
جحيم النزوح.. كيف غيرت الحرب ملامح البيت السوداني
تقرير: رندا علي
داخل شقة صغيرة في إحدى دول الجوار، رتبت سارة أغراضها استعداداً للبقاء فيها طويلاً، رغم إدراكها الباطني بأنه ليس بيتها الحقيقي. ويعيش آلاف السودانيين اليوم مثلها داخل مساكن تشبه البيوت شكلاً لا إحساساً، سواء في خيم وغرف النزوح أو شقق اللجوء المؤقتة. لقد صار البيت مجرد مساحة لأداء وظيفة السكن الأساسية، متجرداً من شعور الانتماء والاستقرار الدافئ الذي عهدوه طوال حياتهم، بينما تقف رحلة العودة ذاتها عاجزة عن استعادة المعاني القديمة بعد أن عبثت الحرب بالجدران والأرواح، ليبرز السؤال الأقسى حول ما حل بمعنى الاستقرار في وجدان السودانيين بعد مغادرتهم القصيرة أو الطويلة لبيوتهم الأولى التي خلفتها آتون الحرب المدمرة.
فقدان المعنى الحقيقي
يعيش آلاف السودانيين اليوم مثل سارة، داخل بيوت تشبه البيوت في شكلها الخارجي، لكنها لا تشبهها في الإحساس الداخلي أبداً. تتعدد الأشكال بين غرف في مدن النزوح، شقق ضيقة في بلدان اللجوء، ومنازل أقارب فرضتها ظروف الحرب القاهرة. لقد أصبح البيت الذي تركوه خلفهم مجرد ذكرى بعيدة، أو مكاناً مهدماً، أو عنواناً تائهاً لا يعرفون متى يرتادونه مجدداً. فلم يعد البيت ذلك المقر الثابت الذي يبدأ منه الإنسان رحلة يومه ويعود إليه محملًا بالأمان والدفء، بل تحول بفعل قسوة النزوح والشتات إلى مجرد مساحة جافة ومؤقتة للسكن الخالي من الأرواح.
عودة بلا استعادة
ثمة سيدة أخرى اكتشفت حين تمكنت من العودة إلى بيتها بعد غياب طويل، أن العودة نفسها لا تعني بالضرورة استعادة البيت القديم. وقفت مذهولة أمام الباب الذي عرفته لسنوات طويلة، وتأملت الغرف التي كانت يوماً جزءاً نبيضاً من حياتها اليومية. كان المكان مادياً موجوداً، أو ما تبقى من رماده، لكن شيئاً عميقاً وجوهرياً قد انكسر وتغير للأبد. فقد أخذت الحرب معها جزءاً أصيلاً من المعنى الحميم الذي كانت تحمله تلك الجدران العتيقة، وربما فاقم هذا الشعور المؤلم غياب الجيران والأحباب الذين افتقدت تداخلهم الدافئ وأصواتهم المألوفة وسط استمرار دوامة النزوح الجماعي والتهجير القسري المرير في كافة أرجاء البلاد.
أسئلة الوجود الجديدة
ولكل تلك التحولات القاسية والموجعة، ربما لم يعد السؤال الملح والمؤرق مقتصراً فقط على أين يعيش السودانيون الآن في ظل هذه الظروف؟ بل تجاوز ذلك بكثير ليطرح تساؤلاً أعمق وأكثر إيلاماً حول ما حدث لمعنى البيت الحقيقي في نفوسهم وقلوبهم بعد أن أجبروا على مغادرته قسراً. إن تجربة الفقد والتشرد لم تقتصر على خسارة الجدران والأثاث والمقتنيات المادية، بل امتدت لتطال البنية النفسية والاجتماعية للإنسان السوداني الذي بات يعيد تعريف مفاهيم الاستقرار والانتماء والأمان في ظل واقع معقد ومؤلم تفرض تفاصيله القاسية على جميع الفئات العمرية والاجتماعية بلا استثناء، مما يجعل البحث عن إجابات واضحة رحلة طويلة ومضنية نحو استعادة الذات الضائعة وسط الركام.
محل ما تمسي ترسى
شكل البيت بالنسبة للشاب أحمد عاطف طوال حياته قبل الحرب الملاذ الآمن في نهاية كل يوم شاق، ونقطة الانطلاق الثابتة. ويؤكد في حديثه لـ”مداميك” أن ارتباطه الحالي بالبيت لم يعد وثيقاً كما كان، بل أصبح حاجة ثانوية خارج خطط حياته تماماً، والعودة إليه تقع في آخر اهتمامته. وفصل في الأمر موضحاً أنه عانى كثيراً في البداية من افتقاده بسبب عدم صلاحيته للعيش جراء الخراب والنهب، لكنه حالياً تأقلم مع الواقع وشعاره (محل ما ترسى)، وأنه يفتقد فقط لمة الأسرة ودفئها. وأوضح أن المنزل موجود مادياً، لكن ابتعاد الأهل نحو مصر وسفره للإقامة مع عمته وأبنائها جعلا تعريف البيت لديه يقتصر على كونه مجرد مأوى للنوم.
صدمة البدايات الجديدة
كانت منال متزوجة حديثاً حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، وكأي أسرة تبني حياتها، كان الاستقرار في منزل خاص هو الحلم الأجمل. لكن الحرب قلبت كل الموازين، فاضطرت للانتقال إلى أسرتها بأم درمان ثم اللجوء إلى كينيا وسط ضغوط نفسية بالغة. وتقول إن شقتها السابقة بالخرطوم كانت تمثل بداية حياتها، ورغم تأكيدها على العودة عند توفر الأمان، إلا أنها لا تتوقع استعادة ذات الإحساس القديم بالطمأنينة. وتضيف أن شبح الخوف يلاحقها حتى في الغربة، حيث يعيدها أي صوت مرتفع إلى أجواء القصف، كما أن شعورها بأن شقة اللجوء ليست بيتها الحقيقي يكرس حقيقة تحول السكن إلى مجرد مكان ستر ومؤقت بعيداً عن الذاكرة الدافئة.
مخيمات اللجوء القاسية
وفي محطات النزوح الأقسى، تجاوز الحرمان من الاستقرار منعطفات بالغة الخطورة، حيث يروي اللاجئ بمعسكر كرياندونغو بأوغندا، عبدالمنعم سليمان، كيف تمزق النسيج الاجتماعي وغاب الترابط حتى على مستوى الوجبات البسيطة. وأشار إلى أن التواجد اليومي للأسرة أصبح متعذراً وسط تباعد الثقافات واللغات وضغوط اقتصادية خانقة وغياب فرص العمل والاعتماد على معونات هزيلة. ووسط هذه الظروف المأساوية، ظهرت ممارسات غير مألوفة، مثل لجوء بعض الأسر للتخلي عن أطفالها للمنظمات، أو دفع الضغوط الاقتصادية ببعض الشباب نحو تغيير ديانتهم بحثاً عن الدعم الكنسي أو فرص إعادة التوطين في الخارج، مما أدى إلى تشتت أفراد الأسرة الواحدة في أصقاع الأرض وضياع معالم التربية والتوجيه.
ضياع الملامح الاجتماعية
لم تقتصر تأثيرات الحرب المدمرة على الجانب الاقتصادي والنفسي فحسب، بل امتدت لتضرب في عمق الهوية والروابط الأسرية والاجتماعية داخل معسكرات اللجوء والشتات الطويل. فقد غابت تربية الشارع والحي السوداني الأصيل الذي كان يسهم بدور كبير في تنشئة الأبناء وتقويم سلوكياتهم إلى جانب الأسرة، وضاعت معها الكثير من القيم والتعاليم الدينية والأخلاقية الراسخة. وفي ظل هذا التشتت المرير وتفرق أيدي سبأ، وجد الشباب أنفسهم في مهب الريح أمام مستقبل مجهول ومعالم ضبابية لا توضح ما إذا كانت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ستتحسن قريباً أم أن الكارثة مرشحة للتفاقم والاتساع، مما يعمق جراح الجيل الناشئ ويضاعف من حجم التحديات الوجودية المفروضة عليهم في منافي الاضطرار.
ضبابية المستقبل المرتقب
وفي خضم هذه المعاناة المستمرة على مدار ثلاثة أعوام كاملة داخل مخيمات اللجوء، تظل الخطة غامضة والرؤية منعدمة تماماً أمام الملايين من أبناء السودان المهجرين قسراً. فلا أحد يمتلك اليقين بشأن مآلات الفترة القادمة، وهل ستشهد البلاد استقراراً أمنياً واقتصادياً يسمح بالعودة الطوعية الآمنة إلى البيوت والأوطان، أم أن دوامة الأزمات ستستمر في حصد ما تبقى من أحلامهم. إن هذا الغياب التام في الأفق ينذر بكوارث إنسانية واجتماعية أعمق أثراً، مما يتطلب وقفة جادة وتكاتفاً حقيقياً لمعالجة جروح الذاكرة السودانية المكلومة وإعادة بناء ما تهدم في النفوس قبل الحجر، لعل وعسى أن يجد الإنسان السوداني طريقه مجدداً نحو الاستقرار والسكينة المفقودة.

