضائع من نيالا، وأحياناً من مدينة أدري في تشاد. لكن انتشار البوابات الأمنية، التي تتبع بعضها لقوات الدعم السريع وأخرى لمجموعات مسلحة متحركة تقاتل إلى جانبها، وفرض رسوم غير ثابتة، جعل نشاطه التجاري أكثر صعوبة.

ويقول مصطفى لـ(صحيفة مداميك) إن الرسوم تبدأ أحياناً من 30 ألف جنيه سوداني في البوابات الرسمية، وتصل إلى مليون جنيه أو أكثر في البوابات غير الرسمية، إلى جانب مبالغ تدفع لأفراد الطوف الذين يصطحبون العربة.
ويضيف أن هذه الرسوم، عند إضافتها إلى تكلفة البضائع، تجعل أسعارها مرتفعة جداً بالنسبة للمواطن، خاصة مع وجود تجار مرتبطين بقوات الدعم السريع يبيعون بأسعار أقل، مستفيدين من عدم فرض الرسوم ذاتها عليهم، بحسب قوله.

ويقول مصطفى إن ذلك أدى إلى إخراج عدد من التجار من السوق، من خلال الضغط عليهم ودفعهم إلى تحمل الإتاوات والرسوم غير الرسمية، فضلاً عن التضييق عليهم.

ثلاثة طرق إلى الخرطوم

في بداية أغسطس 2026، قرر مصطفى التوجه إلى الخرطوم، التي رأى أن فرص العمل فيها أفضل، خصوصاً مع ما وصفه بحالة إعادة إعمار تشهدها المدينة.

كان أمامه ثلاثة خيارات السفر عبر تشاد والوصول إلى أنجمينا، ثم العودة بالطائرة إلى بورتسودان، وهو خيار مكلف اقتصادياً لكنه أكثر أماناً أو السفر عبر جنوب السودان، أو المخاطرة بالطريق الشرقي، مروراً بشرق دارفور وشمال كردفان والدبة في الولاية الشمالية، وهو الطريق الأقل تكلفة، لكنه الأكثر خطورة.

اختار مصطفى وعائلته طريق الدبة. استقلوا عربة من زالنجي بوسط دارفور إلى نيالا بجنوب دارفور، ومنها إلى الضعين بشرق دارفور.

ويقول مصطفى إن تكلفة الترحيل تضاعفت أكثر من عشرة أضعاف مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، بسبب الزيادة الكبيرة في عدد البوابات الأمنية، التي تفرض رسوم جباية يقول إنها “أشبه بالابتزاز”.

ويضيف أن هذه الرسوم تزيد من تكلفة نقل المواطنين، لأن أصحاب سيارات الأجرة يضيفون قيمة ما يدفعونه عند البوابات إلى أسعار التذاكر. ففي البوابات الرسمية تدفع العربة ما بين 10 آلاف و30 ألف جنيه سوداني، بينما تتضاعف القيمة في البوابات العشوائية بحسب قوله وفقاً لمزاج من ينصبونها وهوية الركاب.

ويقول إن بعض الركاب، خصوصاً القادمين من مناطق أو قبائل معينة، قد يتعرضون لمبالغ أعلى، وأحياناً للاحتجاز كرهائن، ولا يطلق سراحهم إلا بعد دفع فدية.

أكثر من 17 بوابة خلال الطريق

يقول مصطفى إنه في 12 أغسطس 2026 وصل إلى منطقة أم بادر في شمال كردفان، بعد رحلة استمرت يومين من الضعين.
كان برفقته خمسة شباب صغار السن، اثنان منهم من نيالا وثلاثة من نازحي الفاشر، وكان أكبرهم لا يتجاوز 17 عاماً، وجميعهم قصر، بحسب روايته.

وفي الطريق من شرق دارفور، عبر الطريق الخلوي الذي يتجنب المناطق والقرى المجاورة بسبب كثرة البوابات، أوقفوا في أكثر من 17 بوابة، معظمها، بحسب مصطفى، تابعة لمجموعات تستخدم الدراجات النارية، وأخرى لسيارات قتالية قال إنها تتبع لقوات الدعم السريع.

ويقول إن سائق السيارة كان يدفع نحو 50 ألف جنيه عند بعض البوابات، لكن أفرادها يدخلون معه في جدال بحجة أن المبلغ قليل، ويستمر التفاوض أحياناً لأكثر من ساعتين.

ويضيف أن أفراد البوابات كانوا يطالبون في بعض الحالات كل راكب بدفع مليون جنيه، قبل أن يبدأ التفاوض حتى يصل المبلغ إلى 100 ألف جنيه، ثم يسمحون لهم بالمرور.

لكن، بحسب مصطفى، ما إن يقطعوا نحو عشرة كيلومترات حتى تظهر مجموعة أخرى وتنصب بوابة جديدة، ويبدأ السيناريو ذاته تفاوض، ودفع، وتفتيش، وإساءات.

ويقول: “يجري إهانة، وكأن من يستقلون العربة ليسوا سودانيين”.
ويرى مصطفى أن الحرب أحدثت شرخاً اجتماعياً عميقاً بين السودانيين، يصعب رتقه في وقت قريب.

الاحتجاز في أم بادر

يقول مصطفى إنهم وصلوا إلى أم بادر ليلاً، وكانوا يحاولون تجنب دخول المنطقة، لكن دورية اعترضت طريقهم وأجبرتهم على الدخول.

وفي صباح اليوم التالي، اقتادتهم القوة إلى مكتب قالت إنه “مكتب الاستخبارات العسكرية”، حيث بدأت عملية التحري والاستجواب حول القبيلة ومكان السكن والمهنة وغيرها من المعلومات.

ويقول مصطفى إنه اتهم بالذهاب إلى شمال السودان للالتحاق بالقوات المشتركة، كما اتهم الشباب الخمسة، الذين كانوا برفقته، بالهدف ذاته.

وبحسب روايته، أوضح الشباب أنهم ذاهبون للعمل في التعدين بولاية نهر النيل، وليس لهم أي علاقة بالعمل العسكري.

وبعد احتجاز الشباب لمدة يومين، جرى التفاوض معهم، وطلب من كل واحد منهم الاتصال بأسرته ودفع مليوني جنيه عبر تطبيق (بنكك).

ويقول مصطفى إنه بعد التفاوض مع أسرته، دفع أربعة ملايين جنيه، أرسلها له ابن عمه المقيم في الخرطوم، مضيفاً أنه حذف تطبيق (بنكك) من هاتفه خوفاً من تحويل أمواله إذا عثر أفراد القوة على حسابه.

كما خضع، بحسب قوله، لتفتيش دقيق لهاتفه، والتحقق من الصور الموجودة فيه.

ويضيف أن اثنين من الشباب دفع كل منهما مليوني جنيه، بينما لم يجد الثلاثة الآخرون من يرسل لهم المال، فتركوا في مكان احتجازهم، بينما واصل مصطفى وأسرته طريقهم إلى الدبة.

ويقول مصطفى إن الرحلة كانت مليئة بالخوف والموت والذل والإهانة، مضيفًا: “لولا لطف الله لما وصلنا سالمين”.

بوابات تنصب في الطرق

وقال مصطفى إن أفراد المجموعات المسلحة ينصبون البوابات بطرق بدائية، من بينها وضع إطار سيارة على الطريق، أو جذع شجرة، أو حبل يربط بين شجرتين.
ويقول إن تجاوز هذه الحواجز من دون التوقف قد يعرض المسافر لإطلاق النار.

طريق جنوب السودان

أما علاء الدين جبريل، 21 عاماً، الطالب بكلية القانون في جامعة النيلين، فاختار طريق جنوب السودان للعودة إلى الخرطوم، بعد ثلاث سنوات قضاها في دارفور متنقلاً مع أسرته بين القرى والفرقان بسبب الحرب والنزوح.

وعندما أعيد فتح الجامعة، قرر العودة إلى الخرطوم، فتحرك من نيالا مطلع يونيو الماضي إلى الضعين، ومنها إلى معبر الرقيبات الحدودي مع جنوب السودان، الواقع في محلية أبو مطارق بشرق دارفور.

ويقول علاء الدين لـ(صحيفة مداميك) إنه أوقف مرتين في الطريق، الأولى في أبو مطارق، حيث دفع نحو 300 ألف جنيه قبل أن يسمح له بالمرور، ثم دفع 200 ألف جنيه أخرى عند المعبر للدخول إلى جنوب السودان.

ويضيف أن السلطات في جنوب السودان فرضت عليه رسوماً إضافية، رغم اختياره هذا الطريق لتجنب المخاطر الموجودة على الطريق الممتد من دارفور إلى الخرطوم.

ويقول علاء الدين إن تكلفة الرحلة تضاعفت بعد إجباره على دفع 120 ألف جنيه عند أحد المعابر في جنوب السودان، ثم دفع مبالغ مالية في أكثر من ثلاث بوابات أثناء طريقه من الرقيبات إلى أويل، التي استقل منها طائرة إلى جوبا، قبل أن يعود إلى بورتسودان.

ويؤكد أن المدنيين يتحملون الجزء الأكبر من تداعيات الحرب وتكاليفها، مضيفاً أن عدداً من أصدقائه لم يتمكنوا من الوصول إلى الجامعة، لأنهم معتقلون في سجن دقريس، بتهمة الذهاب إلى الخرطوم لمعاونة الجيش في الحرب، بينما هم، بحسب قوله، مجرد طلاب لا علاقة لهم بالحرب.

ويقول علاء الدين إنه، رغم التكلفة المرتفعة للسفر عبر جنوب السودان، فإنه لو لم يسلك هذا الطريق لكان، على حد قوله، يقبع حالياً في السجن مثل أصدقائه الذين ألقي القبض عليهم في مناطق مختلفة من شمال كردفان.

ويؤكد أن قوات الدعم السريع، بحسب تجربته، تتعامل مع كل من يحاول الذهاب إلى الخرطوم أو مدن شمال ووسط السودان باعتباره أحد عناصر الجيش.

طريق تشاد وليبيا

أما عبدالرحمن حسين، 36 عاماً، فاختار الخروج عبر معبر أدري برفقة عروسته ميمونة محمد موسى، وكانت وجهتهما النهائية ليبيا.

ويقول عبدالرحمن لـ(صحيفة مداميك) إن قوات الدعم السريع أغلقت المنظمة التي كان يعمل فيها في الضعين، ورفضت تجديد ترخيصها، كما فرضت عليها مطالب وصفها بالتعجيزية، ما أجبر المنظمة على تسريح موظفيها ومغادرة الضعين.

غادر عبدالرحمن إلى نيالا، ومنها إلى الجنينة في غرب دارفور، مروراً بمعبر أدري.
ويصف عبدالرحمن الطريق بأنه “مليء بالجبايات”، رغم أن الطريق غرباً، بحسب قوله، أفضل حالاً من الاتجاه شرقاً.

ويؤكد أن حرية الحركة في دارفور باتت مقيدة إلى حد كبير بأمزجة الجنود، وأن المسافرين يواجهون صعوبات متكررة، داعياً قوات الدعم السريع، باعتبارها القوة المسيطرة على الأرض، إلى ضبط أفرادها ومنع التضييق على حركة المدنيين بين المدن.

ويقول إن من طبائع البشر الترحال وشق الديار لقضاء حوائجهم.

ويضيف عبدالرحمن أنه توجه إلى أبشي، ومنها إلى الطينة التشادية، وتمكن من الوصول إلى سبها جنوب ليبيا بعد رحلة شاقة استمرت أسبوعين.

ويؤكد أن وضع البوابات في تشاد وليبيا يشبه، بحسب وصفه، ما يحدث في دارفور، إذ يطلب من المسافرين دفع مبالغ مالية للجنود، وأحياناً يتولى سائق العربة الدفع، بينما تفرض في أحيان أخرى قيمة محددة على كل راكب.

حرية الحركة

وقال الباحث الحقوقي عبدالعظيم عمر لـ(صحيفة مداميك) أن حرية التنقل واختيار مكان الإقامة تعد من الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، إذ تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل فرد يوجد بصورة قانونية داخل إقليم دولة ما في حرية التنقل واختيار مكان إقامته، كما تكفل له الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.

وقال عمر لا يجوز تقييد هذه الحقوق إلا في حالات محددة ينص عليها القانون وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو حقوق وحريات الآخرين، وبما يتوافق مع بقية الحقوق المعترف بها في العهد.

وقال عمر إن فرض قيود تعسفية على حركة المدنيين، أو ابتزازهم ماليًا عند نقاط العبور، أو احتجازهم دون أساس قانوني، أو التمييز ضدهم بسبب انتمائهم القبلي أو المناطقي، قد يشكل انتهاكًا للحق في حرية الحركة، متى لم يستند إلى قيود قانونية مشروعة وضرورية ومتناسبة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *